الرَّمزيـة أُفـقٌ لِقـراءة الشِّعـر

0
ليس الشعر في أحد أوجهه المتعددة؛ غير الانتقال باللغة من معناها الأول المباشر، الذي يكون في الغالب الأعم استجابة لرغبة الإنسان العميقة والملحة في التواصل والتعبير، إلى مستوى أعمق، متسربلا بدلالة مواربة، لا تمنح نفسها للمتلقي بشكل مباشر، بل دونها استعمال آلية التأويل، التي تستند إلى الثقافة الموسوعية للقارئ، تلك التي تُتيح له التعاطي الإيجابي والفعال مع النصوص، والإشارة هنا إلى «التأويلية» كما نظر لها «غادامير» الذي بنى أسس المنهج التأويلي أو الهرمينوطيقي في الأدب، والذي يقول عنه الناقد المغربي سعيد بنكراد: «يشترط غادامير على الوعي الهيرمينوطيقي – وعلى الهيرمينوطيقا ككل – لكي يصل إلى مستوى فهم ملائم؛ أن يكون أوسع بكثير من الوعي الجمالي، أو بصيغة أخرى، أن يكون ”وعيا تاريخيا” ضمن أفق هيرمينوطيقي وتاريخي يحدد، بالضرورة، مجال اشتغال التأويل بالطريقة التي تؤهله إلى أن يعيد لتجربة الفن -في ذاتها- مكانتها اللائقة بها». وتتشكل الثقافة الموسوعية للقارئ، التي تسعفه في التعاطي العميق مع النصوص من روافد عدة، متنوعة ومتداخلة، مكونة رصيدا ثقافيا غنيا وعميقا، لبناته الأساسية الفلسفة وعلم النفس والتاريخ والجغرافية والأدب والأسطورة والعلوم بشتى تنوعاتها، حتى يتمكن الدارس من الضرب عميقا في أرض المعاني، منطلقا بالطبع مما جاء في النصوص وغير متجاوز لها بأي حال من الأحوال. ولعل هذا الوجه الذي أشرت إليه من وجوه الشعر، خاصة الحديث والمعاصر، وتحديدا مع موجة الحداثة، التي أدت متضافرة مع أسباب أخرى إلى ظهور قصيدة التفعيلة أو ما يصطلح عليه بالشعر الحر، وبعدها قصيدة النثر، هو ما أدى إلى بروز ظاهرة الغموض في الشعر، التي لا ينفك جمهور القراء يرمون به الشعر في عصرنا هذا، فالقصيدة نتيجة للمعاني الدلالية الزئبقية أضحت عصية على فهم القارئ العادي، لأنها مشبعة حتى النخاع بثقافة العصر، تلك التي أضحت سمة المثقفين بين ظهرانينا، والشاعر في المقدمة بطبيعة الحال، إذ غدت قصيدته مجالا خصبا تتصارع فيه الرؤى والنظريات النفسية والأنطولوجية والمعرفية والأيديولوجية والعلمية، لذا تحتاج قصيدته إلى قارئ نوعي مسلح بالمعرفة بشتى أصنافها، مع إيلاء أهمية قصوى للرمز الذي لم تعد تخلو منه قصيدة من القصائد، إلا في ما ندر. فالاطلاع على التجربة الشعرية الغربية لفت انتباه الشعراء العرب إلى قيمة الرمز في الشعر، وقد أشار إلى ذلك جلال عبد الله خلف في مقاله «الرمز في الشعر العربي» في مجلة «ديالى» العدد 52 لعام 2011 حين قال: «إن الرمزية في الشعر الحديث لم تنتشر وتعم إلا بعد عام 1936 حين أخذ الشعراء اللبنانيون يخرجون عن المألوف في الشعر العربي من حيث المعنى والمبنى. ولا شك أن هذه الرمزية قد رضعت من الرومانسية التي غذتها التراجـم الحديثة عن الآداب الأوروبية، بالإضافة إلى نزعة الألم والحنين عند الشاعر العربي، ولا ننسى أن الرمزية الحديثة تأثرت ببعض الشعراء الكلاسيكيين كشوقي والجواهري والشبيبي والحبوبي واليازجي وبدوي الجبل والأخطل