أدب وفنونأغاني عربية خالدةسينما ومسرح

مئوية كارم محمود.. صوت “على ورق الورد”

حافظ المطرب كارم محمود (1922 ـ 1995) على مكانته الفنية على مدى تاريخ طويل في الوسط الغنائي والموسيقي. هو مطرب، وملحن كبير، وصاحب صوت عذب وجميل، يضاف إلى دماثة خلق. نستعيده ونتذكره في مئوية ولادته، هو الذي ولد في 16 آذار/ مارس 1922، وتوفي في 15 كانون الثاني/ يناير 1995.

لقب بالكروان الطيب، لحلاوة صوته، وطيب معشره. عمل مع كبار أهل الفن والموسيقى والتلحين والغناء والتمثيل في مصر، مثل رياض السنباطي، ومحمود الشريف، ومحمد الموجي، ومحمد سلطان، وكامل محمود، وغيرهم. وكان أكثر مطرب مصري غنى دويتو مع المطربة الكبيرة فيروز، وذلك لسببين، الأول: أن عاصي ومنصور الرحباني كانا يعرفانه من إذاعة الشرق الأدنى، والثاني: أن صوته كان يندغم بانسجام مع صوت فيروز.


ولد كارم أبو ريا محمود في مدينة دمنهور في محافظة الجيزة. تلقى دروسه الأولى في مدرسة دمنهور السعيدية الابتدائية. لفت انتباه مدرس الموسيقى، توفيق أفندي حميدو، الذي أعطاه دورًا صغيرًا في مسرحية “شقاء اليتيم”، فأبدع فيه. نشأ في أسرة متدينة، ويقال إنه ورث حلاوة صوته من والده الشيخ أبو ريا قارئ القرآن. رافق والده وشقيقه محمد إلى حلقات الذكر والإنشاد الديني وترتيل القرآن منذ طفولته. وكان مولعًا بالغناء، وهرب من بيت العائلة وهو في الثانية عشرة، ليلتحق بفرقة فوزي منيب في الإسكندرية، ويصبح أحد مطربيها الأساسيين.

تعرف إلى الموسيقي حسن الشجاعي، الذي نصحه بضرورة الانضمام إلى معهد الموسيقى العربية في القاهرة، وتعلم أصول الموسيقى والغناء. ذهب إلى القاهرة في عام 1938 ليلتحق بالمعهد المذكور، ويحصل على الدبلوم في عام 1944. كان يرعاه في تلك الفترة مصطفى بك رضا، رئيس معهد الإذاعة المصرية. درس كارم محمود أيضًا على يدي الشيخ فؤاد محفوظ، وحفظ منه الأدوار والموشحات، كما تتلمذ على يدي درويش الحريري، وصفر علي.


وبناء على توصية مصطفى بك رضا، التحق بفرقة الأنغام الذهبية، واشترك في تسجيل الأغاني الوطنية. سجل أول أغنية له بعنوان “محلى الدهبية” مع حياة محمد وهبي. بعد نجاحه مع فرقة الأنغام الذهبية، أعطته الإذاعة المصرية فرصته في الغناء منفردًا، وصنفته ملحنًا أيضًا. أسندت إليه الدور الغنائي الأول في كثير من البرامج الإذاعية المشهورة في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات. تعاون في نجاح هذه البرامج مع عبد الفتاح مصطفى، وأحمد صدقي.


صوت كارم محمود يخرج من صدره بكل الرقة والعذوبة والحدة، ما أهله لاختياره في بطولة عدد من الأوبريتات، مثل “العشرة الطيبة” لسيد درويش، من تأليف محمد تيمور، و”ليلة من ألف ليلة”، لبيرم التونسي، وأحمد صدقي. لمع نجمه في سماء مصر، ووجد مكانته بين الكبار وعمالقة الغناء، مثل محمد قنديل، وإبراهيم حمودة، ومحمد الكحلاوي، وعبد الغني السيد، ومحمد عبد المطلب، وعبد العزيز محمود.

طلبته الفنانة بديعة مصابني للغناء معها، وهناك التقى محمود الشريف، وفريد الأطرش، ومحمد فوزي. أجاد كارم محمود في أداء الموشحات والأدوار والطقاطيق والقصائد، وغنى من ألحان محمد عثمان، وعبده الحامولي، وداود حسني، وكامل الخلعي، كما غنى لمعاصريه مثل السنباطي، والقصبجي، والموجي، وعبده العظيم عبد الحق.

