الحالة العربية.. مقدّمة لتوصيف ثقافي أدبي نَسَقي

0

 

الثقافة العربية في جذورها البعيدة هي ثقافة قبائلية وعشائرية، مقامها وقوامها مفهوم الجماعة، تلتفّ حول رأي المجموعة وتنسجم مع فكرة التوكيل والتكليف والمبايعة. فتوكّل أو تكلّف أو تبايع واحداً يرعاها. اتفاق الجماعة والتفافهم حول موقف واحد أهمّ من مصداقية الموقف نفسه. قال أجدادنا “تخرب بيد الكلّ ولا تعمر بيد واحد”.
ثقافة الجماعة في الشعوب “الجماعية” وما تفرزه من التفاف حول واحد، تغذّي فكرة السلوك الموحّد وعقلية الموقف الوحيد الذي يوكل إلى راعٍ أوحد. ولأنه أوحد، لم يخلق له الله كفواً في الحكم والحكمة، صار لا يليق إلا بالحكم وصار الحكم لا يليق إلا به وبنسله وخَلَفِه إلى يوم الدين. المأساة الكبرى أنّ الدكتاتوريات العربية، على نحو ما يراه محسن جاسم الموسوي، تصادر مفهوم الوطنية وتجعله ملكاً خاصاً بها مثلما تصادر الوطن كله وتحيل الناس غرباء في أوطانهم (الموسوي 2005: 29).
المفارقة العجائبية في الثقافة القبائلية والعشائرية هي في هذا التخليق الهجين بين الجماعة والفرد، بين القيمة العليا التي تحظى بها الجماعة وتحكيم حاكم واحد لا يعرف كيف يرعى هذه القيمة. الثقافة القبائلية هرمية في مبناها، عمودية في منحاها تُنزّل فرماناتها من فوق إلى تحت بانتظام وانضباط، كيلا تنفر الآراء وتفسد الرعية وتعمّ الفوضى وينفرط عقد الجماعة. وهكذا باسم الجماعة، باسم الأسرة والعائلة والقبيلة والمجتمع والطائفة والدولة والأمّة، انطمس الفرد الواحد. باسم “الدولة” يحقّ للسلطة الأبوية الفحولية أن تُروّع المواطن وتقمعه.

أخذ هذا التوتّر القديم بين الجماعة والفرد في الثقافة العربية المتراكمة ينسرب إلى الذهنية العربية العامة، ليظهر لاحقاً في أنساق ثقافية فرعية أبرزها القمع والترهيب والخوف والتخلّف والفقر والعنف والفحولة والتكفير والاقتتال. ولمّا كانت الأنظمة تعي عمق هذا التوتّر وتوابعه صارت تبحث عن آليّات مزيّفة لتنفيس الاحتقان وتفريج الشدّة، غايتها التسلية والإلهاء والتخدير.  

فبدأت تبيع المواطن انتصارات وهمية مزيّفة في وسائل إعلامها المجنّدة، وتروّج بعنف واقتحام ثقافة المتعة والتسلية والاستهلاك. وهذه، بتعبير محمد عزام، “ثقافة سطح” يغذّيها فكر برجوازي انتهازي. وهي ثقافة عائمة راكدة بعيدة عن الهموم الأساسية، ثقافة الاتجاه الواحد والنقل والخطاب المكرور، لا ثقافة التفاعل والإبداع، وثقافة النظام لا ثقافة الجماعة. أما “ثقافة العمق” فهي بوار، خراب، يباب. والصراع بينهما ينتهي بغلبة الأولى على الثانية بقوّة هيمنتها الكاملة على وسائل الإعلام (عزام 1996: 155 – 157). وهكذا تتبدّد مشيئة المواطن وتتعمّق ثقافة الاستهلاك القسري التي تركن فيها الشعوب العربية إلى الآخر الجاهز والمعلّب والمنجز. وحين تكون مقموعاً ومتخلفاً لا بدّ أن تفقد القدرة على الإبداع والرغبة فيه، ولا يبقى لك ما تُحسنه إلا الاستهلاك.  

والمستهلك على العموم، مثلما يقول الموسوي، يقدم على إعادة إنتاج الثقافة المهيمنة (الموسوي 2005: 196). بلاغة القمع أو جماليات القمع هي جماليات نبرية صاخبة قد تعزّز ثقافة الهمس الخافت والنكوص إلى حدود الوعي الفردي وتضعف الحوارية فتكثر المونولوجات. بلاغة القمع لا تختلف عن الإرهاب في هذا السياق. فالقمع قهر وإذلال وإجبار والإرهاب تخويف وترويع. وكلاهما يلتقي في دلالات العنف التي تتعدّد أسبابها. القمع الذي تمارسه الدولة وممارساتها السياسية، والإرهاب الديني الذي يُرتكب باسم الدين أقبح الموبقات. ما يعني أنّ الإرهاب الديني كردّ فعل للقمع يلتقي مع القامع في حساب النتائج النهائية (انظر: عصفور 2003: 14). جماليات القمع، بتعبير جابر عصفور، هي جماليات نبرية ارتجاجية تعزّز ثقافة الهمس الخافت والستر والتستّر والنكوص إلى حدود الوعي الفردي وتوهن بلاغة الحوار.

  • العقل النقدي

من هنا بالضبط، في ظلّ هذه الحالة العربية المرعبة، نحتاج الى نظرية نقدية تحضّ على فعل الإنتاج، عمادها العقل النقدي الذي يعرف كيف يستنزف الأنساق الثقافية النقلية ويرهقها باستمرار.العقل النقدي الذي نسعى إليه هو أفق في حالة انفتاح مستمرّ لأنّ الحاجة إلى العقل والحرية والتقدّم والثورة على كلّ ما هو جامد متوقّف لا تنتهي، ويجب ألا تنتهي. إنّالعقل النقدي قد يسبق مبدأ الحرية، وتفعيله سيميائياً ناتج بالضرورة عن مُساءلة العلّة قبل المعلول أو بمعزل عن المعلول نفسه. مُساءلة الطريق قبل مُساءلة الوصول. لا يعنيني وصول النصّ في ذاته إلى غاية دلالية محدّدة بقدر ما يعنيني فعل الوصول كنظام تعرّف أولا وتعارف ثانياً. يعنيني النهج الذي يضطلع بفعل الوصول ويعرّفني على أنماط التفكير في كلّ منظومة سيميائية كشرط قبلي للبدء بفعل التفاكر والمثاقفة كحالة حوارية.

 الغرب في تيه المذاهب النقدية، وخاصة الحداثة وما بعد الحداثة

ظلّت حرب 1967 لفترة طويلة محفّزاً صاخباً للمثقّفين العرب للبحث عن آليات تحديث العقل العربي وتجاوز حالة الهزيمة الداخلية إلى حالة انتصار.

فكان أن انبهر بعضهم ببريق الحداثة وما بعدها على النحو الذي تقدّمه الثقافات الغربية. وكان من أبرز ما وجدوه منتصباً أمامهم في السبعينيات والثمانينيات هو البنيوية بأشكالها وتنويعاتها المختلفة. فوجدوا فيها جُنّتهم ومخلّصهم من حالة الانتكاب. وفي النتيجة فشلوا فشلاً ذريعاً بدليل استمرار حالة الهزيمة وتعمّقها في كلّ أقطار العالم العربي.

إنّ الغرب في تيه المذاهب النقدية، وخاصة الحداثة وما بعد الحداثة من الستينيات إلى الثمانينيات، يمارس نقداً مترفاً إستعلائياً عابثاً أحياناً كثيرة. وهذا النقد ينسجم مع الحالة الثقافية العامة في بلادهم التي وصلوا من خلالها إلى “حافّة المجموعة الشمسيّة المعروفة” (حمودة 2003: 322). أما نحن فلا نستطيع النقل الأعمى، ببساطة متناهية لأنّ الحالة الثقافيّة عندنا لا تسمح بذلك كما تسمح حالتهم هم. “فليس من حقّ بعض المثقفين العرب أن يدخلوا التيه نفسه ليمارسوا الترف الفكري نفسه، باسم التحديث والحداثة، في الوقت الذي تكافح فيه غالبية الشعوب العربية من أجل حرية التعبير والديموقراطية السياسية بل من أجل لقمة العيش ذاتها” (حمودة 2003: 322-323).

الحقيقة أنّ صيحة عبد العزيز حمودة هي صيحة رائدة وصادقة تستحقّ التوقّف والنظر بجدّية متناهية إلى حيثيّاتها وتفصيلاتها. يُركّز حمودة في بحثه عن نظرية نقدية عربية بديلة، على ضرورة العودة إلى سلطة النصّ كشرط قبلي للخروج من تيه النقد العربي. وفي تركيزه على سلطة النصّ يغفل حمودة كثيراً عن القضايا الأخرى التي تحقّق سلطة النصّ. إنّ ارتكاز العملية الإنتاجية والتواصلية في الأدب تقوم على ثلاث قوائم معروفة: الكاتب والنصّ والقارئ. وهذه المعادلة بأركانها الثلاثة ينبغي أن تحظى بعناية كافية حتى تتكامل هذه العملية وتصل إلى أقصى مداها. غير أنّ حمودة بتركيزه على النصّ وسلطته، كشرط للخروج من التيه النقدي، قد تجاهل دور القارئ المتلقّي وإن كان قد أوسعه شرحاً وتفصيلاً عند استعراضه للتوجّهات النقدية الغربية. لقد تحدّث حمودة عن قارئ منضبط، عليه أن يتقيّد بضوابط. تحدّث حمودة، بكلمات أخرى، عمّا يجب ألا يفعله القارئ، لكنه لم يتحدّث عمّا يجب أن يفعله بالضبط لتحقيق سلطة النصّ وقصده.

ثمّ توسّع حمودة في مسألة “الكاتب المرسِل” عند حديثه عن القصدية، حتى في هذه النقطة لم يبيّن كيف “يشترك” أو لا “يشترك” الكاتب المرسِل في تحديد القصد في النصّ. لم يوضّح حمودة كيف “ينتقل” قصد الكاتب إلى النصّ ليصير هذا القصد قصد النصّ نفسه. ولم يوضّح أيضاً دور السياق الثقافي العربي الذي يضعه حمّودة في أعلى درجات اهتمامه لأجل العودة إلى النصّ وقصده. الحقّ يقال إنّ حمّودة نفسه قال، في أكثر من موضع، إنّ دعوته للبحث عن نظرية عربية بديلة هي دعوة أولية تحتاج إلى جهود مشتركة ومستمرّة. وبدعوته للعودة إلى سلطة النصّ يكون قد وضعنا على أول الطريق فقط. لا شكّ في أنّ دعوته مؤسّسة على فهم شامل وعميق ومفصّل لكلّ التوجّهات الغربية وسياقاتها ولكلّ الفروقات الدقيقة بينها. وعلى هذا الأساس تأتي دعوته للبحث عن نظرية بديلة دعوة “علمية” محسوبة ومنطقية في توصيفها.

كلّ النخب الثقافية العربية التي اتّجهت إلى اللهو بالتحليلات اللغوية واللعب بالأشكال والبنى تفكيكاً وتركيباً قد “هجرت” القاعدة الجماهيرية وذهلت، بغير قصد، عن هموم الناس وآلامهم وآمالهم. وبدأ المثقّف ينقطع باطراد عن مجتمعه الذي يرزح تحت أشكال المعاناة في كلّ مجالات الحياة. وقد أشار محسن جاسم الموسوي إلى هذه القطيعة ودعا إلى عودة اللحمة بين المثقّف والمجتمع وبين المعرفة والحياة الشعبية (الموسوي 2005: 22 – 23). وعند هذه النقطة من النقاش ينطرح سؤالان: هل الكاتب مستقلّ في عملية الكتابة؟ وهل الناقد مستقلّ في عملية القراءة والاستدلال؟  لا قطعاً.

يلخّص جابر عصفور الحداثة في الأدب بقوله: “هي فنّ المراقبة الواعية للحدث والملاحظة اليقظة للشروط التي تنسرب في الحساسية على نحو ينطوي فيه الحسّ الناقد على نقد ذاتي ساخر” (عصفور 2008: 339). وهو يعني بذلك إعادة صياغة الواقع، بالعقل النقدي الذي لا يقفز حتى على نقد الذات وليس الاكتفاء بتمثيل روحه. الحسّ النقدي “حادّ، مراوغ لا يترك شيئاً دون أن يقرعه بأسئلة الشكّ، أو مراوغة السخرية” (339). والسخرية هي نفي لثقافة الإذعان واليقين. هي ثقافة التشكيك في المسلّمات. وهكذا تلتقي السخرية بهذا المفهوم مع الحسّ النقدي. ولعلّ هذا ما عبّر عنه مصطفى ناصف بقوله: “يجب أن تُدرس البلاغة ومباحث النصّ والنقد الأدبي باعتبارها أوجهاً من اعتبارات قومية” (ناصف: 2003: 624). السؤال المبدئي هل الكاتب مستقلّ في عملية الكتابة؟ لا، من هنا ينفي الناقد السعودي عبد الله الغذّامي فكرة المؤلّف المفرد.

