أفضل الأعمال المُختارة من صحيفة “الباييس” الإسبانية

رواية السيرة الذاتية؛ وأليجوريا عالم الحيوان، إضافة إلى 9 مؤلفات أخرى

0

 

اختار نقاد جريدة “الباييس” الإسبانية أحد عشر كتاباً كأفضل الكتب الصادرة مؤخراً، وتراوحت الكتب ما بين روايات ودواوين وكتب فكرية وترجمات من لغات أخرى. اخترنا من بين هذه الكتب الإصدارات التي تخص كُتّاب اللغة الإسبانية:

“الشخص الأول”

بزغ اسم الكاتبة الكولومبية مارجريتا جارثيا روبايو (1980) في السنوات الأخيرة كواحدة من أفضل كاتبات اللغة الإسبانية، وفي روايتها الأحدث “الشخص الأول” تنطلق روبايو من سيرتها الذاتية لتشيد عملاً لافتاً يتناول أفكاراً تبدو من الثوابت: الأب، الأم، الزوج، البيت، الجنس، في محاولة سردية شيقة ومشغولة بمفهوم الزيف. ولعل ما يلفت الانتباه للعمل كون المؤلفة مفكرة من الطراز الأول، وصاحبة حياة ملأى بالدراما، بداية من الانتقالات الجبرية من مدينة إلى مدينة، وكرهها للبحر (رغم أنها كاريبية)، ومروراً بصعوبات الرضاعة وهي رضيعة، وتربيتها الجنسية في مدرسة دينية، ثم الانتقال إلى الأدب وممارسته على هامش حياتها، وأصالة كتابتها. هي روح متمردة، حذرة من النظرة المتفائلة، لا تسعى إلى أن تكون طيبة أو ناعمة أو جذابة، لكن تفكيرها المعقد، للمفارقة، يتجلى بأسلوب جذاب، جاذبية في التناقض، وهذا التناقض هو ما يجعل منها ناثرة عظيمة.

من السهل أن ندرك علاجية الأدب في بعض فصول “الشخص الأول”. ففي فصل “حب الأب” ثمة نص حول علاقات المؤلفة العاطفية مع رجال كبار بدافع تعويض الأب. وفي “خطف الجنون” تحليل لأجواء بيت تعاني فيه الأم من أزمة عقلية، أزمة باتت معتادة من تكرارها. وفي “تربية جنسية: مذكرات مراهقة” نجد أنفسنا أمام رواية عن البدايات الجنسية، بتحليل ناعم حول العنف الممارس على فتاة شابة. لكن العنف والاستغلال قرينان بالبرود والمسافة. وهنا تمتاز روبايو بفضيلتين: الاستسلام والعفة. كان يمكن أن تستغل المؤلفة الفرصة لتناول هذه القضايا من وجهة نظر الاستياء، لكن نصوص “الشخص الأول” اختارت تأسيس الأفكار على التأمل والغرابة، وطورتها لتكون أكثر عالمية. لذلك انتصرت السخرية على الإدانة الواضحة. وليست السخرية وحدها، إنما كل استراتيجيات الذكاء حتى لا تقع في فخ استسهال الأفكار. لقد قدّمت الرواية أفضل ما يقدمه الأدب السيَري، المتهم أحياناً بنرجسيته وعدم أخلاقيته، حيث شكّلت أخلاقاً مغامرة ومغوية، وشيّدت وكشفت حقائق تتجاوز سجن الأخلاق المزدوجة كما تتجاوز الأكاذيب التي نحكيها عن أنفسنا.

“هذا الضباب الطائش”

رواية أخرى تؤكد فرادة العالم السردي للكاتب الكبير إنريكي بيلا ماتاس. يمكن أن نشير إلى

“رواية “هذا الضباب الطائش” تؤكد فرادة العالم السردي للكاتب إنريكي بيلا ماتاس. يمكن أن نشير إلى فردين متناقضين فيما بينهما، يشكّلان هذا البناء السردي، بجانب ملامح أخرى ليست أقل تميزاً في كتابته: الفكاهة، المفارقة، التناص، والتهجين النوعي”

فردين متناقضين فيما بينهما، يشكّلان هذا البناء السردي، بجانب ملامح أخرى ليست أقل تميزاً في كتابته: الفكاهة، المفارقة، التناص، والتهجين النوعي. “هذا الضباب الطائش” مركّزة في صراع الكاتب راينير بروس، وهو شخصية مزدوجة تترنح بين وعيين وترتاب في جدوى الكتابة، يتحرك ما بين أن يواصل فيها أو يرفضها، أو يستسلم لما تمنحها له من سعادة. راينر يعيش في نيويورك، ويختبئ وراء حالة من الهذيان. أما الآخر فأخوه الأكبر سيمون، قرينه المتواضع المكلّف بتنظيم حفلات رواياته، والعاشق للعبارات المتناثرة، والمنسحب ألماً من الحياة في بيت عائلي.

ينتقل سيمون إلى برشلونة للقاء أخيه، وهنا يعاد تشييد قصة كل منهما وعلاقتهما المتبادلة التي تمر بمراحل من الصدام، قصة تتنوع ما بين الغرابة والبساطة، التماهي والتناقض، والحقيقة المزيفة، الأصالة والتقليدية. ثمة كُتّاب لهم حضور في هذا العمل، مثل أونامونو وأورتيجا إي جاسيت وفلوبير. ومن آن لآخر يظهر بيلا ماتاس بسخرية لاذعة من بروس ذي الطموحات المرتفعة والموهبة والفظاظة، كاتب حذرته شابة ذات مرة أن الكاتب “حين يكرس حياته لبيع نصوصه وتحويلها إلى سلعة، سينتهي به المطاف كماركة”. ولأن هذا العمل قد كُتِب في نهايات أكتوبر 2017، حين كانت كتالونيا تطالب بجمهوريتها، سنرى هذا الملمح في الخلفية.

