القتل الرمزي للأب

0

 

مازال وهم صراع الأجيال يستأثر باهتمام الكتاب على اختلاف مشاربهم وخلفياتهم وأذواقهم، ويستقطب مزيدا من المريدين رغم تغير مفهوم الكتابة في زمن انتشار أشكال التخييل الجماهيري، وتوطد العلاقات الافتراضية بين الكتاب بفضل تطور الوسائط المتعددة وفي مقدمتها الانترنيت. يعتبر المبدعون الشباب كتابتهم ثورة على المواضعات الأدبية وقتلا لصورة الأب النمطية ، ويتهمون النقد بالتقصير إزاء ما يكتبونه، وبعدم قدرته على وضعه في سياقه الحقيقي ومقاربته بالأدوات المناسبة.

في حين يرى الجيل السالف أن أدب الشباب مفعم بالحماس والاندفاع والمغالاة، ويحكم عليه بقلة التجربة وبعدم النضج، ويضجر أصحابه بكثرة الملاحظات والنصائح حاثا إياهم على صقل الموهبة أكثر، والاستفادة من التجارب السابقة. وكثيرا ما يتحول النقاش بين الطرفين إلى تراشق الاتهامات وترديد العبارات المسكوكة، في حين يغيب الحوار الهادئ الذي يمكن أن ينفض الغبار عن النازلة قبل إصدار الأحكام الجاهزة عليها، وينظر إلى النص في منأى عن سن صاحبه وطبعه ومزاجه وشلته.

وفي هذا السياق أستحضر عبارة لبيير بورديو ” ليس الشباب إلا كلمة” ، ومفادها أن الكاتب-وإن حلب من الدهر أشطره- يظل شابا في أعين قرائه مادام قادرا على مواكبة مستحدثات المشهد الثقافي واستيعاب تحولاته العميقة، والإسهام فيه بجديته المعهودة وحماسه الوقاد. وبالمقابل يستطيع الشاب أن يفرض ذاته وينتزع الاعتراف به لما يتوفر عليه من مؤهلات، ولما يتسم به من سمت لقهر آفة الغرور التي تخذل صاحبها وتقتله قبل الأوان. إن عبارة بورديو تعيد الاعتبار إلى الجد والحيوية أيا كان مصدرها. وهكذا قد يكون الشيخ شابا والشاب شيخا.

وغالبا ما يتشح الصراع بين الجيلين القديم والجديد بمسحات نفسية ورمزية ( قتل الأب). وهو صراع مشروع يستمد نسغه من حركية المجتمع وتقدمه. ينتفض الجيل الجديد على المواضعات والمقاييس المعتمدة التي تحفز على إعادة إنتاج البنيات على المنوال نفسه. ولو امتثل لما هو قائم (نموذج عبد الغني في رواية دفنا الماضي لعبد الكريم غلاب) لظلت دار لقمان على حالها. وبما أن الكتابة تصدر غالبا عن ذوق جديد، وترتاد آفاقا مغايرة؛ فهي تنزاح تدريجيا عن الثوابت والمعايير السائدة. إن قتل الأب ( رمز من رموز الأدب أو الثقافة) مسألة حتمية في زحمة التغيير ووتيرة التطور. وقد يكتسي هذا القتل الرمزي بعدا حضاريا يقوم على التقاليد الديمقراطية، وهذا ما يدفع الأب إلى الانسحاب في الوقت المناسب، حافزا من يخلفه على توقيره وتكريمه والاستفادة من خبراته. وقد يستعير هذا الوضع مظاهر العنف والتدمير لنزع الثقة و”القداسة” من الأب المستبد. وهو ما يؤشر على توسع الهوة بين السلف والخلف، ويبعثر أوراق الذاكرة، ويبعث على ” العقوق والعصيان”.
إن هذا الصراع واضح المعالم في الغرب ومستحب لكونه يعد مدخلا أساسيا لأي تغيير نحو الأفضل.

وهكذا يقتل الباحث الشاب اسم أبيه ( من يحل محل الأب البيولوجي) لينتقد اتجاهه الأدبي أو النقدي، أو يضفي على تصوره مزيدا من التنقيح والتعديل بالنظر إلى حاجات العصر ومتطلباته الجديدة. وقد يثمر الصراع بين الطرفين ( على نحو صراع رولاند بارث مع رواد المنهج التقليدي ( وفي مقدمتهم ريمون بيكار) الذين يدعون بأنهم الأقدر من غيرهم على فهم أعمال راسين) نقاشا خصبا وحيويا يكشف عن الخلفيات المعرفية ويجلي امتداداتها الثقافية والفكرية. في حين يتلون- في العالم العربي- بألوان وأصباغ قطرية وجهوية وسياسية، وذلك نظرا للمكانة الكريزماتية التي يحظى بها الأب/ الرمز في المجتمع. يتخوف الناس من قتل الأب تفاديا للفوضى و الاقتتال والعبث، ويحرصون على استمراره باعتباره صمام الأمان . وينسحب الشيء نفسه على مجال الأدب ، إذ نعاين – من مظاهر كثيرة- تحكم شلة من الأدباء في نسج العلاقات الأفقية سعيا إلى ضمان هيمنتها على المؤسسة الأدبية، وإقصاء الأصوات الجديدة و “المشاغبة”.

توجد في كل قطر- على نحو متفاوت- ثلة من الكتاب تبدد وهم صراع الأجيال بمد العون إلى الشباب لصقل مواهبهم وتأكيد مشروعية طموحاته وأحلامه، والانخراط في أندية وجمعيات أدبية تتضافر فيها مختلف الحساسيات والأعمار لتحقيق أهداف محددة سلفا، وتنسيق المصالح المشتركة، والاحتفاء بأدبيَّة النص في منأى عن عمر صاحبه وقناعته الإيديلوجية وفلسفته في الحياة. فبفضل هؤلاء مازالت منارة الإسكندرية مضيئة.
ومن المظاهر التي بدأت تنقرض اضطلاع مجلات أو صحف بتخصيص أركان لحفز الشباب على الكتابة والإبداع، وغالبا ما يشرف عليها صحافي متمرس أو ناقد مقتدر ينتقي المواد المناسبة ويخصص حيزا لتوجيه الشباب حرصا على تحسين أدائهم وصقل مواهبهم. وبالقابل، انتعشت هذه الظاهرة في وسائل الإعلام التي بدأت تخصص برامج لاكتشاف المواهب الأدبية والفنية، ومكافأة أحسنها وأفضلها بعد أن تحظى برضا لجان التحكيم أو عن طريق التصويت المباشر بالهواتف الذكية. وما يعاب على هذه البرامج هو مراهنتها أساسا على الثقافة الفرجوية التي تنضبط لمقتضيات التسويق والإشهار.

ومن ثمة لا تهم أصالة المنتوج في حد ذاته بل قدرته على مواكبة الذوق العام حرصا على استجلاب المشهرين والممولين، والرفع من نسبة المشاهدة لأغراض تجارية.

وغالبا ما يتوجس الأسلاف من مستقبل أخلافهم، بدعوى احتمال تخليهم عن العادات والتقاليد المتبعة، وركوب موجة التغريب، وتبدل ذهنيتهم وسلوكهم ورؤيتهم للعالم. ومن تبعات هذا التوجس اضطلاع الأسلاف بفرض وجهة نظهرهم على الأخلاف، وحملهم على اقتفاء أثرهم. وهذا ما يحفز الشباب على التمرد بحجة تضييق الخناق على حريته في التعبير والتصرف، وحرمانه من مواكبة المستحدثات دون الانسلاخ عن أصوله وهويته.
إن خير وسيلة للمصالحة بين الأجيال هو ضمان تلاحمها وتفاعلها باستخدام الحوار ( البرهان الحجاجي) لتبادل الخبرات ووجهات النظر المختلفة، والاقتناع بأن القتل الرمزي للأب شر لا بد منه لتجديد نسغ الحياة، وإثبات جدارة الأخلاف في تحمل المسؤولية من دون وصاية وحجْر. وفي ضوء هذا التحول ( طقس من طقوس المرور) تبرز أفكار مغايرة، وتيارات أو مدارس أدبية جديدة، وهو ما يختزل في تاريخ الأدب بالصراع المحتدم بين أنصار القديم وأنصار الجديد، و بين أتباع الحساسيتين التقليدية والحداثية.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.