نقد

الجامِـع الثقـافـي

أسباب تردي الوضع الثقافي العربي لا حصر لها. فالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية العامة لا يمكنها أن تؤدي إلا إلى تعميق تهميش العمل الثقافي المنتج للقيم والأفكار المفتوحة على المستقبل. فاللقاءات الثقافية، والندوات الفكرية التي تتصل بواقعنا نادرة، والمجلات الثقافية والأكاديمية ضحلة وهزيلة، بسبب الأزمات المتعددة، وخاصة الاقتصادية، وإن كنا نشاهد مقابل ذلك صرف الملايين على أنشطة باسم الثقافة أو الرياضة لا غاية منها سوى الإلهاء والتباهي؟ 
كما أن المثقفين، وقد آل الوضع إلى ما صار عليه، منقسمون على أنفسهم جراء تفاعلهم المختلف مع هذا الوضع بسبب تعدد المشارب، وتنوع التصورات. منهم من تقاعد عن التفكير عن طرح السؤال، وإن ظل يكتوي بنار ما يجري. ويشكل هؤلاء فئة من الذين انخرطوا بشكل إيجابي في مراحل سابقة. ومنهم من يكتب في غياب أي رؤية واضحة أو أفق للخروج من الأزمة، وهؤلاء ممن شرعوا في المساهمة في الواقع الثقافي خلال العقدين الأخيرين. وقل من ينشغل بالبحث في أسباب وآليات الخروج من النفق المسدود الذي وصلنا إليه، سواء من أولئك أو هؤلاء. 
لا يعني هذا الوضع غياب القلق الثقافي، ولا الانشغال بما يجري، فالأرض ما زالت تدور، والهموم الثقافية وما يتصل بها من قضايا واقعية ومصيرية تشغل الجميع بكل تأكيد، لأن الكل يكتوي بنار الآثار التي انتهى إليها واقعنا المأساوي. لكن هل يكفي إعلان الظلام، أو الإحساس باستحالة الرؤية وسط هذا الليل الدامس؟ ما هي المبادرات التي يتم التفكير فيها من أجل الانخراط الجماعي الذي يسهم في تجاوز هذا الواقع؟ ما هي الأسئلة المفاتيح التي تجدد دماء التفكير، وتدفع في اتجاه تدشين حقبة جديدة من البحث؟ من أين يمكننا البدء؟ وكيف يمكن أن يكون العمل لتجنيب الأمة كوارث أضخم من التي تتخبط فيها؟ 
إذا لم نطرح أسئلة مثل: بماذا نبدأ؟ وما العمل؟ لا يمكننا الخروج من الدائرة السلبية التي نحيا فيها. لكن سؤالا آخر يفرض نفسه علينا: لماذا لا نفكر في مثل هذه الأسئلة، ولا نعمل من أجل الجواب عنها واقعيا لتلافي المزيد من الضياع والتشتت؟ أكاد أجزم أن الجواب عن كل هذه الأسئلة مختزل في: الجامع الثقافي. ما الذي يجمع المثقفين العرب هنا والآن؟ هل يكفي الإحساس بما يجري، والقلق على المصير ليكونا جامعين؟ أليس هذا القلق وذاك الإحساس مشتركا بين جميع أفراد هذه الأمة؟ فما الذي يميز المثقفين ويمكن أن يجمع بينهم من أجل طرح الأسئلة والبحث عن منافذ للخروج؟ لو أخذنا روائيا، وصحافيا، وأكاديميا في أي اختصاص من الثقافتين العلمية والأدبية، وسألناهم جميعا: ماذا يكتبون؟ وفيما يبحثون أو يفكرون؟ هل نعثر على جواب كاف وموحد يدل على أنهم منغمسون في الواقع، ويبحثون عن جدوى الوجود العربي في العصر الحديث؟ 
في غياب الجامع الثقافي، لا يمكن للعمل الفردي إلا أن يظل متواصلا، ولا يمكن لهذا العمل أن تكون له أي مردودية لتعقد وتداخل المشاكل التي نتخبط فيها. كيف يمكننا إعادة اللحمة في الانشغال بهمومنا الثقافية والبحث عن الجامع الذي يمكن أن يدفعنا في اتجاه التفكير الجماعي في الواقع والمصير؟ وقد انفرط عقد العمل الجماعي بضياع المؤسسات الثقافية الرسمية والشعبية التي كانت في أوقات سابقة تجمع المثقفين وتدفعهم إلى الانخراط المشترك في الهواجس العامة، والقضايا الموحدة. ما هي المبادرات والوسائل التي يمكن من خلالها انتهاج آليات جديدة للعمل والتفكير؟
بدون طرح الأسئلة لا يمكننا تطوير المعرفة. وحين تتعلق الأسئلة بالأحاسيس والقلق الذي يجمع المثقفين، بما يفرضه الواقع العربي المأساوي، مهما كانت مشاربهم، تأتي ضرورة البحث عن مبادئ ومداخل محددة وملموسة وواقعية للتفكير والممارسة، وفتح النقاش والحوار حول السؤالين الجوهريين: بم نبدأ؟ وما العمل؟
لا مراء في أن هذين السؤالين يطرحهما أي مواطن عربي. ولا شك أن أي مثقف عربي يطرحهما، بينه وبين نفسه، ويفكر فيهما لأنهما معا يفرضان نفسيهما على الجميع. لكن التوجس من استحالة الجواب عنهما نظرا لتعقد الواقع وصعوبة الفعل فيه لعوائق وإكراهات لا عد لها، وغياب الشروط الملائمة، يدفع في اتجاه الاستسلام أو الانتظار. لذلك لا بد أولا من ممارسة التفكير الإيجابي، وتجاوز الرؤية المأساوية والعدمية إلى الواقع العربي الذي يعيش أقصى درجات تحلله وانحلاله. ولعل هذا التفكير الإيجابي هو المدخل الطبيعي ليكون الجامع الثقافي لبدء طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة. 
لم يتولد من الصيرورة التي عرفها الواقع العربي في العصر الحديث، سوى ضياع الأحلام الجميلة والآمال الكبرى. فأمراض الفساد المتعددة مستشرية في مختلف أطراف الجسد العربي. ولا يمكن أن يؤدي ذلك إلا إلى التفكير السلبي في إمكانية صحة أو معالجة هذا الجسد المنخور. لذلك تسود الرؤية المأساوية والعدمية لدى المواطنين والمثقفين على السواء. ولا يمكن أن يتولد عنها سوى هيمنة روح التشاؤم والإحجام والانتظار.
حين يصبح التفكير الإيجابي جامعا ثقافيا سنطرح الأسئلة بحثا عن معرفة.

سعيد يقطين

كاتب وناقد مغربي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، متخصص في السرديات العربية، أستاذ زائر بعدد من الجامعات العربية والغربية، حاصل على جائزة الشيخ زايد في الفنون والدراسات الأدبية، وجائزة الكويت للتقدم العلمي؛ نسخة 2023.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى