نقد

الدولة الاجتماعية والعيش المشترك

  • تقديم

 يحتاج العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى بناء الدولة الاجتماعية والعيش المشترك لمواجهة الهشاشة والفقر في المجتمعات المعاصرة، لأن  الأزمات المتتالية التي يشهدها العالم، من أزمة كوفيد  إلى الأزمة الأوكرانية خلفت  مضاعفات أزمة الطاقة والأمن الغذائي.

أدى إلى ارتفاع قياسي للأسعار في الأسواق العالمية والأسواق المحلية. وانعكس ذلك  سلبا على القدرات الشرائية للمواطن في معظم الدول. وتسبب في زيادة نسبة الفقر في العالم. كما زاد الاحتباس الحراري من انعكاساته المناخية والسلبية على أزمة الماء والقطاع الفلاحي في إفريقيا.

الشيء الذي جعل دول  القارة يعانون من تأمين أمنهم الغذائي والمائي. وأدى أيضا إلى فقدان الثقة في الحكومات وقدراتها التدبيرية، لتدبير الأزمات ومعالجتها، والحفاظ على التوازن الاجتماعي بمقاربة ديمقراطية وتواصلية، لدعم الفئات الفقيرة وإنصاف الطبقة المتوسطة وتأمين العيش الكريم للمواطنين وحماية قدراتهم الشرائية من الغلاء.


  • 1- مسؤولية الليبرالية الجديدة عن الأزمة الاجتماعية

 أدت هيمنة النيوليبرالية على مفاصل الدول والمجتمعات، منذ سقوط جدار برلين، إلى اتساع الهوة و التناقضات الاجتماعية داخل المجتمع المعاصر. و خلقت أزمات اقتصادية و توترات اجتماعية وقرارات تعسفية جعلت المواطنين يخرجون للاحتجاج في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية والدول النامية على السواء، للتعبير عن غضبهم ورفضهم لتلك القرارات.

وهذا يبين أن الرأسمالية لم تعد مصدرا للرخاء وإنتاج المجتمع الجيد، بل أصبح المواطن الكوني يرى فيها نمطا ينتج البؤس والفقر ويدمر البيئة ويجعل العالم على مشارف حرب نووية مدمرة للحياة على وجه الأرض.

إن الطمع والجشع والرغبة في الربح السريع من طرف الليبرالية الجديدة ينذر بنتائج وخيمة على الإنسان وعلى الدول والمجتمعات وبيئته على المدى القصير والمتوسط والبعيد. يحتم مراجعة عميقة في الفكر والممارسة لإنقاذ العالم من قبضتها أو على الأقل الحد من أضرارها، لإرجاع التوازن الاجتماعي للمجتمع المعاصر والحد من الفوارق الطبقية وأشكال الإقصاء والتهميش والاستغلال.

بالإضافة إلى ذلك، عملت الليبرالية الجديدة على إبعاد السياسيين الباحثين عن التوازنات الاجتماعية والمدافعين عن مصلحة المجتمع، وتم تعويضهم برجال الأعمال فأداروا الدولة لصالح فئة قليلة تمثل مصالحهم. والأمثلة عديدة ومتنوعة في أوربا وأمريكا وفي الدول النامية. وهذا يبين كيف استغلوا مؤسسات الدولة لإنتاج قرارات وتنفيذها وفق مصالحهم.

وبذلك ضربوا دور الدولة الاجتماعية التي تساهم في ترسيخ دولة الحق والقانون و بناء العيش المشترك، فازدادت أرقام الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي.


  • 2 – الدولة الاجتماعية والعيش المشترك 

لقد أصبح العالم في حاجة إلى ثقافة وقيم جديدة للخروج من الأزمات . تعيد الاعتبار للإنسان في معادلة الدولة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية برؤية ديمقراطية وتشاركية لمعالجة اختلالات المجتمع التي سببتها الليبرالية الجديدة ببرامجها القاسية.

وذلك بتنزيل برامج اجتماعية بديلة تنهض بالتعليم والشغل والصحة والسكن. وتساهم في بناء المواطن والمواطنة بمجهود جماعي للدولة والمجتمع، لتحقيق عالم أفضل وممكن، بدون إقصاء أو تهميش وتجديد الأمل في مجتمع جيد.

يضمن الحرية والكرامة والعيش الكريم للجميع. ويؤمن بثقافة الاختلاف والاعتراف والإنصاف كبوصلة لبناء مجتمع قوي ومتضامن قادر على مواجهة التحديات.

إن بناء المجتمع الجيد والدولة الجيدة، وفق مفاهيم كل من يورغن هابرماس و أكسل هونت يتطلب التواصل و ترسيخ ثقافة الاعتراف للأفراد وحقوقهم، بحيث تتضافر الجهود من طرف الدولة باعتبارها حامية وضامنة للحق والقانون والدستور، لإنتاج قرارات جيدة.

تعيد الأمل في عالم ممكن بالرغم من التحديات المركبة التي تعترض المجتمع الإنساني. وكذلك، إعطاء مصداقية أكبر للمؤسسات الدستورية وجعلها متفاعلة بشكل إيجابي مع المجتمع، منه وإليه، لإعادة بناء الثقة المتبادلة. وهذا رهين بمدى ترسيخ ثقافة الاعتراف والإنصاف في عالم يكرس الإقصاء والتهميش.