“عالم الحيوان”

هو عنوان الديوان الرابع للشاعرة بيرخينيا نابالون (1988)، الفائز بجائزة إميليو برادوس. هنا لا تقوم الحيوانات بدور الرموز الأخلاقية ولا الأساطير المنزلية، إنما شهود لعالم تتفكك فيه الذات وتتجدد باتباع قانون الدورات الطبيعية. ومثلها مثل خوليو كورتاثر في كتاب أيضاً عن عالم الحيوانات، تقوم الحيوانات بفتح الباب لإدخال الغرابة إلى الخطاب وتكشف الثغرات الفانتازية التي تختبئ وراء سطح الحياة اليومية. بالنسبة إلى نابالون، تقوم الجعارين والنمل الأحمر بمهمة عربة للتأمل، هكذا تقسّم الكتاب إلى: “ثقل الروتين” (العالم)، “مرور الوقت” (الزمن)، “الهجران الحياتي” (الوحدة)، “أزمة الهوية” (الأذى) و”البحث عن أفق جديد” (الانتقال).

تعتمد الشاعرة القصائد القصيرة التي لا تنقصها الأليجورية (“الأربعاء أيضاً سأروح/ إلى مكتب حديقة الحيوانات./ سألعب الخميس/ لأعبر الحمار الوحشي،/ لأقفز فوق إشارات المرور”). (“في قطرة ندى/ تسع السماء”. “يمكن أن تحبس حياة/ في كلمة غياب”).
هذا القلق التعبيري يتجسّد في عناصر أخرى تعكس جمالية الاغتراب التي تدافع عنها الشاعرة،

“يعود راي لوريجا في روايته “سبت وأحد” إلى لامبالاته المعتادة تجاه القارئ. وتنقسم الرواية إلى قسمين، أو يومين. يوم سبت بعام 1988، ويوم أحد بعام 2013.. وتسير الرواية بدون أي دراماتيكية زائدة عن اللازم، وبدون أي كتابة فائضة عن الضرورية لحكاية القصة التي تبدو أغنية راقصة. قصة حزينة ومصيبة باليأس”
مثل الكلمات الجديدة، التركيبات اللغوية أو المعجمية: هكذا، فالساعات “تتكتك”، واليأس “يُحشّر الجو”، والأشجار تستيقظ “مبذورة”. وما بين الإنتيمولوجيا الثقافية والاحتفال بالطبيعة الحية، تراهن نابالون قطعياً على الثاني.

في النهاية، هذا ديوان مدهش يأسر القارئ لنضج تأمله الوجودي ولسعة خيال قصائده التي تبدو أنها تعتنق “الواقعية الحلمية”.

“سبت وأحد”

يعود راي لوريجا في روايته “سبت وأحد” إلى لامبالاته المعتادة تجاه القارئ. تنقسم الرواية إلى قسمين، أو يومين. يوم سبت بعام 1988، ويوم أحد بعام 2013. في اليوم الأول، من يحكي لنا الحكاية مراهق لا يعرف أن يخطو خطوة بدون صديقه الصيني، وهو شاب واثق جداً من نفسه قادر على تحقيق نجاحات في جذب الفتيات. يعيشان في حي للطبقة الوسطى والعليا. الصيني يتجول بالشوارع بسيارات شديدة الفخامة ويشرب بإفراط، وبجانبهما، نجد جيني، ابنة عم الراوي. وذات ليلة يتجه الصديقان إلى الشرب في حانة ويتعرفان هناك على فرناندا، فتاة جميلة تشعر بانجذاب سريع تجاه الصيني. ثم يتجهون جميعاً إلى بيت الصيني ويحدث هناك شيء غريب لا يكشفه الراوي حتى تمر سنوات طويلة، حين يغدو ناضجاً وأباً لفتاة مراهقة.

ثمة خط آخر هو خط جيني، فتاة مؤهلة جداً ومستعدة للسفر إلى باريس للدراسة. ذات يوم تتعرف على رجل أجنبي وتتزوج منه. تنفصل عدة مرات، وأثناء ذلك تغدو روائية شهيرة. يسلط الراوي الضوء على العلاقة بين الراوي وجيني. تدريب حقيقي على الحسية المنفلتة. أثناء ذلك، تبقى ذكرى يوم السبت تؤنب الراوي غير أننا لن نعرف ما هذا الحدث حتى النهاية.

تسير الرواية بدون أي دراماتيكية زائدة عن اللازم، وبدون أي كتابة فائضة عن الضرورية لحكاية القصة التي تبدو أغنية راقصة. قصة حزينة ومصيبة باليأس. يستطيع راي تحقيق ذلك عبر فطرته السردية، وهي مزية في نصوصه منذ روايته الأولى.

هذه رواية مزلزلة للمشاعر (رغم أن مؤلفها حاول ألا يكون كذلك) إلى حد أن القارئ سيتمنى أن تكون له ابنة عم مثل جيني. امرأة شديدة البصيرة، حتى عندما تخطئ. شخصية كانت تستحق أن يتخذ راي لوريجا من اسمها عنواناً لعمله.


إعداد :  أحمد عبد اللطيف

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.