إنّ فكرة المؤلّف المفرد هي وهمٌ لأنه ينطق بلسان الأنساق الثقافيّة المهيمنة التي تتسلّل إلى أوتاره الصوتية بإلحاح شديد. وهكذا ينطق بحنجرته وحنجرة جماعته، ما يجعله بالتالي “مؤلّفاً مزدوجاً” (انظر: الغذّامي 2000، 74 وانظر أيضاً: 2017، 119). إذا كان الناقد كالكاتب مخلوقاً اجتماعياً بالفطرة فالناقد إذاً لا يمكنه أن يبقى عازفاً منفرداً في قراءاته وتفاعلاته مع النصوص. إذا كان الكاتب مزدوجاً، بلغة الغذامي، فلا بدّ أن يكون الناقد تعدّدياً. والناقد التعدّدي، على النحو الذي نقترحه هنا، هو هذا الذي يمثّل أفق توقّعات الكاتب وينطق بلسان الجماهير، هو في المجمل من يعرف بعقله الاجتهادي المنفتح كيف يبني سيميوزا وكيف يفكّكها ويحيل علاماتها النصّية إلى مرجعيّاتها الداخلية والخارجية ليخرج بالتالي بدلالة يرتضيها أو يقارعها.   

  • ثلاثة أشكال من الواقع

ثمة ثلاثة أشكال من الواقع في كلّ فعل أدبي أو أيّ سيرورة فنّية عامة: الواقع الحيّ الموجود، الواقع النصّي، والواقع المنشود. الواقع الحيّ المعيش هو خطاب الثقافات العامة لأنه يتبدّى في أنساق ثقافية. والنسق الثقافي هو توصيف لممارسات وتراكمات سلوكية وأخلاقية، هو فعل عنونة أو تسمية. كلّ الأنساق الثقافية التي تشكّل واقعنا العام جاز أن نوجزها بلفظة “الألم”.

والواقع النصّي هو واقع افتراضي مجازي لأنه نتاج تخليق من شظايا الواقع الحيّ ومحصّلة تفكير الكاتب. أما الواقع المنشود فهو واقع مأمول، وبوصفه غاية منشودة فلا بدّ أن يكون موسوماً بـ “الأمل”. خطاب الأمل هو أول وآخر مسؤوليات الخطاب النصّي. السؤال الأكبر إذاً: كيف يتمّ الانتقال من خطاب الألم إلى خطاب الأمل؟ أو من خطاب الشدّة إلى خطاب الفرج؟ في الثقافة التداولية نمارس كثيراً من أشكال الاستعمار الموجع.

ونعاني بصفة يوميّة من وجع الصراعات الطائفية والعائلية والقبلية والحزبية والفكرية والفحولية الجندريّة والاجتماعية والسياسية والأخلاقية على كلّ المستويات. فيأتي خطاب النصّ لـ “يخلق” واقعاً مجازياً مغايراً مسكوناً بالرغبة المحمومة في صناعة الأمل والحلم. نتحدّث في خطاب الأمل والحلم عن انفراجات وهمية افتراضيّة. ولأنّ الصدام بين الخطابين هو بين الحقيقة والوهم، حقيقة الألم ووهم الأمل، كان لا بدّ من البحث عن طريق تختصر المسافة بينهما. ولأنّ الصدام بين الحقيقة والوهم صدام أفقي باتجاه واحد كان لا بدّ من البحث عن طريق ارتدادية تجعل الوهم حقيقة.

إنّ ما قام به محمد الماغوط ودريد لحّام في سلسلة من المسرحيات هو خلط عجيب بين المأساة والفكاهة تتلخّص عاقبته في قول مأنوس مشهور “شرّ البليّة ما يضحك”. قولٌ يُجمل بدقّة الإحساس الذي يعيشه الإنسان العربي، خصوصاً بعد هزيمة 1967، بعد أن وصلت البليّة فيه حداً مضحكاً. وإدراك الماغوط ولحّام لهذا الإحساس المشوّه جعلهما يترجمانه إلى صيغة عملية.

ولعلّ هذا الخلط الذكي هو ما جعل المتلقّي يضحك من حجم المأساة وممّن كانوا سبباً في تضخّمها وتفاقمها. والحقيقة أنّ السلطة الظالمة والقامعة والشعوب المظلومة والمقموعة نفسها، في قابليّتها للظلم والقمع وأدائها لدور الضحية المعطّلة، تتقاسم السبب في تضخّم المأساة وتفاقمها. ولمّا كان الأمر كذلك كان المشاهد المتلقّي يضحك على نفسه أولا وآخراً. والضحك على الذات يحمل دعوة عنيفة للتثوير. وهذه الدعوة هي جزء من الدلالات العامة التي تتجاوز المعاني المحدّدة والمفضوحة في المسرحية. ولو عدنا إلى أدبنا الفلسطيني لوجدنا كثيراً من النصوص التي تعي ضرورة توظيف الآليّات التعويضية على نحو ما نجده بصفة خاصة في أدب إميل حبيبي ومحمد نفاع في تجربتهما القصصية الرائدة. ولا شكّ في أنّ هناك كتّاباً كثيرين قد فشلوا في إقامة التوازن الدقيق بين سلطة النصّ وحقّه في معنى قصدي وبين أدبيّته وجماليّته. فمنهم من رجّح النصّ وألزم القارئ بمعنى محدّد بصفة قسرية لا تبعد عن معاني الاغتصاب.

وفي المقابل نصوص كثيرة قد تمرّدت على النزعة السلطوية للنصّ وقصده فتوجّهت إلى القطب المعاكس الذي يحاول فيه القارئ أن يغتصب النصّ بقراءة قسرية. وهكذا يبدو أنّ نصاً كهذا آثر جاهداً التستّر على المرجعيّات العامة للنصّ والسياقات التي أنجز فيها.

على العموم، هل وظيفة الأدب هو التذكير؟ هل يعمل الأدب كساعة منبّه تدقّ باستمرار على رأس كلّ ساعة؟ هل تتلخّص وظيفة الأدب بتحقيق غايتين اثنتين فقط: توصيف الداء وتحديد الدواء؟ هل الغاية القصوى من الأدب هو النسخ أعني ترسيم الناسخ والمنسوخ؟ هل أنا كقارئ فلسطيني في حاجة إلى أدبائنا الفلسطينيين محمد نفاع وإميل حبيبي وسميح القاسم ومحمود درويش وغيرهم، حتى يعلّموني شيئاً عن الظلم اللاحق بشعبنا؟ أو يدوّنوا أمامي كلّ آفات مجتمعنا؟ إذا كنا كلنا نعرف بأنّ هناك ظلماً واقعاً علينا، من الداخل والخارج، ونعرف الطريق للخلاص منه فما حاجتنا إذاً إلى هذا الأدب؟ من منّا لا يعرف الواقع الذي يعيشه بكلّ دقائقه؟ هل أقصى ما نبحث عنه في الأدب هو الثقافة أو المعلومة أو الخبر أو المعرفة نفسها؟ أم أننا في حاجة إلى ما هو أبعد وأعمق؟

أنا في حاجة إلى كلّ هؤلاء الكبار حتى أكتشف أنماط التفكير التي دفعتهم إلى فعل التنصيص. واكتشافها يدخلني مباشرة في حالة تَفاكُر، هي حوارية فكرية افتراضية مع الكاتب. أنا أريدهم كي يحفّزوني أو يحضّوني أو يستفزّوني إلى نقاش، لأنّ الأدب هو فعل حضّ واستفزاز بفطرته وطبيعته وليس مخزوناً معرفياً.
لا نتّفق مع جابر عصفور في توصيفه لوظيفة النقد: “النقد يؤثر خطاب الحقيقة الذي يُفهم القارئ معاني المجازات، ودلالات الرموز، ومرامي الكنايات، ومقاصد التشبيهات” (عصفور 2014: 68). الناقد التنويري بهذا التوصيف ينهج نهج السلطة الناقلة التي تضطلع بفعل الإفهام والترشيد. وهكذا يُترجم الابداع، من حيث هو فعل تواصل، إلى سلطة تقرّر ما يجب أن يُفهم بصفة أفقية من ناقد عارف إلى قارئ متلقٍّ غير عارف.

 

  • النقد تَفاكُرٌ

تأسيساً على هذا المنطق يجب أن ينتقل النقد الأدبي العربي من حالة التوصيف، المألوفة في النقد المحايث، إلى حالة الإنتاج. وحين ينتقل الناقد من التوصيف، المضموني أو الشكلي، فإنه يحتاج إلى جهد يرتقي إلى مرتبة الجهاد. والجهاد يحتاج إلى عقل اجتهادي بالضرورة. قد يكون العقل على مستوى المبدأ توصيفياً لا اجتهادياً.

ونحن نعرف الكثير من العارفين العالمين الذين يتقنون فنّ التخزين المعرفي، ولا يتقنون سواه. النقد هو اجتهاد، هو قراءة على قراءة. هو محاولات مثرية للتفاكر والمثاقفة والاستعلام والاستخبار والتعرّف والتعارف. ليست مهمّة النقد نقل الفكرة أو المعلومة أو الخبر أو المعرفة من عارف إلى عارف، من كاتب يعرف واقعه إلى قارئ لا يقلّ معرفة منه. ليست هذه هي مهمّة النقد. النقد هو تَفاكُر، هو تلاقح بين تفكيرين، تفكير يتفاعل مع تفكير، تفكير ناقد مجتهد مع تفكير كاتب مجتهد. وإذا تحاور مجتهدان قد يقع أحدهما في “الصواب” ويقع الآخر في “الخطأ”. نحتاج إلى حوارية تفسح المجال للخطأ لأنه الشرارة التي تشعل جدلا. والجدل أساس المثاقفة. لا تحرّموا الخطأ على أحد. فمن اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، أجر الاجتهاد، أجر تفعيل العقل النقدي. لا شك في أنّ الناقد الأدبي الآن ينعم بتراكمات معرفية بعد أن شكّل القرن العشرون ثورة معرفية حقيقية. وهذه المعرفة المتاحة تمنح الناقد المعاصر قدرة فائقة على المقارنات والموازنات والمفاضلات ما يجعله دقيقاً في خياراته قادراً بصفة مبدئية على أن يناسب نقده لحاجات مجتمعه وتطلّعاته.

وبعد كلّ ذلك، هل نحن في حاجة إلى أدب الفكرة أم إلى أدب التفاكر؟ وأدب الفكرة ثقافياً هو أدب إفحامي يعرف كيف يُفحم القارئ بأجوبة كاملة ودقيقة، يفحمه بالحقيقة المثبتة. أما أدب التفاكر ثقافياً فهو أدب استفزازي، يستنهض ويحرّض. أدب الفكرة صائت، يباهي بالصخب. أدب التفاكر صامت، يفكّر بصمت ويحاور بهدوء وتأنٍّ. فلنعمل معاً على ترسيم الخريطة قبل الاحتفال بالعمارة. فلنعمل جميعاً على رسم خطوط التفكير قبل الاحتفاء بالفكرة. ولتتلاقح أنماط التفكير لتنتج حالة تفاكر مستمرّ. أؤكّد بقوّة أنني لا أتحدّث عن توصيف الأساليب والتقنيات الشكلية والبنيوية والأسلوبية في النصّ. ليس الحديث عن استبدال النقد التوصيفي للثيمات والمواضيع بنقد توصيفي آخر متّجه نحو الأساليب والتقنيّات. إذا انحصر النقد الأدبي في بلاغة الخطاب اللغوي وجماله الشكلي والأسلوبي انحسر دوره وتراجع وصار نقداً مسكوناً بالرغبة المحمومة في الإدهاش الجمالي. وكأنّ الجمال حالة واحدة مضبوطة بحدود ثابتة أو كأنّ الناقد هو الوحيد الذي يملك مفاتيحها. لا ريب في أنّ نقداً كهذا هو نقد إفحامي عنيف.


  • المراجع

حمّودة، عبد العزيز. الخروج من التيه: دراسة في سلطة النصّ. (الكويت: عالم المعرفة، 2003).

عزام، محمد. النقد والدلالة: نحو تحليل سيميائي للأدب. (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1996).

عصفور، جابر. مواجهة الإرهاب: قراءة في الأدب العربي المعاصر. (بيروت: دار الفارابي، 2003).

عصفور، جابر. رؤى العالم: عن تأسيس الحداثة العربية في الشعر. (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2008).

عصفور، جابر. تحدّيات الناقد المعاصر. (بيروت القاهرة تونس: التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2014).

الغذّامي، عبد الله. الجنوسة النسقية: أسئلة في الثقافة والنظرية. (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2017).

الغذّامي، عبد الله. النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية. (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000).

الموسوي، محسن جاسم. النظرية والنقد الثقافي: الكتابة العربية في عالم متغيّر، واقعها، سياقاتها وبناها الشعورية. (بيروت: المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، 2005).

ناصف، مصطفى. بعد الحداثة: صوت وصدى. (جدّة: النادي الأدبي الثقافي، 2003).


إبراهيم طه ناقد وأستاذ جامعي – فلسطين 48

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.