في رحيل الفيلسوف المغربي محمد وقيدي.. مُترجِم غاستون باشلار إلى العربية

 

دعا باحثون إلى تسليط مزيد من الضوء على إسهامات المفكر الراحل محمد وقيدي في مجالات الفلسفة عموما وحقل الإبستمولوجيا خصوصا. وطالبوا بضرورة اهتمام البحث الجامعي بكتب هذا العلّم الذي انتقل إلى رحمة الله صباح الجمعة الماضي، عن 74 عاما، مخلفا وراءه أكثر من خمس عشرة مؤلفا، من بينها على سبيل المثال لا الحصر: فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار، ما هي الإبستمولوجيا، جرأة الموقف الفلسفي، التوازن المختل: تأملات في نظام العالم، الإبستمولوجيا التكوينية في فلسفة العلوم…

  • “مدرسة الرباط”

وأدلى باحثون ونقاد وأدباء بشهادات حول المفكر الراحل محمد وقيدي في صفحاتهم الافتراضية، حيث كتب عبد المجيد النوسي ما يلي: “تعرفت على الأستاذ محمد وقيدي في بداية الثمانينيات حينما كنت طالبا بكلية الآداب بالرباط من خلال أصدقاء كثر من شعبة الفلسفة، كانوا يتحدثون عن أستاذ ميداني غاية في التلقائية والسخاء في المحاضرات والتواصل وتأطير البحوث، وبعدها من خلال كتاباته في الإبستمولوجيا والمنهج. لقد كانت “مدرسة الرباط” فضاء أكاديميا حقيقيا؛ فرغم بعض الاختلافات على مستوى المشارب والحساسيات، طرحت قضايا البحث العلمي في أبعاده المنهجية خاصة المتعلقة بالتعدد الحقلي والتقاطعات بين التخصصات، وقد حدث هذا في اللسانيات والفلسفة واللغات والعلوم الاجتماعية منة خلال الأطروحات والندوات الدولية الكبرى (ندوة ابن رشد 1978، البحث اللساني والسيميائي 1981 ، الإصلاح والمجتمع المغربي 1983) واستقبال الباحثين من المشرق والغرب (أدونيس، كريماص، أركون…) كنا ننفتح على الفلسفة من خلال شعرية أرسطو وأساسياتها الفلسفية بالنسبة لنظرية الأدب ونظرية الجنس الأدبي وعلى باشلار من خلال دراساته الثيماتية والتصويرية حول المتخيل في الفضاء وشعرية الحلم التي قدمت أدوات منهجية لدراسة السرد والشعر. وقد شكل الرجل خلال هذه المرحلة إلي جانب أساتذة من الجيل الثاني في شعبة الفلسفة مرجعية رئيسة في تقديم قضايا فلسفة المعرفة والابستمولوجبا، وقد قدم هذه الاعمال استنادا إلى منهجية تروم البسط والتبسيط العلمي واعتماد الوضوح والمقاربة البيداغوجية .

ومن بين المزايا الكثيرة التي تميز بها الرجل غزارة الإنتاج، فقد تصدرت أعماله المجلات العربية والمغربية في القضايا الفلسفية، غير أنه كان متعدد الانشغال، لذلك تحضرني اليوم أعماله الكثيرة التي صدرت علي شكل كتب في المسألة التعليمية والعلوم الإنسانية والإيديولوجيا والمسألة الديموقراطية، وغير ذلك من الكتب المتخصصة في مجال الإبستمولوجيا التي أغنت المكتبة العربية .

وقد التقيته منذ سنوات (بداية الألفية الثالثة) في ندوة من الندوات التي كانت تنظمها الكلية بإشراف مؤسسة كونراد أديناور الألمانية حول المنهج والنص، ورأيت فيه نفس الشغف والالتزام بالعلم والبحث.
لقد أسهم محمد وقيدي في تحقيق إشعاع شعبة الفلسفة بالجامعة المغربية، وناضل من اجل عودة الفلسفة الجامعة بعد محنة الإقصاء التي تعرضت لها بفعل قرار ظالم وغير استراتيجي للدولة. واليوم بعد أن عادت الفلسفة إلى حضن الجامعة، شعبا وتكوينات، ألا يجدر بالباحثين الذين يشرفون على هذه الشعب – ومن بينهم طلبة وقيدي – أن يعرفوا بأعماله وإسهامه في تحديث وتطوير الدرس الفلسفي في المغرب؟ سيكون هذا أفضل أسلوب لتكريمه.”

  • نظرية المعرفة

ودوّن أحمد عصيد الشهادة التالية: “محمد وقيدي واحد من المؤلفين الكبار في مجال الفلسفة، رحل تاركا بصمات لا تبلى في المجال الثقافي المغربي، وفي طلبته وأصدقائه ومحبيه، كان له فضل لفت انتباهنا منذ بداية الثمانينات ونحن طلبة في شعبة الفلسفة، إلى الإشكاليات الكبرى في فلسفة العلوم والإبستمولوجيا على الخصوص، وإلى قضايا المنهج والموضوعية في العلوم الإنسانية وعلاقتها بالإيديولوجيا، بحثه القيم حول “نظرية المعرفة عند كاستون باشلار” كان له أثر كبير على وعينا بأهمية العلاقة بين تطور المعارف العلمية وبنية العقل، ما جعلنا نكتشف بوضوح أكبر واحدا من أكبر أسباب تخلف المجتمعات الإسلامية.

لم تكن مؤلفات الأستاذ الراحل صعبة المنال، كان أسلوبه السلس السهل الممتنع ـ مع العمق والوضوح والتميز ـ حافزا لنا على الاطلاع على جميع مؤلفاته، التي كان لها أيضا فضل توجيهنا إلى مراجع أجنبية هامة.

لم يكن الراحل منغلقا في مجال تخصصه الأكاديمي مكتفيا باهتماماته المهنية، حيث انفتحت انشغالاته الفكرية على كثير من القضايا ذات العلاقة بالتحولات المجتمعية والثقافية في بلادنا، كما اهتم بتفسير العديد من المفاهيم الجديدة التي أدى إليها مسلسل العولمة الثقافية.

إلى جانب عمله الأكاديمي والفكري كان الراحل صديقا لجميع أستاذة الفلسفة بالثانوي، وعندما توترت العلاقة بين جمعية مدرسي الفلسفة وأساتذتنا بالجامعة، أمسك الفقيد العصا من الوسط، وحاول بحكمته ومساعيه الحميدة رأب الصدع عوض توسيع الشرخ وتكريس القطيعة.”

  • صمت مؤلم

وأدلت زهور كرام بدلوها من خلال التأملات التالية: “ويرحلون بصمتٍ في زمن السرعة والروتين اليومي والمحتوى الرقمي المبتذل في أغلبه.
هم الذين حصّنوا الفكر من العبث، بالانتصار للعقل واستعمال التحليل.
هم الذين آمنوا أن كرامة الأوطان باستعمال مواطنيها السؤال والتفكير والملاحظة وذلك بالعلم والمعرفة والفلسفة.

كان من بينهم الدكتور محمد الوقيدي الذي رحل عنا اليوم بصمتٍ مُؤلمٍ.
أن يتميز الخطاب المغربي بروح الفلسفة وخطاب التفكيك، فالأمر لم يكن مجانيا، هو مشهدٌ أبدعته أسماء حفرت الصخر لتنجِب شرط التفكير.

عندما كنتُ أدرس بكلية الآداب بالرباط، كنتُ أشعر بالفخر، لأني كنتُ أرى النخبة المغربية هي التي تقود المحاضرة بالرهان على الفكر والفلسفة واستعمال التحليل.”

أما صلاح بوسريف فكتب أنه فجع بخبر رحيل صديقه المفكر محمد وقيدي. وقال: “كنت مدركا، مثل غيري من الأصدقاء، ممن كنا نزوره بين الفينة والأخرى، أنه يعاني في حرقة وصمت، منذ رحيل زوجته التي كانت سندا له في حياته وفي عمله، وأن بصره خانه، ولم يعد يستطيع القراءة والكتابة، ولا حتى المشي، الذي اعتاد أن يكون رياضته اليومية.”

  • نسيته المنصات

واستحضر حكيم عنكر بعضا من ذكرياته مع المفكر الراحل، حيث كتب ما يلي: “تعرفت على الكاتب والمفكر المغربي محمد وقيدي في المرحلة الجامعية، وقرأت له وقتها كتابه الرائد حول غاستون باشلار.. كنت في تلك الفترة أنجز بحث الإجازة حول التجربة الصوفية عند ابن عربي، وكنت أسعى وقتها إلى قراءة هذه التجربة انطلاقا من كتابات باشلار وميرسيا إلياد.. أي التصوف كتجربة في الحلم والمعرفة.

ثم التقيته مرارا في ندوات ولقاءات بحكم عملي الصحافي. لكن لقاء عاصفا لا ينسى، كان في مدينة آزرو الجبلية؛ في ندوة سجالية، في بداية تسعينيات القرن الماضي، علا فيها مستوى الفكر ومستوى الصراخ… فقد كان الدكتور وقيدي اسما لامعا وقتها وسيارا.

لكن بعد تقاعده عن التدريس في الجامعة، توارى كأنه لم يكن، وقد نسيته المنصات.”
وترحم توفيقي بلعيد على هذا “الباحث المجد والمتواضع؛ الذي كان يخجل من ظله… والذي ترك لنا أبحاثا جادة وعميقة لم تنل حظها من الاهتمام والدراسة.”

ومن الشهادات اللافتة التي امتلأت بها صفحات التواصل الاجتماعي شهادة عصام وقيدي ابن المفكر الراحل، التي وردت فيها الجمل المؤثرة والدالة التالية: “بالأمس، فقدت عزيزاً، والدي، صديقي، أستاذي محمد وقيدي.
أنا أحتفظ من شخصيته بالعديد من الأشياء التي بنتني كرجل، أيضاً تجعل منه شخصا منفردا لا ينسى.
أقتبس عن الناس الذين عرفوه، والذين ربما يتذكرون هذه الصفات، تواضعه اللطيف، قدرته على التعاطف مع أشخاص مختلفين. وكان خفيف الروح وفنانا مزاجيا، حيث لم يكن يبخل عن ارتجال النكات، التي لم تجعل الناس يضحكون دائماً، ولكن فقط عندما كان هو الذي يحكيها. وهو الأول الذي يبدأ الضحك بعد نهاية نكته، فتبتهج الجماعة.

وأود أن أذكر حقيقة أنه استطاع أن يحافظ على كل صفاته، حتى النهاية وفي المعركة اليومية المتعبة ضد المرض والعجز والعمر.

أنا فخور بشجاعته وتصميمه، وشغفه، ثم بأسلوبه السلس، الذي سمح له ببناء تميز مشع في مجالات الفلسفة، والابستمولوجيا، وعلم النفس، والعلوم الاجتماعية… هذه العلوم التي تلقت مساهماته الملحوظة التي جعلت منه مفكرا بأوسع معانيه، في العالم العربي، ولكن أيضا خارجه.”

  • إسهامات فكرية

حصل محمد وقيدي سنة 1979 على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وكرس جهوده على مدى العقود الخمسة الأخيرة في العمل في مجال الكتابات الفلسفية وتحليل الخطاب الإبستيمولوجي. جايل نخبة من المفكرين المغاربة الذين بصموا لفكر الفلسفي أمثال محمد عابد الجابري وعبد الله العروي ومحمد سبيلا وطه عبد الرحمن وسالم يفوت وعبد السلام بنعبد العالي وغيرهم…

من مؤلفاته:
* فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار (دار الطليعة، بيروت، 1980) ثم (مكتبة المعارف، الرباط، 1984)
* العلوم الإنسانية و الإيديولوجيا (دار الطليعة، بيروت،1983) ثم (منشورات عكاظ، الرباط 1988)
* ماهي الإبستمولوجيا؟ (دار الحداثة، بيروت، 1983) ثم (مكتبة المعارف، الرباط، 1987)
* حوار فلسفي: قراءة في الفلسفة العربية المعاصرة (دار توبقال للنشر، البيضاء، 1985)
* كتابة التاريخ الوطني (دار الأمان، الرباط، 1990)
* بناء النظرية الفلسفية: دراسات في الفلسفة العربية المعاصرة (دار الطليعة، بيروت، 1990)
* البعد الديمقراطي (دار الطليعة، بيروت، 1997)
* أبعاد المغرب وآفاقه (1998)
* جرأة الموقف الفلسفي (افريقيا الشرق، الدار البيضاء وبيروت، 1999)
* التعليم بين الثوابت والمتغيرات (نداكوم للطباعة والنشر، الرباط، 1999)
* التوازن المختل: تأملات في نظام العالم (دار نشر المعرفة، الرباط، 2000)
* مكونات المغرب وسياسات (مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001)
* لماذا أخفقت النهضة العربية ؟ (بالاشتراك مع احميدة النيفر) سنة 2002
* الإبستمولوجيا التكوينية في فلسفة العلوم (2010)
* الإبستمولوجيا التكوينية عند جان بياجيه (2007)

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.