نقد

الألوان المقدسة الباهتة

كلما كانت الألوان في النباتات أو الحيوانات، أو على الأشياء طرية وجديدة كانت تبهج القلب والعين، وتدخل السرور، وتدعو إلى التعجب من كيفية تناسقها وتنوعها. ومتى كان العكس، بسبب البلى أو تعرضها لأحد الطوارئ التي تفقدها بريقها كانت مدعاة للهم والأسى.


نسبت بعض الألوان إلى بعض المهن، أو ألصقت بأصحابها في ظروف ولأسباب تاريخية معينة، وصارت لها بذلك رمزيتها الخاصة، حسب الثقافات المختلفة، أو تم تعميمها لتصبح عالمية بعد ذلك. كما أن الروائيين اهتموا بالألوان، وحاولوا إعطاء الألوان دلالات خاصة تتماشى مع ما يسعون إلى تحقيقه أو الإيحاء به.


وأجد أمامي رواية ستندال «الأحمر والأسود» التي أثار عنوانها جدلا حول دلالاته، وإن كان التصور السائد للعنوان يوحي بطموحات جوليان سوريل ابن الشعب، الذي أراد الارتقاء في السلم الاجتماعي إما عن طريق الالتحاق بالجيش (البزة الحمراء) أو الكنيسة (الرداء الأسود).


صار اللون الأبيض مرتبطا عالميا بمهنة الطب والطبيب، لإيحائه بالأمل في الحياة، وصار اللون الأسود متصلا بالمحامي. تتعدد التفسيرات التاريخية لمنح هذا اللون أو ذاك تاريخا في أوروبا. وإن كان اللون المعول عليه هو الأسود منذ العصور الوسطى في الغرب، لأن مهنتي الطب والمحاماة كان لا يقوم بهما إلا رجال الكنيسة. لكن عدل لون الطبيب إلى البياض، لأنهم رأوا في العصر الحديث أنه يخلق لدى المريض الشعور بالاشمئزاز والخوف من الموت.


أما اللون الأسود للمحامي فاحتفظ له بالسواد مع شارة بيضاء، أو بلون آخر حسب البلدان، ضد قاض كان يحكم وفق مشيئته، فلبس أحد المحامين السواد إعلانا لظلمه، فبقي دالا على الاستقامة في وجه الظلم والعسف في الأحكام.

قلما نلتفت إلى دلالات الألوان في ثقافتنا، ولا في ما توحي إليه حسب ثقافتنا. وخير دليل على ذلك ما نجده في شوارعنا، وفي ما صارت تزخر به من ألوان شتى على مختلف الواجهات المضاءة، حسب أذواق أصحابها، أو اقتراحات مصممي تلك اللوحات.


كان البياض، في زمن ما دالا فعلا على ما يوحي إليه من أمل في الحياة. وكانت الممرضات تسميّن ملائكة الرحمة، ومع كورونا بات الحديث في الغرب عن «الجيش الأبيض» الذي كرّس كل وقته لإنقاذ المصابين. وأتذكر وأنا صغير ما كان يقال، بين النساء، عن «الرهيبات» وهن الممرضات الراهبات الأجنبيات.

كانت كل امرأة، أصيبت بمرض ما، ترى أن «رحمة الله» جاءت على أيديهن. وكن يتحدثن عنهن بكثير من الإجلال والاحترام. معاملة جيدة، وإنسانية. جدية في العمل.

صار الدعاء الشائع لك هو: ألا يحوجك الله للذهاب إلى المستشفى أو العيادة، أو المحكمة، وحتى أي إدارة. أما المدرسة، عمومية أو خاصة، فقد صارت بدورها عبئا يتشكى منه الجميع. ولا عجب أن نجد النقد الأدبي صار عندنا مهتما كثيرا بالجسد؟ فقدان الثقة سمة عصر الفساد وسيطرة المال.

النصح، إعطاء الأدوية. وكانت كل مريضة تلجأ إليهن تعود مسرورة إلى بيتها. وظلت عندنا هذه الصورة المقدسة عن الطبيب حتى كان أغلبنا يتمنى أن يصبح طبيبا ليعالج المرضى. أما المحامي فلم يكن يُلتفَت إلى ردائه.

كان الهدف، في التصور العام، هو أنه وحده الذي يتصدى لمن كانوا يسمونه «الغرّاق» أي وكيل النيابة الذي لا يهمه سوى «إغراق» أي متهم. وكان الدفاع ينبري له، ويأخذ الحق لصاحبه. ها نحن أمام تصور واحد للونين متعارضين، لكن دلالاتهما واحدة: الأبيض لإنقاذ المريض من الموت، والأسود لإنقاذ المتهم من الحبس.


وأين الأحمر؟ رغم كون المعلم يلبس أحيانا الوزرة البيضاء، فلم نكن نميزه عن الطبيب إلا بالأحمر: اللون الخطير الذي يحدد به مصائرنا. ومع ذلك كنا نرى في صاحب اللون الأحمر القدوة الحسنة، تماما كما كنا نراها في الأبيض والأسود. فما الذي غير دلالات الألوان، وصارت على نقيض ما توحي به وإليه؟

تغير الزمان بتغير ذويه، فلم تبق للألوان قدسيتها كما كانت، ولا جمالها ولا طراوتها. لقد بهتت الألوان المختلفة، وصارت «مكشوفة». وتطلق الكلمة في الدارجة المغربية على الشيء الذي فقد بريقه، وكأنه «انكشف» وبان على غير حقيقته التي كان يدعيها.

صار اللون الأبيض الذي كان ينسب إلى الطبيب رمزا للطهارة والأمل، يوحي إلى الكفن. واللون الأسود يوحي إلى المقصلة، والأحمر إلى الجسد. إن الكفن والمقصلة هنا مختزلان في ما يمكن أن يجنيه منك الطبيب أو المحامي على حساب الزبون، فكلاهما لا يرى فيك المريض أو المتهم، لكن كم سيجني منك من ملايين، ولا عبرة بالفاتورة أو بالمقال الذي سيكتبان.


وصار الأحمر يفكر بالطريقة نفسها، فلا يرى في الطالب أو الطالبة إلا ما يمكنه أن يهديه له، أو تعطيه إياه. إن التعميم هنا غير دقيق. فما زال هناك الطبيب والمحامي والأستاذ الشرفاء الذين يقدسون مهنتهم، ويحترمون من يتعامل معهم، وأبرزت كورونا ذلك، لكن قلتهم جعل التصورات العامة تنقلب ضد رمزية هذه الألوان، فلا تعاملها إلا بما وضعت نفسها فيه.

صار الدعاء الشائع لك هو: ألا يحوجك الله للذهاب إلى المستشفى أو العيادة، أو المحكمة، وحتى أي إدارة. أما المدرسة، عمومية أو خاصة، فقد صارت بدورها عبئا يتشكى منه الجميع. ولا عجب أن نجد النقد الأدبي صار عندنا مهتما كثيرا بالجسد؟ فقدان الثقة سمة عصر الفساد وسيطرة المال.

close

مرحبا 👋

قم بالتسجيل في النشرة البريدية لتتوصل بجديد مقالات منصة "بالعربية"، كل أسبوع.

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

سعيد يقطين

كاتب وناقد مغربي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، متخصص في السرديات العربية، أستاذ زائر بعدد من الجامعات العربية والغربية، حاصل على جائزة الشيخ زايد في الفنون والدراسات الأدبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات