مرحلة كورونا .. وقفات إلزامية (1) – الصين

 

منذ حلول جائحة كورونا وإعلانِها وباءً عالميا، حَفَلت الشاشات والمنصات الرقمية العربية والعالمية؛ الرسمية والخاصة بتغطية واسعة ومتواصلة لهذا المُسْتجدّ العالمي. ومع انتقال الحكومات إلى إعلان العزلة الدولية والحَجر المنزلي على المواطنين؛ زادت هذه التغطية أضعافا مضاعفة على منصات التواصل الاجتماعي؛ وزادت معهُ عزلة الفرد عن محيطِه وتكرَّس انغماسُه أكثر في العالَم الافتراضي.

وبدأت الكثير من التداعيات والتحولات تتشكل تباعا في منحى عمودي وأفقي؛ كمفعولٍ ارتدادي لهذه الجائحة، مُخلفةً تمايُزاتٍ عميقة وفورقاً شاسعةً وتصنيفاتٍ كبرى؛ تُنبئ بمرحلة جديدة سيدخُلُها العالَم مُجبَراً بموازينِه وإمكانياتِه المُتفاوتة وأقطابه المتناقضة دون سابقِ إعدادٍ ولا توقُّعٍ. عالمٌ جديد ستكون الأنانية المُفرطة أبرز مظاهرِه.

  • الصين

إن أول تحوُّلٍ يُمكن لمسُه في هذه المرحلة الفارقة والاستثنائية؛ هو الصينُ نفسُها؛ هذه الدولة الجبارة بطاقاتِها البشرية الهائلة وإمكانياتها الصناعية والاقتصادية والعلمية الكبيرة. فرغم كل اللوم الذي وُجِّه للصين لتسبُّبها في تفشي الفيروس عبر العالم بسبب تعتيمِها الشديد، وطمسها للحقيقة من خلال الإسكات المُمَنهج للأطباء الذين حذروا منذ البداية من مخاطر استسهال وتهوين خطر هذا الفيروس الفتاك. وعدم تحذيرِها للعالم مبكرا لاتخاذ الاحتياطات الدولية اللازمة؛ مما تسبب في تحول كورونا إلى وباءٍ عالمي. ورغم كلّ ما أثير من لغطٍ حول مصدَر هذا الفيروس، فإن الصين قد استطاعت سريعا تطويق الوباء على أراضيها وحصر الفيروس والتحكم في الموقف؛ وتحويل هذه المِحنة إلى منحة عظيمة.

فبخلاف كل التقديرات والتوقعات التي راهنت على سقوط عظمة الصين الاقتصادية في هذه الجائحة؛ ودخول اقتصادها في سبات طويل لا يُعرف منتهاه لصالح الولايات المتحدة؛ بسبب توقف آلاف المصانع ووحدات الإنتاج داخل الصين وخارِجَها؛ وتكدسِ ملايير الأطنان من السِّلع والبضائع المُعدَّة للتصدير في الموانئ والمطارات الصينية بسبب التخوف من نقل عدى كورونا عبر العالم. إلا أن الصين استطاعت تجاوز هذا المُستجد بأقل من المتوقع من الخسائر، واستثمرت هذه الجائحة لتُبرهن للعالم أن التِّنين الصيني ينبعث من الرماد في كل مرة تخبو نارُه أو تنطفئ.

فبينما كانت كورونا تدك قلاع أوروبا الواحدة تلوى الأخرى؛ مُزيلة عن الاتحاد الأوروبي آخر ورقة توتٍ تستر أنانيتَه، لم تجد إيطاليا ولا إسبانيا غيرَ الصين تستنجدان بها، طالبتان المعونة بالكوادر الطبية والأدوية والمستلزمات الطبية مِن كمامات ومُعقمات وأجهزة فحص وكشف وأجهزة إنعاش وأسِرَّة..، لتتحرك عجلة الإنتاج الصينية من جديد وبوتيرة مضاعفة؛ مُحوِّلةً المئات من الوحدات الصناعية المتوقفة إلى مصانع تصل الليل بالنهار لإنتاج الكمامات والمستلزمات والمعدات الطبية وأجهزة الكشف عن الفيروس. وتتوالى معه طلبات دول العالم للمعونة والمعدات الصينية، والتي بلغت 98 دولة على رأسِهم الولايات المتحدة الأمريكية. فأصبح المُنتَج الصيني الطبي والوقائي سلعة غالية تترصدُه دول العالَم لقرصنتِه على حدودِها البحرية.

بقي سؤالٌ هنا وَجبَ أن يُطرح وهو؛ لماذا عجزت دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية عن توفير الكمامات ومواد التعقيم والمستلزمات الطبية لمستشفياتها ؟

الحقيقة؛ أن مثل هذه الصناعات البسيطة ذات المردود البسيط؛ متواجدة في كل الدول المتقدمة بمعدل شركة أو شركتيْن في كل دولة؛ تنتهجان سياسة “العلامة التجارية” التي تضمن جودة عالية مقابل سعر مرتفع. أما الدولة فتغطي حاجياتها من هذه المواد عن طريق الاستيراد وبأسعار جد مناسبة، مانحة الأولوية والاهتمام للصناعات الدقيقة والعالية التكنولوجية. وعندما احتاجت كل دولة إلى مخزونِها من هذه المنتجات البسيطة؛ سقط خيارُ الاستيراد ووجدت الدول المتقدمة نفسَها في مأزق كبير بسبب الطلب الاستعجالي المحلي الكبير والمتزايد على هذه المنتجات ونفادِها بالكامل من السوق الداخلية. ورغم كل محاولات أوروبا وأمريكا تكثيف إنتاجها لسد هذا الخصاص، إلا أن الطلب زاد أضعافَ ما يتم إنتاجه يومياً؛ فكانت العجلة الصناعية الصينية ذات المليار ونصف المليار إنسان؛ الأقدر على الدوران بالوتيرة التي تُمّد الدول بهذه المُنتجات البسيطة والضرورية؛ وتُجنبَ العالَم كارثة مُحقَّقة. فاستحقت بذلك الصين لقب “منقذة العالَم”.

شهرٌ واحد فقط؛ كان كافيا للصين لتُجبر أمريكا على ترك خلافاتِهما الاقتصادية جانبا وطلب المعُونة، شهر واحد فقط؛ استطاعت فيه الصين تحصيل طلباتِ تصنيع وإنتاج استعجالية من أكثر من 100 دولة بعائدٍ مادي يُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، وهذا يعني مبدئيا؛ أن العملة الصينية اليوان هي العملة الأولى في التعاملات المالية الدولية طيلة هذه الجائحة على الأقل.

فإذا كانت الحرب العالمية الثانية قد مهدت لصعود الولايات المتحدة الأمريكية وتسيُّدِها العالم، فإن ما تفعلُه الصين اليوم؛ هو ماريشال جديدة توقِّعُها الصين ضِمنيا ليس مع أوروبا فحسب؛ بل مع كل دول العالم وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية. وسيعقُبها موجة ثانية وكاسحة من “صُنع في الصين”.

هناك مقولة قديمة تقول؛ “تأتي النظريات وتذهب؛ ويبقى الضفدعُ ضفدعاً“. وقياسا عليه؛ فإن الإنسان مهما بلغ من تطور وعلم ورُقيّ حضاري؛ فإنه يبقى إنساناً، وسيظل مُحتاجا إلى الصابون وإلى ورق المرحاض والمِشط والجوارب وفرشاة الأسنان..؛ بهذا المنطق تتعامل الصين اقتصاديا. فهي لا تستنكف من تصنيع كل شيء؛ من الإبرة إلى الصاروخ. ولا تنتقي مُستهلكا دون آخر. فهي تُصنِّع وتبيع للفقير صاحب الفِلس كما تبيع للغني صاحب الملايين. بهذا المنطق؛ استطاعت الصين التوغل عميقا في آسيا وإفريقيا وفي أمريكا الجنوبية، وفرضت ثقلها الاقتصادي في أوروبا وأمريكا.

واليوم؛ أظهرت جائحة كورونا أن الدولة القوية حقيقة لا شعارا؛ هي تلك التي تستطيع تصنيع الكمامات  والسترات الطبية الواقية، وأجهزة الكشف السريع، وأجهزة التنفس الصناعي.

والدولة العظمى؛ هي تلك التي تستطيع توفير هذه المستلزمات للعالم وفي وقت قياسي. والصين اليوم هي من يضطلع بهذا الدور؛ في المقابل تتُوه عشرات حاملات الطائرات ومئات السفن الحربية والغواصات النووية عبر بحار ومحيطات العالَم، وآلاف الطائرات والدبابات؛ وما لا يُحصى من الذخائر وأدوات التدمير في المخازن؛ عاجزة أمام انهيار المنظومة الصحية في أوروبا وأمريكا، وأمام الطوابير الطويلة والممتدة للمواطنين الجائعين أمام مكاتب الدعم والتموين الغذائي.

الكثير من المؤشرات العامة المستخلصة من هذه الجائحة العالمية؛ تُنبئ بسقوط مدوٍّ للرأسمالية العالمية المتوحشة وعلى رأسِها الولايات المتحدة الأمريكية التي تسببتْ سياساتها الدولية في الكثير من المشاكل والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي أوصلت العالم إلى المجهول.

سقوط النظام العالمي الحالي؛ سيعقُبه بلا شك نظامٌ جديد بزعامة جديدة. لكن الصين ليست الخيار الأمثل طبعاً؛ وربما تكونُ الخيار الأسوأ على الإطلاق. فرغم تأكيد مؤسسة “غولدمان ساكس” أن الاقتصاد الصيني سيكون الأول عالميا بحلول 2027م، وسيحل محل الاقتصاد الأمريكي كأكبر اقتصادات العالم. إلا أن الصين تبقى من أكثر دول العالم شمولية وقمعا وديكتاتورية ومن أكبر الدول الداعمة للأنظمة الاستبدادية في آسيا وإفريقيا والعالم.

وبالتالي فإن مسألة الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية والصحافة الحرة؛ مسألة غير مطروحة على الأجندة الصينية، فإلى اليوم مازالت الصين تمنع مليار ونصف المليار صيني من استخدام الفيسبوك وتويتر، كما أن إصدارات الصحف ووكالات الأنباء العالمية مثل نيوروك تايمز ورويترز غير مسموح لها بالوصول للمواطن الصيني. وبالتالي؛ فالنظام الذي تُبشرنا به الصين لن يكون إلا نسخة متطورة عن كوريا الشمالية، عالَما أكثر عزلة وشمولية وديكتاتورية وخوفا. عالما مرصودا ومُراقبا إلى أبعد الحدود؛ عالما؛ الأولوية فيه لأجهزة المراقبة والتجسس وعدِّ أنفاس البشر؛ عالماً سيكون مسموحا لنا فيه بالعيش والسكوت والتصفيق لا أكثر.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.