الصغير». ولا مراء في أن القول الشعري يحقق معناه الثاني، الذي يكرس فنيته وجماليته وعمقه الدلالي من خلال استثمار آليات معينة كالمجاز والاستعارة عبر الاستثمار الواسع والدال للصورة الشعرية، التي تؤدي وظائف جمالية ودلالية لا تخفى على القارئ، كما أنها تعمق المعنى وتمنحه ميزة التعدد الدلالي، الذي يبعد عن القصيدة شبح أحادية المعنى. وقد جاءت محاولة لتفسير ذلك في قول سلمى الخضراء الجيوسي في مقال «الشعر العربي المعاصر التطور هو مستقبله» (مجلة «فكر» الكويتية العدد 2 يوليو/تموز 1973 حين رأت أن الشعراء الجدد المتمردين على التقنيات القديمة في كتابة الشعر حاولوا «التعويض عن هذه العناصر المثيرة في الشعر بالإكثار من الصور الشعرية، وكانوا يعانون فوق ذلك من تعقيدات عاطفية وفكرية وروحية، تلزمهم بها اللحظة الحضارية، التي بدت تخترق بوابة الزمن نحو تقرير أنبل لوضعية الإنسان في هذا الجزء من العالم، ولم يكن بإمكانهم أن يعبروا عن هذه الحالات المعقدة عن طريق الشعر المباشر، فلجأوا إلى الصور والأساليب المواربة من أسطورة وفلكلور وإشارة ورمز، وقد ساعدهم في ذلك تأثرهم بالشعر الغربي المعاصر الغني بالصور في اجتياز العقبة من الأساليب القديمة نحو أسلوب جديد حي يتنفس بروح العصر الحديث». والرمز كشكل أو علامة أو أي شكل مادي له معنى اصطلاحي ليس ببعيد عن كل ذلك، إذ وعى الشاعر العربي أهميته الاستراتيجية في بناء القصيدة، وزاد هذا الوعي مع اطلاع الشاعر العربي على التجربة الشعرية الغربية، مع ما يصطلح عليه بـ»المثاقفة»، فانبهر بالقيمة العالية للرمز في البناء الشعري، حتى أن مدرسة أدبية وفنية تحمل هذا الاسم أي «الرمزية». وقد ساهمت الرمزية بشكل كبير في منح الشعر العربي دفقة تجديدية لا تخفى على المتتبع، إذ خرجت به من تصور معين للشعر كان يركز على الإيقاع الخارجي، باعتباره نظما في أغلبه، تنتظمه التفعيلة والبحر الشعري والقافية، كما أنه معجمي الدلالة، إذ يكفي شرح كلماته ليستقيم المعنى واضحا في ذهن القارئ، لا يكاد يختلف اثنان حوله، مع اعتماد واضح على الأغراض الشعرية التقليدية كالمدح والهجاء والوصف.. إلى تصور في الشعر، تشيد فيه القصيدة بكلمات واضحة المعنى، لا تحتاج من القارئ الرجوع إلى المعجم لفهم معانيها، لكنها ـ في حقيقة الأمرـ بعيدة الغور سحيقة الدلالة، لا يفقه كنهها إلا من راود الكلمات عن نفسها مدة طويلة وتسلح بالمعرفة بشتى أوجهها الشعبية والعالمة، حتى تأتيه الدلالة مستسلمة بلا عناد أو مواربة، فالمتعامل مع الرمز سيجد نفسه طوعا وكرها مفتقرا للعلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم الدقيقة، والمعرفة الشعبية، حتى يتمكن من الإحاطة بمعناها القريب والبعيد، هذا فضلا عن الرؤية الفلسفية، التي تسعفه في تحديد تصور الشاعر لنفسه وللعالم من حوله، أقصد تحديدا فلسفته، التي لم يعد الشعر الحديث يستقيم بدونها، خاصة مع هبوب رياح التيارات الفلسفية الغربية على الشعر العربي من قبيل الوجودية والعبثية وغيرهما .

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.