أدباء الجزائر

0

 

منذ بدأ الحراك الأدبي عند العرب بعد عصر الانحطاط ومع عصر النهضة برز في المجال الأدبي بكل تخصصاته وتنوعاته رجال ونساء، حملوا لواء الأدب ودافعوا عنه، وقد تمثلت هذه الحركة في عدة مدارس واتجاهات أدبية، ولعل أبرزها المدرسة الإحيائية «الكلاسيكية» والمدرسة الرومانتيكية «الرومانسية» فالإحيائية بقيادة الإحيائيين من أمثال البارودي وأحمد شوقي وغيرهم، والرومانتيكية بقيادة دعاة التجديد[01] من أمثال جماعة الديوان وأبولو والمهجر.

وإنّ الدارس للأدب العربي ليجد خلال مسار دراسته أن الأدباء المشارقة يحظون بحصة الأسد من الاهتمام وإخراج الأعمال وتنقيحها والاستدلال بما قدموا وألفوا حتى لتحسب أنّ الأدب العربي منحصر في المشرق لا سواه.

إذ تم تغييب جل الأدباء المغاربة تقريبا فلا يُسْمَعُ لهم حسا ولا يُرَى لهم أثرا ولا يستدل منهم بقول إلا القليل القليل، وهذا لعمري غير كاف في حق أولئك الجهابذة من أبناء هذا الوطن العريق ومن رجاله الأشاوس.
ومر التاريخ على أثرهم فأغبره وعلى نجمهم فأفله فلا يكاد يعرف لهم رسما ولا يعلم لهم اسما. فصار الواحد من هذا البلد العزيز يكاد يجهل أدباء بلده بل ويعتقد جازما موقنا بأن الجزائر عاقر لم تنجب أديبا واحدا، ناسيا تاريخه منبهرا بغيره قد أذابه الاندهاش لغيره فصّيره كالملح إذا ما خالطه الماء.

ومن أعمدة الأدب في الجزائر نجد الفقيه والشاعر أبو عبد الرحمن بكر بن حماد بن سهل (وقيل بن سهر) بن إسماعيل الزناتي أصلا والتاهرتي نشأة ودارا ووفاة.

ولد بمدينة تاهرت حوالي عام 200 هجرية، وبها تلقى دروسه الأولى على مشاهير علمائها وجُلةِ فقهائها وكبار محدثيها وذلك إلى أن بلغ السابعة عشر من عمره وهي السنة التي غادر فيها تاهرت موليا وجهه نحو إفريقية والمشرق. [02] ومدينة تاهرت هي تيارت الآن وقد أبدل الاستعمار الفرنسي اسمها على عادة تغييره لكل ما سمي بأسماء العلماء المسلمين.

كان ابن حماد مع كونه شاعرا وفقيها عالما بالحديث النبوي ضليعا في الجرح والتعديل أو ما يسمى بعلم الرجال ” أجمع المؤرخون وأصحاب التراجم والسير على أنّ ابن حماد كان عالما بالحديث وتمييز رجاله وأنه كان ثقة مأمونا يروي عنه أهل السنة” [03]

  • بكر بن حماد يعارض عمران بن حطان:

لعل من أفضل ما قال الرجل من الشعر هو رده القوي وهجاؤه لعمران بن حطان شاعر الخوارح لما مدح عبد الرحمان بن ملجم الخارجي قاتل علي “رضي الله” حين قال:

يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيَ مَا أَرَادَ بِهَا * * * إلاَّ لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانا
إنِّي لأَذْكُرُهُ يَوْماً فَأَحْسَبُهُ * * * أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ الله مِيزَانا
أَكْرِمْ بِقَوْمٍ بُطُونُ الطَّيْرِ أَقْبُرُهُمْ * * * لَمْ يَخْلِطُوا دِينَهُمْ بَغياً وَعُدْوَانا

والذي قصده عمران في أبياته هذه هو ابن ملجم قاتل علي رضي الله عنه. فنقض عليه بكر بن حماد هذا البيت ورد عليه بهذه الأبيات الحِسان فقال رحمه الله:

قل لابن ملجم والأقدار غالبة * * * هدمت ويلك للإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشي على قدم * * * وأول الناس إسلاماً وإيمانا
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما * * * سن الرسول لنا شرعاً وتبيانا
صهر النَّبي ومولاه وناصره * * * أضحت مناقبه نوراً وبرهانا
وكان منه على رغم الحسود له * * * مكان هارون من موسى بن عمرانا
ذكرت قاتله والدمع منحدر * * * فقلت: سبحان رب العرش سبحانا
إني لأحسبه ما كان من بشر * * * يخشى المعاد ولكن كان شيطانا
أشقى مراد إذا عدت قبائلها * * * وأخسر الناس عند الله ميزانا
كعاقر الناقة الأولى التي جلبت * * * على ثمود بأرض الحجر خسرانا
قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها * * * قبل المنية أزمانا فأزمانا
فلا عفا الله عنه ما تحمله * * * ولا سقى قبر عمران بن حطانا
لقوله في شقي ظل مجترما * * * ونال ما ناله ظلماً وعدوانا
يا ضربة من تقى ما أراد بها * * * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
بل ضربة من غوى أوردته لظى * * * فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا
كأنه لم يرد قصداً بضربته * * * إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا
رحم الله ابن حماد وأسكه فسيح جنانه وجزاه عنا وعن المسلمين خير الجزاء ____________________________

01 أول من دعا إلى التجديد هو رمضان حمود الشاعر والناقد الجزائري لعلنا نرجي الحديث عنه في غير هذا الموضع
02 محمد بن رمضان شاوش، الدر الوقاد من شعر بكر بن حماد التاهرتي، المطبعة العلوية، مستغانم، الجزائر، ط01، 1966م، ص43
03 المرجع نفسه، ص 52 


محمد فارح: باحث أكاديمي في اللسانيات وتحليل الخطاب

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.