تاريخ النُّبوة توْراتياً – 3 –

0

 

عرضنا فى المقال السابق لأشهَر الأسماء التي كان يشار بها إلى تلك الشراذم أو الجماعات اليهودية عبر تاريخها؛ وهذه الأسماء_ حسب الترتيب الزمني _من الحقبة المبكرة إلى الحقبة المتأخرة (العبرانيين – بني إسرائيل – اليهود) كما تذاكرنا سوياً أن تاريخ تلك الجماعات ينقسم إلى قسمين أساسيين هما تاريخ العبرانيين وتاريخ الجماعات اليهودية، وتوقف بنا الركب إزاء سؤال يُحفِنا الإجابة، وهذا السؤال، هو؛ هل هناك ما يعرف بالتاريخ اليهودي ؟!

وهذا السؤال _الرئيس_ يرفد نهر تساؤلاتنا بسؤالين فرعيين، الأول سؤال ماهية، عن ماهية هذا التاريخ اليهودي؟ والسؤال الثاني سؤال عن طبيعة الانتماء الديني والسياسي والثقافي للذين يتبنونه وينادون به؟

فما هو تعريف” التاريخ اليهودي” ؟

يفترض مصطلح التاريخ اليهودي وجود” تاريخ يهودي” مستقل عن تاريخ كافة الأمم والشعوب فى هذا العالم، كما أنه يفترض أن لهذا التاريخ مراحله التاريخية وفتراته المستقلة، وقوانينه ومعدل تطوره، وحركته الخاصة.
وهو تاريخ يشمل اليهود دون غيرهم من شعوب المعمورة، وهم وحدهم الذين يتفاعلون داخله مع عدد من العناصر المتنوعة أهمها العنصر الديني، وبعض الأشكال الاجتماعية التي تقتصر عليهم كأتباع لهذا الدين.
وهذا المصطلح _التاريخ اليهودي_ مصطلح متجذر في سياق الحضارة الغربية، فى كلا جانبيها الديني والاقتصادي، وذلك راجع لإعتبار الكنيسة أن “العهد القديم” يعد كتاباً مقدساً، هذا الكتاب الذي يروي قصة الخروج من مصر وكيف كان الإله يسير أمام العبرانيين بشكل عمود دخان أثناء النهار وعمود من النار أثناء الليل ليهديهم الطريق، وكيف عقد الرب معهم المواثيق، لذلك، فبعض المؤمنين بالتاريخ اليهودي من الغربيين يرون أن اليهودي ما هو إلا وريث العبرانيين القدامى، وقد تبدى ذلك فى المنظور الكاثوليكي من خلال فكرة ” الشعب الشاهد”، وكذلك فى الكنيسة البروتستانتية من خلال فكرة “العود الأبدي” التي ترى أن عودة اليهود إلى صهيون حتمية لكي يتم الخلاص ومن ثم يصبح حلم الفردوس الأرضي ممكناً، كما أدى إضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفة فى الفضاء الخاص بالحضارة الغربية إلى تنامي الشعور بعزلتهم، وعدم خضوعه لآليات وحركيات ذلك المجتمع.

ومن هذه الإجابة السريعة عن السؤال الفرعي الأول، نستمد الإجابة عن السؤال الفرعي الثاني وكان عن طبيعة الانتماء الديني والسياسي والثقافي لمن يؤمنون بوجود ما يسمى” التاريخ باليهودي” ؟
والإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلي كثير عناء، فمن البديهي أن من يؤمن بوجود التاريخ اليهودي هم جموع ممن يدينون باليهودية ويعتقدون فيها، وكذلك تتبني الحركة الصهيونية العالمية ذات الفكرة، بالإضافة إلى التشكيل الحضاري الغربي والبروستانتي منه بشكل خاص، وبعض الكتابات العربية المتأثرة بالحضارة الغربية، وقطعان الداعين إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني.

وبعد هذه الإجابة المقتضبة عن سؤالينا الفرعيين، نعود لسؤالنا الرئيس الذي يطرحه هذا البحث ، هل هناك حقاً ما يعرف بالتاريخ اليهودي ؟!

للإجابة عن هذا السؤال، دعونا نقرر بداية ، وبلا خلاف، أن التاريخ علم من العلوم ، بمعنى آخر؛ أنه يخضع لما تخضع له سائر العلوم من مناهج البحث العلمي، الاستقرائية منها والتاريخية والتجريبية والاستنباطية، وذلك بغية الوصول إلى نتائج ومن ثم التأكد من صحتها، بينما اليقين الديني لا يقوم على شيء من هذا، فاليقين الديني وليد الحس والحدس والعاطفة والشعور، وليس وليد التجربة والاستنباط، أي أن كل من العلم والدين يشكلان خطان متوازيان لا يلتقيان إلا لماما، فكيف أُكسب علم إنساني ما، صبغة دينية تضفي عليه شكلاً من أشكال القداسة ؟! ، وذلك كأن أقول ” التاريخ الإسلامي” إن ذلك يشبه عبارة من قبيل ” الفيزياء الإسلامية” أو ” علم الفلك المسيحي” أو ” الكيمياء البوذية”.