وهذا لن يتحقق إلا بجعل العقل التقنوقراطي والمؤسساتي ينفتح على الفعل الديمقراطي، باحثا عن الحلول للمشاكل و يراعي مصلحة الدولة و المجتمع، وليس مصلحة رجال الأعمال فقط. إن اتخاذ قرارات قاسية في مجال الشأن العام يخلق التوتر ويؤدي إلى تراجع الثقة.

ويولد الإحساس بالظلم والإقصاء والتهميش. ويجعل المواطن يحس أن الدولة تتخلى عنه وتدار لحساب فئة قليلة وليس لعموم المجتمع.

إن المجتمع الجيد هو الغاية التي يطمح الإنسان إلى تحقيقه عبر سيرورة اجتماعية وسياسية لتجسيد الاعتراف والإنصاف على أرض الواقع، لصالح المواطنة والمواطنين.

كما يوجد في جوهر الدولة الاجتماعية التي تهدف إلى تقليص الفوارق الاجتماعية ببرامج اجتماعية، لتوفير شروط العيش الكريم وإدماج الفئات الهشة والمهمشين في المجتمع، بإنصافهم وتمكينهم من حقوقهم في التعليم والشغل والصحة والسكن والخدمات الاجتماعية. و بذلك تصبح الدولة الاجتماعية في خدمة المجتمع لتسهيل شروط العيش وإنصاف الإنسان وحمايته من الفقر.


  • 3 –  أهمية التواصل والحوار لبناء الدولة الاجتماعية

إن التواصل الفعال والبناء يكون ناجحا عندما ينفتح الفاعل السياسي في المجتمع المعاصر على المواطن في الفضاء العمومي الواقعي والافتراضي، حيث يتم الإنصات إلى انشغالاته وتساؤلاته ومطالبه لضمان التعبئة الجماعية والمتضامنة لإيجاد الحلول لمختلف التحديات والمشاكل الاجتماعية، للحد من مضاعفات الأزمة على الحياة المعيشية للمواطن، وانعكاساتها المدمرة في مختلف المجالات.

كما يتطلب الإنصات إلى مطالب المواطن ومرافعاته  في مختلف  الظروف والمجالات  لمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بشكل متضامن، وعدم اللجوء إلى القرارات المتسرعة والأحادية، بالرغم من الاختلاف في المقاربات والتصورات.

وذلك من أجل بناء مجتمع قوي يرتكز على الديمقراطية والتواصل الفعال بمشاركة المواطنين في بلورة الحلول والبدائل و القرارات محليا و جهويا ووطنيا، تجسيدا للمواطنة المسؤولة  وتفعيلا للديمقراطية التشاركية لتحقيق التنمية وترسيخ ثقافة العيش المشترك. 

كما يتطلب واقع الأزمة أن يلتزم  الفاعل السياسي  بوعوده الانتخابية التي قدمها للمواطن، باعتماد الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد، وعدم استغلال الظرفية العالمية لتمرير قرارات مجحفة وغير إنسانية، في عالم يعرف تراجعا ديمقراطيا يعصف بمكتسبات وإنجازات حققها المجتمع الإنساني عبر سيرورة طويلة من العمل و البناء المستمر.

وفي نفس الوقت، أن يتقن الفاعل السياسي المقاربة التواصلية مع مختلف الفئات الاجتماعية في الفضاء العمومي للوصول إلى الحلول والبدائل المقنعة. ترضي الجميع وتعطي الأمل في العيش الكريم لكل الفئات الاجتماعية بدون استثناء في عالم قوي بالوحدة والتضامن والاعتراف والإنصاف.


  • خاتمة

إن نجاح الدولة الاجتماعية في المجتمع المعاصر يتطلب اجتهادا من العقل الاجتماعي ومراجعة سياسته الاجتماعية لتنزيل الحماية الاجتماعية والتراجع عن موجة الغلاء التي يعرفها العالم. وذلك خدمة لمختلف الفئات الاجتماعية التي أصبحت تعاني كثيرا من أجل تأمين سلتها الغذائية.

هذا في الوقت الذي خرج فيه المجتمع الدولي منهكا من أزمة كورونا ليجد نفسه أمام مضاعفات أزمة الحرب الروسية الأكرانية و أزمة الجفاف ونذرة الماء وتأثير ذلك على الأمن الغذائي والمائي.

الشيء الذي أدى إلى أزمة اجتماعية غير مسبوقة؛ تتطلب كثيرا من الحكمة وحسن التدبير، بمقاربة ديمقراطية وتواصلية وتضامنية وليس بمقاربة تقنوقراطية تفتقد إلى الاعتراف والإنصاف. وتختزل الأزمة إلى أرقام وإحصاءات ومعادلات.

إن طبقة الأغنياء ورجال الأعمال مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى،   بتحمل تكلفة الأزمة الاجتماعية المركبة، وليس فقط الطبقة المتوسطة و الفئات الاجتماعية الفقيرة، خدمة وإنصافا للمجتمع وللدولة الاجتماعية ومؤسساتها.

وذلك بالتراجع عن موجة الغلاء في المحروقات وباقي المواد الغذائية و الاستهلاكية و مواصلة الدعم الاجتماعي، من أجل الحد من التوتر والاحتقان المجتمعي وبناء العيش المشترك بالمواطنة والاعتراف والإنصاف.

المصطفى رياني

المصطفى رياني: أستاذ باحث، حاصل على الدكتوراه في الترجمة القانونية من مدرسة الملك فهد العليا للترجمة، طنجة، المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى