محمد عزيز الحبابي: الغد ومحاوروه

0

في علاقة الأدب بالفلسفة، تتلون المذاهب والتيارات الفكرية والسياسية. ومن خلالهما يكون حضور الفيلسوف والأديب قويا وفاعلا في بناء وعي جديد، ينظر إلى الذات والمجتمع نظرة مغايرة للمألوف والطبيعي. فبناء المجتمع يمر عبر بناء الذات، من خلال الصراع المتجدد بين النزعة الفردانية والنزعة الشمولية، حسب الفيلسوف الفرنسي مانويل مونيي.

إن القناعات الشخصية هي التي تخلق عالم التفرد والحرية، علاوة على الصلة التي تربطها الشخصية بالزمان والمكان، فأي شغل لهذين الأخيرين هو بمثابة رسم حدود للذات في علاقتها بالغير.

من خلال ذلك، هل شخصية المبدع تتحدد بالكتابة والإبداع؟ أم أن هذا الأخير هو سجن للذات في بحثها الدؤوب عن التوازن في ضوء الغد المتجدد باستمرار؟

بالموازاة مع ذلك، يغدو التعبير عن الذات المبدعة، في ظل تفاعلها اللامشروط مع الواقع، أمرا بديهيا، حيث يضئ عوالمَ جديدة، ويرتاد ضفافا أثيلة من خلال ربط الفلسفة بالأدب، فالبحث عن الذات يمرّ عبر النظرية الشخصانية أو الإنسانية، التي أرسى دعائمها مونيي ما بين الحربين الكونيتين، وفيها إعادة الاعتبار إلى الإنسان وكرامته وقيمته المهدرة، عبر تحديد أبعاد معاني الذات في العالم، علاوة على ذلك تصبح للشخصُ معان في الوجود.

فهذه النزعة الفردانية انتشرت في الأدب انتشار النار في الهشيم، فلا تقوم قائمة الإبداع من دون مواجهة الذات الفاعلة لواقعها. فمبدأ الصراع حاضر في توليف بين زوايا الإبداع ومقارباته المختلفة للظاهرة الإنسانية، وبفضل ذلك استطاع الإبداع أن يكسر حاجز الصمت، ويبحث لنفسه عن الحرية، نابذا العزلة ومتجاوزا الانغلاق. ومن هنا يأتينا الانفتاح في الإبداع كبلسم للجراح، أو كومضة في نهاية النفق، حيث يلغي حدودا وفواصلَ، ويمد جسورا، في طريق تأسيس الفعل والحرية، بما هي تتخطى الحتمية التاريخية، بهدف الدخول في نسق التغيير نحو واقع أفضل ومثالي.

إن الهمجية المقيتة، التي عاشتها الإنسانية جراء بطش أرعنَ، في الحربين الكونيتين، أسست مبادئ الإنصات إلى الذات في حلمها المتشظي، وهيامها بالبوح للطبيعة والعالم، والتغني بالألم والأمل والجراح والموت أيضا.

فمونيي كان يرى أنه من الواجب أن نعود إلى البعد الحياتي للإنسان؛ عودة إلى الصفاء والطهر، على أساس أن يغدو التعامل هدفا وغاية من غايات الإنسانية الطموحة، لا وسيلة لتحقيق الأغراض الشخصية والانتهازية المقيتة. وبذلك، أصبحت الحرية التي يرنو إليها المبدع، طريقا نحو التغيير؛ نحو بوصلة الوجود ككل.

استطاع محمد عزيز الحبابي، في رحلته الطويلة هذه، أن يصوغ فكرا جديدا يشع ضوؤه من داخل هيئة الكائن الإنساني. على اعتبار هذا الأخير جوهر الوجود ومركز الكون؛ لأن الله تفضل بتكريمه في البر والبحر.

في شخصانية الفيلسوف الفرنسي إيمانويل مونيي نجد امتدادها الشرعي داخل المغرب، فما كان للفيلسوف محمد عزيز الحبابي، إلا أن يتبنى هذا التوجه الجديد، المنبثق في أوروبا زمن الحرب، التي واجهت من خلاله جرائمَ الفاشية؛ استبدادا، قمعا، اضطهادا وترحيلا قسريا، وبذلك يُعد الحبابي، صانع الفكر المغربي، وملهم الحرية الإبداعية في الثقافة المغربية والعربية على حد سواء، فضلا عن ذلك، استطاع الحبابي أن يخرج الفلسفة الشخصانية من نطاقها الغربي الضيق، إلى رحاب الفكر الممتد عبر رقعة العالم الإسلامي.

إن من بين أهم الانتقادات، التي وجهها الحبابي إلى شخصانية مونيي أنها غير منفتحة على الاختلاف والتنوع، إذ أن الحبابي في هذا المقام، يعتبر هذين الأخيرين أي الاختلاف والتنوع شرط وجود الإنسان على هذه الأرض. ومن ثم انطلقت معه الشخصانية الإسلامية تتبلور في وضع جديد، وتفسح المجال لمقاومة كل مظاهر الاستبداد والاضطهاد، الذي يعاني منه العالم الإسلامي جراء حملات صليبية جديدة، تحكم البلاد والعباد بالحديد والنار.

ففي الإنصات المرهف لإرث الفلسفة، مع جهابذة الفكر الإسلامي انطلاقا من الإمام أحمد الغزالي في بغداد ونيسابور، مرورا بابن رشد وابن عربي في الأندلس، ووصولا إلى ابن خلدون في قرطاج والمغرب، استطاع محمد عزيز الحبابي، في رحلته الطويلة هذه، أن يصوغ فكرا جديدا يشع ضوؤه من داخل هيئة الكائن الإنساني. على اعتبار هذا الأخير جوهر الوجود ومركز الكون؛ لأن الله تفضل بتكريمه في البر والبحر.

ونتيجة لذلك، سعى الإنسان إلى حمل رسالة الكون، بعدما أبت السماوات والأرض والجبال على حملها وأشفقت منها. نظرا لما يتمتع به الإنسان من نعم، وبها يتفوق على سائر مخلوقاته. فما العقل إلا تلك الطاقة، التي لا تنفد ذخيرتها من أجل الوصول إلى أهداف وغايات ومرام، تخلق من الإنسان إنسانا؛ يحترم ذاته ويقدّر الغير.

من هذه الزاوية، ننظر إلى محمد عزيز الحبابي، نهاية القرن الماضي، كصانع الفكر المغربي، الذي امتد حضوره في الساحة الأدبية، طيلة خمسة عقود. فعلى الرغم من ثقافته الفرنكوفونية، حيث إنه خريج جامعة السوربون، إلا أنه من أشد المنتقدين للفكر الفرنسي، الذي يسعى خببا ليزين وجه فرنسا الاستعماري عبر العالم، وبذلك انضم إلى قائمة بأسماء المفكرين، الذين ينتقدون السياسة الفرنسية عبر العالم، أسوة بالمفكر والفيلسوف الوجودي جان بول سارتر والروائي البير كامو، فضلا عن نقده اللاذع الذي ما لبث يوجهه للفيلسوف والمفكر الفرنسي هنري برجسون، بسبب اختلافه مع هذا الأخير حول مفهوم الحرية.

فأيا كانت الأسباب والمسببات، التي تدعو إلى هذا الشرخ في مواقفَ ومبادئ وقناعات، فإن ما يدافع عنه محمد عزيز الحبابي، في نظر المهتمين والباحثين، كان منطقيا ومقبولا، خصوصا أن مفهوم الحرية لم يرتبط، عبر التاريخ الإنساني، بالأفراد؛ وإنما التصق شديدا بالأمم والشعوب.

ففي مجمل أعمال محمد عزيز الحبابي الفكرية والإبداعية، لاحظ الباحثون أنها مرّت عبر مراحل البنية، بمعنى أنها خاضعة للبناء والنسقية، وموجهة بشكل مضبوط نحو الهدف والغاية، علاوة على ذلك، يأتي تأويل التراث الإسلامي عاملا أساسيا، ومحفزا للمزيد من فهم الشخصية الإسلامية، والخروج بها من سجن الاتهامات المجانية، التي تخدش صورة الإسلام في الغرب، وبهذا دافع الحبابي على الإبداع الواقعي، الذي يرسم الوجه الحقيقي للمعاناة، بهدف نيل الحرية، التي لا تقدر بثمن، وفي هذا الصدد كان الإهداءُ في روايته «جيل الظمأ» موجها نحو أجيال العالم الثالث، حيث يقول فيه، أي الإهداء: «إلى أجيال العالم الثالث الظامئة، إلى الحب والحرية، في صراعها من أجل أنسنة جديدة للعالم».

وبذلك، صار محمد عزيز الحبابي رمزا للمثقف الذي يحاور الغد، على أساس من العدالة والحرية، خصوصا أن العالم الثالث ذاق الويلات من الاستعمار، ومجاهله وسراديبه المدلهمة. وما كان الإبداع، عند محمد عزيز الحبابي، إلا مطية نحو التعبير الصادق عن قناعات ومواقفَ في دثار فني لا يخلو من إمتاع وصور بيانية، وهذا ما تحصّل من خلال إبداعاته الأدبية الشعرية والروائية؛ بدءا بـ«بؤس وضياء» و«يتيم تحت الصفر» وانتهاء بـ«جيل الظمأ» و«إكسير الحياة».


Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.