ثم لو أننا سلمنا بوجود هذا التاريخ اليهودي، فإن ذلك يؤدي لا محالة، إلي وجود غيره من” التواريخ الدينية”، فليس ثمة ما يمنع من وجود ” تاريخ إسلامي” ” وآخر مسيحي” “وثالث هندوسي” وهكذا، وهو ما يجافي طبيعة العلم ويقطع معه بقسوة وبشكل حاسم،

نعم، هناك تاريخ إسلام، وتاريخ مسيحية، وتاريخ هندوسية ينفصل تماماً عن تاريخ المسلمين وتاريخ المسيحين وتاريخ الهندوس ، وهو ما ينطبق بحسم على تاريخ الجماعات اليهودية، أي أن هناك تاريخ لليهودية منفصلاً عن تاريخ الجماعات اليهودية.

وإلى هنا أجدني بحاجة إلى طلب المدد من صاحب المدد فى هذا الجزء من البحث، أعني العالم الذي تأيمت بعده أخلاق الكبار وخلال المفكرين وهيبة العلماء الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري؛ حيث يضيف إلى ما ذكرت آنفا، فى موسوعته المرجع الفريدة المعنونة اليهود واليهودية والصهيونية ما معناه “إن الإيمان بما يعرف بالتاريخ اليهودي له نتائجه السلبية معرفياً وخلقياً وإنسانياً، فهو يبّسط هذا التاريخ ويختزله ويجعله تافهاً، إن استقلالية أي بناء تاريخي تعني استقلال أبنيته الحضارية والاقتصادية والاجتماعية والرمزية المرتبطة به، كما تعني تجانسها النسبي فى كل مراحله، فمن الثابت تاريخياً أن المكون البشري لتلك الجماعات اليهودية يتسم بعدم التجانس ، وأن أبناء تلك الجماعات كانت توجد فى مجتمعات تسودها أنماط إنتاجية وحضارية تختلف باختلاف الزمان والمكان ، فيهود اليمن فى القرن التاسع عشر، كانوا يحيون فى مجتمع صحراوي قبلي عربي، بينما يهود الولايات المتحدة كانوا يعيشون فى مجتمع حضري رأسمال غربي، فإذا بحث المرء فى العنصر المشترك بين يهود اليمن ويهود الولايات المتحدة لوجدَه عنصرا واحد فقط هو عنصر الدين اليهودي وحسب ، وحتى هذا العنصر الديني يختلف اختلافاً حاداً بسبب الطبيعة الجيولوجية التراكمية للديانة اليهودية ، وكذلك بسبب غياب سلطة دينية مركزية ، وعلى فرض وجود ما يسمى بـالتاريخ اليهودي فما هي أحداث هذا التاريخ؟! وهل تأتي الثورة الصناعية ضمن أحداثه؟! فآثارها على اليهودي فى التشكيل الحضاري الغربي ، ليست كأثرها على اليهودي فى التشكيل الحضاري العربي ، كما أن نموذج التاريخ اليهودي المستقل يفترض وجود جوهر يهودي كامن ، يشكل ما يشبه النمط الفكري الجاهز لكل الأشكال التي عاش فى إطارها أعضاء تلك الجماعات ، عبودية فى مصر ، ثم خروج ، ثم شتات ( دياسبورا) ثم التسلل إلى أرض كنعان، ثم إقامة مملكة، ثم سبي بابلي ، ثم عودة مع كورش وبناء الهيكل الثاني… الخ ، كل هذا يجعل من التاريخ أمراً لا علاقة له بالواقع الإنساني ، هذا النمط الهندسي المتكرر الرتيب للتاريخ لا يتنافى مع الروح العلمية وحسب، بل ومع الروح الإنسانية بإنكاره لتفاعل اليهودي مع البيئة المحيطة به يتأثر بها ويؤثر فيها، شأنه فى ذلك شأن كل أعضاء الجماعات الدينية والإثنية الأخرى، لذلك أستبعدنا مصطلح التاريخ اليهودي ، لأنه لا يصلح لتفسير المسار العام لتاريخ تلك الجماعات “.

وبناء على ما سلف فأنه يمكننا معاً أن نقرر أننا توصلنا إلى أنه لا وجود لما يعرف بالتاريخ اليهودي ، وهو ما يسقط معه عدد من الإدعاءات اللاعلمية واللاعقلانية مثل” الجوهر اليهودي ” والشعب اليهودي” ” والبطل اليهودي” و” العبقرية اليهودية” و” أرض اليهود”، وكلها تحتاج أن نفرد لها معاً مصنفات مستقلة لكشف زيفها وتهافتها وسقوطها ، وهذا ما قد نفرد له جملة مقالات مستقلة للرد عليها
فى وقت لاحق.

وحتي ماورد فى التوراة، هو تاريخ لليهودية وللجماعات اليهودية وغيرها وليس أدل على ذلك من ورود ذكر وجود تلك الجماعات فى بيئات مختلفة ، مثل مصر ، وكنعان و آشور وبابل ، وتأثيرها وتأثرها بمحيطها وعوامل الإنتاج والتشكيلات الحضارية القائمة آنئذ.

بقى أن أذكر أنه وردني سؤال مهم عن تكرار ذكر بني إسرائيل في القرآن الكريم، وعن الفارق بين بني إسرائيل واليهود ، وهو ما أعد أنني سأتوقف عنده في مقال خاص عند الحديث عن الإسخاتولجيا (( آخر الأيام)) في اليهودية.

والله أعلم.

 

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.