كارم محمود بين منصور الرحباني (يمين) وعاصي الرحباني

نذكر من أغانيه وألحانه التي حظيت بالثناء والإعجاب “أمانة عليك يا ليل طول” (كلمات فتحي قورة)، و”على ورق الورد” (كلمات أحمد منصور)، و”سمرة يا سمرة” (كلمات أحمد منصور) و”النبي يا جميل” (كلمات مصطفى الطائر)، وكلها من ألحانه. كما غنى “عنابي” (كلمات كامل الأسناوي، وألحان حلمي أمين)، و”على شط بحر الهوى” (كلمات علي الشيرازي، وألحان محمود الشريف)، وغيرها من الأغاني، مثل “يا غرام يا غرام”، و”يا أنا يا الغزال”، و”يا بو العيون السود”، و”حوش عني هواك”، و”يا حلو يا ويلي”، و”عيني بترف”، و”إيدك في إيدي”. ومن أغانيه الوطنية “أمجاد يا عرب”، وغيرها.
غنى أيضًا أكثر من دويتو مع المطربة اللبنانية فيروز، من ألحان الأخوين الرحباني، مثل “زرياب”، و”راجعون”، و”حكايات الربيع”، و”عمرو وهند”.

هذا النجاح الباهر في الغناء جعل السينما تلتفت إليه، فشارك في بطولة 20 فيلمًا كان أولها فيلم “ملكة الجمال” (1946)، للمخرج توغو مزراحي، و”الخمسة جنيه” (1946)، للمخرج حسين حلمي، و”شادية الوادي” (1947)، ليوسف وهبي، و”ورد شاه” (1948)، لعبد الفتاح حسن، و”فتنة” (1948)، لمحمود إسماعيل، و”نص الليل” (1949)، لحسين فوزي، و”معليش يا زهر” (1950)، لهنري بركات، و”عيني بترف” (1950)، لعباس كامل، و”ليلة غرام” (1951)، لأحمد بدرخان، و”فايق ورايق” (1951)، لحلمي رفلة، و”خبز أبيض” (1951)، لعباس كامل، و”جزيرة الأحلام” (1951)، لعبد العليم خطاب، و”حضرة المحترم” (1952)، لعباس كامل، و”المنتصر” (1952)، لحلمي رفلة، و”لسانك حصانك” (1953)، لعباس كامل، و”نور عيوني” (1954)، لحسين فوزي، و”دستة مناديل” (1954)، لعباس كامل، و”حلاق بغداد” (1954)، لحسين فوزي، و”تحيا الرجالة” (1954)، لأحمد كامل حفناوي، وآخر أفلامه كان “تار بايت” (1955) لعباس كامل.
كما شارك في عدد من المسرحيات، منها “معروف الإسكافي”، و”تاكسي حصاوي” (1948)، و”سيد درويش” (1965)، و”أوبريت هدية العمر”، و”البرق النبوي”، و”الباروكة”.

استطاع كارم محمود في رحلته الفنية أن يجد مكانه الثابت والمميز بين الكبار، وتمتع بثقافة موسيقية غنية، وقدرة على تلحين أغانيه بما يناسب صوته، وعلى اختيار الألحان التي قدمت إليه من كبار الملحنين، بما يؤمن لأغانيه النجاح والانتشار والديمومة.

وقد كتبت الناقدة ناهد عبد الحميد في كتابها “أمانة عليك يا ليل طول” (2015) أن أول ألحانه كانت “دلوعتي”، وكتبها لابنته. وأنه استمر في تقديم أغانيه على مدى نصف قرن، ولم ينقطع عن الغناء، ولم يفقد رونقه وحيويته كمطرب وملحن. وأصدرت هيئة البريد المصرية طابعًا تذكاريًا له، كما كرمه مهرجان الموسيقى العربية عام 2000.

توفي كارم محمود في عام 1995 عن عمر ناهز 72 عامًا في وحدة العناية المركزة في مستشفى “سانت ماري” في لندن. وكانت آخر كلماته لأطبائه قبل دخوله لغرفة العمليات: “الرجاء حماية الحبال الصوتية طوال الجراحة”؛ هذه الحبال الصوتية التي أطربت مصر، والعالم العربي، لسنوات طويلة.

سليمان بختي

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات