سردياتنقد

الخلاص المشروط

تبدأ الرواية بقول البطلة: “خرجت من ضلع جيس.” دلالة على البدء والتكوين، وهذا الخروج المدوّن هنا بلاغي بالدرجة الأولى، إذ صار الجبل الجامد إنسانًا تُستعار له سمات الحركة والحياة. وتعدّ هذه البداية أساسًا يمهّد الطريق أمام سرد شعري يمتد على طول مئة وخمس وثلاثين صفحة.


“أنا هند… الوحيدة التي نجت من داء الكهولة في البلدة المحرمة؛ بلدة عوقبت بألّا تعايد العيد إلا بعد انقضاء هلاله، وها أنا قد جئت بعد انقضاء العيد لأعايد الموتى. تقول بلدتي إن مواليد محرم يولدون بنصف رئة، ولأنني مولودة وفي رئتي هلال محرم، اصطفتني أمي لك أيها الجبل.”


تحيلنا هذه الافتتاحية إلى ما جاء في ملحمة جلجامش من التأكيد على وقوع بني الدنيا في العذاب، ومثلها ما ورد عند سوفوكليس عندما حلَّت اللعنة على بلدة (طيبة) بسبب خطأ أوديب غير المقصود حين قتل والده وتزوج أمه. فكأنّ هندًا هذه التي تحمل الهلال في رئتها استثناء للَّعنة التي أصابت أهل البلدة جميعًا، وهو ما يجعلها حاملة لواء الجبل، وتصحيح النسل حسبما يقول والدها. وتتّضح طبيعة هذه اللعنة حين تستطرد البطلة في الوصف:

“كل من يخرج من رحم البلدة يولد كهلًا، وأنا كأنني خرجت في لحظة استثنائية خارجة عن حسبان الغضب العاصف على البلدة.”


ولعل هذه اللعنة بالذات دون غيرها تنفتح على تأويلات عديدة، فلا يمكن الجزم بتأويل واحد لها، إنّها لعنة مرتبطة بالمكان والتكوين ذي الأصل الواحد، فانقضاء اللعنة يتحقق فيما بعد على يد هند/ الاستثناء حين تتزوج من هيثم يعقوب/ الأجنبيّ الذي ينتمي لأصل غير أصل أهل البلدة، وهو الشرط الذي تكرر على لسان والدة البطلة ووالدها في صفحات متفرقة من الرواية.


وإلى هذه النقطة ربما يكون من المجدي القول إنّ رمزية اللعنة التي أصابت البلدة -والتي لم يشِ النص بأي سبب واضحٍ يفسرها- تعكس فكرة نستنتجها من العامل الرئيس في انقضائها، والمرتبط في أصله بزواج بنت البلدة من الأجنبي، فكأن اللعنة ناشئة عن هذا الانقطاع التام عن الآخر، إلا أن تصاعدًا جديدًا في أحداث الرواية قد يزعزع هذا التفسير؛ وذلك عندما تنتقل بنا البطلة إلى آخر أحداث الرواية، حيث تقول:

“لكنّ الذين خرجوا من ضلوعنا شمّروا سواعدهم علينا، ورشقونا بنبال الجنون.”


وكأنها تقول إنّ الزمان يعيد نفسه، والحدث متّصل لا ينفك عن حاله الأولى، والخطيئة ممسكة بزمام الأمر كله، ما يقطع الشك بأن شيئًا لن يُخرج هذه القرية من لعنتها. وأما هيثم/ الأجنبيّ الذي لم يكن من البلدة في شيء، فقد نفاه الجميع ورفضوا زواجه من بنت البلدة هند، بل وتداولوا الحكايات عنه، ينسجونها من خيالهم، فهو في نظرهم:

“أهل بحر وخصومة، ينام على أطراف المضيق، ويشرب من اللسان المائي ويأكل، ثم يتزندق طوال الليل، ويتغنى بنجم سهيل متى ما أطل رأسه في عرض السماء.”


قد يبدو غريبًا بعد كل هذه المواقف المتشددة تجاه هيثم الرجل الغريب، أن يُقْبَلَ به زوجًا لهند، إذ ما جدوى ما كان من رفض ونفي، إلا أن يكون القنوط هو السبب، فهم في لعنة دائمة، وهند وسيلتهم الوحيدة للتكفير عنها، والعبور منها، لكنّ هذا الزواج غامض كأحداث الرواية وشخوصها التي لا تنبئ الأحداث بنهايات واضحة لها، فالكل يظهر فجأة ويختفي فجأة، باستثناء هند وهيثم.


تحفل الرواية بلغتها الشعرية، ورمزية أحداثها وشخوصها، فخطيب البلدة، هذا الذي يفتي بكلّ ثقة في كل أمر يجِدّ دون العودة إلى أي كان، لا يأخذ أحدٌ كلامه على محمل الجد، وهو ما يمثل انتقادًا صريحًا للكثير من الفلسفة الدينية المبتذلة في المجتمع، التي لا تكاد تتصل بأي حقائق أو دلالات مثبتة في أصلها، أو حتى واقع حيّ.


يمكن أن يستدل على حضور الأجنبي في هذا العمل، من خلال بعض الإشارات العامّة، إذ يأتي وصفه باعتباره آخر مختلفًا، وهو ما يؤكَّد في غير موضع من الرواية، بالإضافة إلى اسمه الذي يبدو غريبًا مغايرًا للأسماء المتعارف عليها بين أهل البلدة، إضافة إلى الرفض الذي يواجهه من قبل الجميع بدعوى اختلافه.


كتبت هذه الورقة ضمن بحث علمي يعدّه فريق طلابي بإشراف د. منى الساحلي، بتمويل من جامعة الإمارات العربية المتحدة.


مريم حمود – مساعدة باحث

بكالوريوس الآداب في التخصص المزدوج:

اللغة العربية وآدابها والاتصال الجماهيري.

مريم حمود

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات