نقد

ثقافة وَهْم القوة

 

تتشكل ثقافة القوة، عند أمة ما متى أحست بأنها متفوقة، بالقوة وبالفعل معا، على غيرها من الأمم والشعوب. وتسعى إلى بسط هيمنتها على غيرها بالحرب أو بالسلم، وذلك بهدف إدامة قوتها وفرض وجودها. يبرز هذا التفوق من خلال المقومات التالية: دولة مركزية قوية، وأيديولوجيا قادرة على الاستقطاب، وبنية اقتصادية متينة، ومعرفة متطورة. 

توفرت كل هذه المقومات، في مرحلة ما بعد الاستعمار، لأمريكا، بعد أن فقدت أوروبا قوتها التي كانت تتوفر عليها قبيل الحرب الثانية، لذلك يمكن اعتبار المعنى الحقيقي للعبارة المتداولة حول «ما بعد الاستعمار» غير دالة على انتهاء زمن الاستعمار، ولكن على اتخاذه وجها جديدا مع بروز «القوة» الأمريكية التي ترمي إلى فرض هيمنتها على العالم. وما الحرب الباردة سوى نموذج للصراع بين قوتين انتهى لفائدة أمريكا.

نقيض ثقافة القوة ليس ثقافة الضعف كما يمكن أن يعتقد. فمن طبيعة الفرد الإحساس بالأنا، والتفوق على الغير، مهما كانت طبيعة تلك الأنا، أو وضعها الجسدي أو الذهني، حتى إن كان واهنا. وكذلك المجتمع والوطن، فمن طبيعة علاقة الفرد بهما، إلى جانب الإحساس بالانتماء، يطغى عليه الشعور بالافتخار بهما مهما كان وضعهما. وقد كرس الجاحظ رسالة في حب الأوطان تجلي تلك العلاقات. 
إن نقيض ثقافة القوة هو «ثقافة الوهم بالقوة». فمهما كانت الحالة الواقعية لأي فرد أو مجتمع، يظل يدعي كل منهما أنه في حالة تسمح له بالإحساس بأنه أفضل من غيره، أو أنه متميز عنه، إما باستدعاء عرقه، أو تاريخه، أو أيديولوجيته. من يحس بامتلاكه ثقافة القوة، بالفعل، يعمل على إدامتها، بقوة العقل، وتطوير معرفته باستمرار للحفاظ على مكانته، مستغلا ضعف غيره لإبقائه في نطاق تبعيته له. ومن يدعي ثقافة الوهم بالقوة يتصرف بما تمليه عليه الأحاسيس والأهواء، وقصارى ما يمكنه القيام به، وهذا أكبر الوهم، هو اطمئنانه إلى أن قوة علاقته بمن يمتلك ثقافة القوة يمنحه قوة ما، ومنه يستمد بعض مقومات وجوده. لا حصر لما يمكن تقديمه من أمثلة، من التاريخ المعاصر، على قوة أمريكا. ويكفي مثال الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الذي ألمح فيه بوش إلى أن العالم إما أن يكون مع أمريكا أو ضدها. وأمريكا القوية قادرة على التصدي لكل من يعاكس إرادتها، وإرادةَ إسرائيل التي كنا نسميها ربيبتها. وإذا كانت إسرائيل وليدة الاستعمار القديم، فإن الاستعمار الجديد هو من يتولى تحصينها، لأن في ذلك استمرارا لفرض هيمنته على الشرق الأوسط قطب العالم الحديث.
تستمد ثقافة القوة مكانتها الأساسية من امتلاك العلم والتكنولوجيا والمعرفة العلمية، إلى جانب المقومات المذكورة. أما ثقافة الوهم بالقوة فوليدة العواطف والانفعالات والأهواء، لأنها لا تتأسس على ركيزة المعرفة بالعصر أو امتلاك ما يجعلها قادرة على الانخراط فيه. ظل هذا التمايز بين الثقافتين منذ أن هيمنت أوروبا وبعدها أمريكا، وهو مستمر إلى الآن. ويبدو ذلك جليا في هذا الوقت، والعالم يعيش على وقع ما يسميه الإعلام «العرس الكروي»، وهو في الواقع ليس سوى «حرب عالمية» تتخذ بعدا لعبيا مقبولا. وليست الحرب سوى لعب الافتخار بالقوة. ما الفرق بين «الجلادياطور» الروماني الذي كان يقابل خصمه، ويومئ بإبهامه إلى الأسفل، أمام جمهور ينقسم بحسب اللاعبين المتحاربين، وبين الجماهير في ملاعب كرة القدم وغيرها من الرياضات، التي تُستنزف فيها الأجساد باسم «الروح» الرياضية؟ ما الفرق بين مدرجات المصارعات القديمة، ومدرجات كرة القدم؟

هل كان من الممكن للمغرب أن يفوز ملفه القوي أمام أمريكا ترامب؟ قراءة بسيطة لاستراتيجية أمريكا القوية، تؤكد أنها غير قابلة لأن تنافس، وأن كلمتها لا تنزل إلى الأرض. وما الوقاحة التي ظل يتوعد بها ترامب معارضيه على المستوى العالمي سوى خير دليل على ذلك. وكل الذين صوتوا لفائدة الملف الأمريكي كانوا واهمين بأن ذلك سيجعلهم ينالون حظوة القوة الأمريكية، التي لا يمكن أن تحظى برضاها سوى إسرائيل فقط. 

فبعد العراق وسوريا جاء دور إيران، وبعدهما معروف؟ والبقاء لإسرائيل. 
لقد وظف الاستعمار القديم العرب والمسلمين ضد العثمانيين، ورسم خريطة الدول العربية بين أطرافه بالتراضي، وحسب مصلحته الخاصة لإدامة التبعية. وجاء الاستعمار الجديد ليكرس الواقع عينه مستغلا أي فرصة لممارسة التفرقة بين العرب والمسلمين، ولا فرق في ذلك بين السياسة والاقتصاد والرياضة والثقافة أيضا. إن من يشجع الطائفية والعرقية باسم حقوق الإنسان والديمقراطية لا يرمي من وراء ذلك سوى تكريس «ثقافة الوهم بالقوة».

إن امتلاك ثقافة القوة عند العرب والمسلمين، أيا كان اتجاههم السياسي والثقافي، رهين بالدفاع عن السلم ضد الحرب، وممارسة حسن الجوار، وعدم التدخل في شؤون الغير إلا بالمساعدة والتآزر، وتجاوز التحاقد. وقبل ذلك بمعرفة العدو الحقيقي والدائم، وعدم خوض الحروب بالوكالة. ولكي يتحقق ذلك لا بد من الاهتمام بالعلم والمعرفة العلمية، والانخراط في العصر عن طريق إشراك الشعوب في الحياة السياسية. 
بسيادة ثقافة وهم القوة تتكرس الحروب والانقسامات والتبعية.

سعيد يقطين

كاتب وناقد مغربي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، متخصص في السرديات العربية، أستاذ زائر بعدد من الجامعات العربية والغربية، حاصل على جائزة الشيخ زايد في الفنون والدراسات الأدبية، وجائزة الكويت للتقدم العلمي؛ نسخة 2023.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى