قراءة في كتاب نظرية العقل للدكتور جورج طرابيشي

0

 

كقارئ ومتتبع لمشروع محمد الجابري ’ سمحت لنفسي بحكم هذه المتابعة القيام بقراءة في كتاب نظرية العقل لجورج طرابيشي لأن قارئ الجابري هو قارئ طرابيشي . ويعتبر الكتاب بداية مشروع لنقد نقد العقل العربي الذي جاء ردا على نقد العقل العربي .

يعمد طرابيشي إلى تفكيك مجموعة من الإشكالات طرحها الجابري في مشروعه كإشكالية العقل المكون (بكسرة الواو وتشديده) والعقل المكون (بفتح الواو وتشديده) وإشكالية التفكير في العقل والتفكير بالعقل ’ وإشكالية التصنيف الثلاثي للأنظمة المعرفية : النظام البياني والنظام ألعرفاني ثم النظام ألبرهاني ’ وإشكالية العقلانية المغربية واللاعقلانية المشرقية’ وإشكالية الضدية الابستمولوجية ما بين العقل العربي والعقل الغربي (اليوناني و الأوربي الحديث).

فجورج طرابيشي يتهم الجابري بتشويه لصورة المشارقة كما شوها قبله هيغل لأن المشارق في رأيهم لم يمارسوا التفكير في العقل ’ بل اكتفوا بالتفكير بالعقل عكس المغاربة (الغرب الإسلامي) .
ففي هذه القراءة سنتوقف على هذه الإشكالات وعلى هذه الاتهامات مع استعراض ما غيبه الجابري وما سكت عنه ’ وما استحضره جورج طرابيشي .

فالكتاب يتضمن مقدمة وخمسة فصول وهي :

– الفصل الأول ويتناول نظرية العقل عند الجابري

– الفصل الثاني ويتناول التوظيف المركزي ألاثني لنظرية العقل

– الفصل الثالث ويتناول هجاء العقل العربي

– الفصل الرابع ويتناول تطور مفهوم العقل في الحداثة الأوربية

– الفصل الخامس ويتناول العقل والحداثة .

يقول طرابيشي في تقديم الكتاب : استغرق مني الإعداد لهذا العمل ثماني سنوات ’ فكان علي أن اقرأ كل ما قرأه الجابري ولا كل ما قرأه أو صرح أنه قرأه فحسب ’ بل كذلك ما لم يصرح انه قرأه وما كان يفترض انه قد قرأه.

وقف طرابيشي على المفاهيم المركزية التي اشتغل عليها الجابري خاصة مفهوم العقل . فالجابري ليس اول من استعمل هذا المفهوم’ ومع ذلك فالجابري هو وحده الذي استأثر دون من تقدمه بامتلاك حقوق ملكية التعبير وبامتياز تمثيل العقل العربي تحليلا ونقدا وترويجا للمفهوم بما هو كذلك في المجال التداولي للثقافة العربية المعاصرة (ص11) .

وإذا كان الجابري وحده سجل وحفظ وامتلك حقوق التعبير عن العقل العربي بامتياز فان طرابيشي اعترض على هذا السجل وهذا الحفظ وامتلاك هذه الحقوق ’ واعتبر نفسه و وريثا شرعيا له الحق في الطعن في الحكم بل مطالبة استئناف الدعوة ومتابعة من شوه سمعة المنطقة الجغرافية التي ينتمي إليها مع حضور الشهود والحجج القانونية والشرعية والتاريخية والفكرية … مطالبا بحقوق المشار قة من بابليين وكالدانيين و مصريين قدامى وصينيين و حتى الارمين والفرس .

فالجابري في التأسيس لمشروعه طرح عدة أسئلة في كتابه الأول للمشروع أهمها : ما طبيعة العقل العربي بوصفه أداة للتفكير ؟فكان الجواب عند لالاند في كتابه العقل والمعايير الصادر سنة 1948 الذي يميز فيه بين العقل المكون(=العقل الفاعل والعقل السائد) إلا أن تعريف العقل المكون هو الملكة التي يستطيع بها كل إنسان من إدراك العلاقات لا وجود لها عند لالاند في كتابه المذكور ولا في كتاباته إجمالا وإنما هو تعريف لبول فوكييه مؤلف معجم اللغة الفلسفية وهو المسكوت عنه (ص14).

فالعقل الذي يتكلم عنه لالاند هو عقل توحيدي عكس صاحب نقد العقل العربي الذي قسم الذي قسم العقل العربي الى عقول : بياني وعرفاني وبرهاني . فهو بدل من ان يوحد هذه العقول أقام حربا ضروسا بينها .
فكان انتصار العقل ألبرهاني ابستمولوجيا على العقلين البياني والعرفاني . وعلى المستوى الاديولوجي ’فكان انتصار العقل السني على العقل الشيعي ’ وجغرافيا انتصر العقل بالمغرب والأندلس عقل المشارقة.
يقول طرابيشي : إن الجابري تورط في صراعات وحروب أهلية وفوت على نفسه فرصة لتطوير موقف نقدي وبالتالي فهو يحصر نفسه في مركزية أثنية حضارية (ص24).

ومن بين المرجعيات التي اعتمد عليها الجابري : دروس في تاريخ الفلسفة لهيغل الذي قسم العلم إلى عالمين :
احدهما تاريخي والأخر اللاتاريخي ’ واعتبر الفكر الغربي كفكر للعالم ’ وفي القمة فكر الدولة البروسية الألمانية. وفي المقابل قسم الجابري الوطن العربي إلى عالمين :

عالم يفكر بالعقل والأخر يفكر في العقل مع إقصاء الحضارات الأخرى غير العربية وغير اليونانية والأوربية .
يقول الجابري نفسه : إننا عندما نتحدث عن العقل العربي ’ فنحن نميزه في نفس الوقت عن العقل اليوناني والعقل الأوربي الحديث (ص 26). فهو يرى أن هذه العقول الثلاثة هي التي أنتجت ليس فقط العلم ’ بل أيضا نظريات في العلم . ويقول كذلك : إنها في حدود ما نعلم التي مارست التفكير في العقل ’ إنهم مارسوا التفكير النظري العقلاني منفصلا عن الأسطورة و الخرافة … (ص26).

وكمنهج استحضر طرابيشي ما غيبه الجابري وغيب ما استحضره وصولا إلى سؤال : من قام بالتفكير في العقل ’ ومن قام بالتفكير بالعقل في الحضارات اليونانية والأوربية الحديثة والعربية في كل من المشرق والمغرب ؟

يغيب الجابري حسب طرابيشي العلوم في الحضارات الشرقية (يغيب العقل كفاعل ) ويستحضر السحر الذي يمثل نموذج التفكير اللاعقلاني . فالسحر هو العنصر الأساسي في بنية عقل هذه الحضارات ’ وفي المقابل يستحضر طرابيشي الجانب العلمي الذي غيبة الجابري في هذه الحضارات . يرى طرابيشي أن جميع الكتب التي اهتمت بالعلوم القديمة في الحضارات الشرقية تتفق على انه كانت هناك علوم بمعنى الكلمة ’ وفي ميادين شتى. ويستشهد بمؤرخ العلم في العالم القديم بنيامين فازنغتون وبجورج رفي في كتابه ما بين النهرين (ص 36) وبارتر للوين باشام البريطاني رئيس قسم الحضارات الأسيوية في جامعة كانبرا والمعروف بكتابه حضارة الهند القديمة (ص’42).

وإذا كانت الحضارات الشرقية في نظر الجابري تتسم باللاعقل وان االسحر هو العنصر الأساسي في بنية عقل هذه الحضارات فان جورج طرابيشي يستشهد يصاحب المقدمة (وشهد شاهد من أهلها) و أحد ممثلي العقل في الحضارة العربية الإسلامية . ففي الفصل المخصص لعلوم السحر و الطلسمات يقول ابن خلدون : واعلم ان وجود السحر لا مرية فيه بين العقلاء من اجل التأثير الذي ذكرناه’ ونطق به القران : ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر …( البقرة – 102). ثم يقول : وسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل له انه يفعل الشيء ولا يفعله وجعل سحر في مشط ومشاقة ودفن في بئر دروان ’ فانزل الله عليه المعوذتين في العقد …(46).

أما عن الحضارة اليونانية فقد استشهد طرابيشي ب .أ ردوس أستاذ الهلينيات في جامعة اوكسفورد صاحب كتاب الإغريق واللامعقول..فهو يرد فيه على القائلين بان الإغريق شعب يسري في عروقه وبالفطرة دم العقلانية يقول : إننا نستطيع أن نعزو اليونانيين القدامى مناعة ضد أنماط التفكير البدائي وهي مناعة لا نلتقيها أصلا لدى مجتمع يقع تحت ملاحظاتنا المباشرة (46). ويستشهد بالبروفسور مارتن نلسون عميد جامعة لزندا السويدية واحد كبار الاختصاصيين في ديانة الإغريق يقول : لامناص في التسليم والاعتقاد بالسحر والشعوذة كانت عامة للغاية وواسعة الانتشار في العصر الكلاسيكي (ٌق.5 .ق.م . ) (ص47).

ويستشهد طرابيشي بمؤرخ عصر بريكليس الذهبي عند ظاهرة تحديد الممارسات السحرية ولرد اللاعقلانية التي ضربت اثبتا غداة الحروب البيلونيزية و الذي دفع ثمنها فلاسفة الأنوار إعداما وسجنا ونفيا (47).
نحن لسنا من أصحاب ذوي الحقوق الذين يطالبون بإنصافهم وإنصاف إبائهم وأجدادهم والاعتراف لهم بانتاجاتهم الفكرية والعلمية وهي ميادين شتى ’ لكن لا نقول إن لحضارات الشرقية خالية من السحر و الخرافة ’ ولا نقول إن الحضارات اليونانية والأوربية الحديثة والعربية وحدها أنتجت المعرفة العلمية والفلسفة العقلانية ولا نقول ان هذه الحضارات الأخيرة كانت خالية من السحر والخرافة والتعويذات ’ فجميع هذه الحضارات مارست التفكير بالعقل وبدرجات متفاوتة .

يستخلص طرابيشي من خلال قراءته لنقد ا لعقل العربي المسلمتين التاليتين :

1-التفكير في العقل درجة في المعقوليةأسمي من التفكير بالعقل.

2-العرب واليونانيون والأوربيون وحدهم مارسوا التفكير في العقل .

ومن خلال هاتين المسلمتين توصل الجابري إلى النتيجة التالية وهي :
دورالعرب و واليونانيين و الأوربيين من المعقولية أعلي من درجة الحضارات القديمة من مصريين قدامى وبابليين وهنود … (ص70).

نحن إمام إشكالية مبنية على التفاضل والإقصاء : إشكالية مبنية على الحضور الغياب . والغائب هنا هو الموضوعية . هل لا شأن للعقل غير أن يفكر في نفسه ؟ هل نبقى سجناء لفكر عصر ديكارت و كانط وهيغل ؟ألم يصبح العقل تابعا للعلم ابتداء من بداية القرن العشرين مع التحولات التي أحدثها لوي دوبروي وهيزنبيرغ وريمان واينشتين وماكس بلانك ؟

يقدم طرابيشي شواهد وحججا لدحض ما يفترضه أصحاب النزعة المركزية الأوربية ومن تبنى أطروحتهم . تؤكد هذه الحجج انه بجانب العرب الذين مارسوا التفكير في العقل في العصر الوسيط فان المعطيات التاريخية تؤكد إلى جانبهم كان الفرس والأرمن. نكتفي بما قاله صاحب المقدمة : أين تراث وعلوم الفرس التي أمر بها الخليفة عمر بن لخطاب بمحوها عند الفتح ؟

ويستخلص طرابيشي أن الجابري طرد جميع العقول الحضارية جارح المثلث الذهبي (اليونان – العرب – الأوربيون) واستبعد الشرق كله خارج دائرة العقل مع إقصاء العقل المشرقي والدفع به نحو دائرة حضارات اللاعقل مقابل احتضان العقل ا لمغربي والدفع به نحو حضارات دائرة المفلسة والعلم والمنطق(‘ص119).
تلك هي أهم المصادرات الابستمولوجية ة التي بنى عليها الجابري مشروعه نقد العقل العربي يقول طرابيشي : فلا يستقيم للجابري مشروعه ما لم يدخل العقل العربي إلى حلبة التباري رغم عدم التكافؤ (193) .
ركزنا بالدرجة الأولي على أهم الاشكلات التي طرها الجابري في مشروعه نقد العقل الغربي ومحاولة طرابيشي لدحضها ’ وهل رد طرابيشي الاعتبار إلى المشارفة حقوقهم المهضومة كما يدعي .؟
على سبيل الختم

بعد قراءتنا لمشروع الجابري(الأجزاء الأربعة ) ’وبعد متابعتنا لمسيرته الفكرية ’ وبعد قراءتنا لكتاب نظرية العقل للدكتور طرابيشي (اللبناني) نستخلص أن الإشكالية العامة التي يثيرها كل من الجابري (المغربي ) وطرابيشي هي اشتالية تدخل في إطار الصراع التقليدي بين المشارقة و المغاربة . صراع بين اصل وفرع : بين بنيتين فكريتين متقابلتين ’ بل بين مشروعين ثقافيين : الأول تمثله سلسلة الفارابي وابن سينا والغزالي والثاني يمثله كل من ابن حزم وابن باجة وابن طفيل وابن رشد والشاطبي …

المشروع الأول تحكمه إشكالية التوفيق بين العقل والنقل : بين الشريعة والحكمة نتيجة تصادم العرب بثقافة الفرس وثقافة الإغريق . والمشروع الثاني تحكمه إشكالية الفصل على مستوى المنهج واليات التفكير والتصور للقضايا المطروحة .

ففي هذا السياق يقول الدكتور فهمي جدعان (التراث والحداثة ط1 .1991.ص329) في إحدى المحاورات الفكرية مع ب؟؟؟ الكويت سنة 1989 يقول :

وفي اعتقادي أن من حقك علي إن أبارك بالحديث لأقول : إن لقاءنا هنا يختزل في عيني صورة لقاء المشرق بالمغرب ويثير في شجون الوطن العربي الذي راودت وحدته عقول أجدادنا وأفئدتهم ’ وهي تر اود اليوم عقولنا نحن وأفئدتنا .

لقد كا ن ذلك حلما دائما لم يبدده تزامن خلافتين أو أكثر في إرجاء المشرق والمغرب في هذه الفترة أو تلك . واليوم نحاول أيضا أن نحول شيئا فشيئا عبر حقول الألغام والهموم والآلام…هذا الحلم الكبير إلى واقع … ربما لا تكون فائدتنا الوحيدة أنها تكسر حواجز التشتت والتفرق وتنسج خيوط حلم عزيز علينا في المشرق وعزيز عليكم في المغرب.

إني أتحدث مع صاحب نظرية في العلاقة بين المشرق والمغرب وهي نظرية لاتسر المشارقة كثيرا وكان عند بعض كتابهم صدى غير محمود’ فقد انتهى كثير من قرائك إلى انك قد كرست ضربا من ا لقطيعة بين المغرب والمشرق معرفيا (ابستمولوجيا ) بين جناحي الوطن العربي وقلت إن ثمة مشروعين كبيرين احدهما نسبته إلى المشرق ممثلا في ابن سينا وثانيهما نسبته إلى المغرب ممثلا على وجه الخصوص بان رشد.

ولقد ذهبت فعلا إلى أن ما سميته المشروع المشرقي : غنوصي لاعقلاني .. بينما المشروع المغربي هو مشروع ذو طابع عقلاني … وانه لاسبيل إلى الجمع ببينهما .

إن هذا النص على طوله يشخص في رأينا لقاء جناحي الوطن العربي. فلكل من طرابيشي وفهمي جدعان (ممثلا المشرق) والجابري( ممثل المغرب ) مرجعية فكرية ينطلق منها وإشكالات لها خصوصيات معينة ’ لكن علاقة المرجعيتين والإشكاليتين لن تصل إلى حد التعارض ’ بل إلى التكامل. فكل جناح من جناحي الوطن العربي يكمل الأخر . فالقطيعة التي تكلم عنها الجابري هي قطيعة معرفية وإجرائية وليست في التاريخ وفي اللغة وفي الدين.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.