نقد

كورونا ـ حرب التأويلات

 

يقول مثل مغربي: «طاحت البقرة، كثروا الجناواة» (وقعت البقرة، فكثرت السكاكين). منذ بداية انتشار فيروس كورونا في الصين، ظهر التأويل الأول الذي يرجعه إلى الخفافيش، في إحدى أسواق ووهان. ومنذ البداية إلى الآن ظهرت تأويلات متعددة ولا حصر لها، وكلها تنبني على تحليلات تربط بين عدة بنيات، وعناصر، وحجج لتأكيد صحتها.

كنت دائما ضد التأويل لأنني أراه تمثيلا لما يقدمه المؤوِّل على أنه الحقيقة، التي يمكن الأخذ بها والدفاع عنها للانتصار لموقف ما من النص والحياة. أطرح سؤالين اثنين أراهما يختزلان عدة أسئلة حول التأويل، هما: لماذا نؤول؟ وما الغاية منه؟

نعمل على متابعة التأويلات، والبحث عنها، لأننا نلاحظ أن المعلومات التي تفرضها علينا وسائل الإعلام متباينة، حول نشأة الفيروس وأسباب انتشاره. كما أن تعدد وجهات نظر الخبراء والمختصين من العلماء وتناقضاتها في تفسير أو تأويل النشأة والانتشار، تبين لنا أن ليست هناك رؤية علمية موحدة، وأن الفيروس تحول إلى «لغز» لا نعرف عنه شيئا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وأن سره يدفع في اتجاه بروز محاولات، بغض النظر عن صدقها أو واقعيتها، للتأويل والتأويل المضاد.

وعلاوة على ذلك فإن تباين التأويلات وتضاربها لا يعني إلا أن هناك حقائق لا يراد الكشف عنها، وليس من معنى لحرب التأويلات، سوى محاولة لتوجيه الأنظار نحو تأويل معين لأغراض محددة. لو تتبعنا مختلف ما تمدنا به الوسائط المختلفة، وما نتوصل به يوميا من مواد نصية وصوتية وصورية، لما أمكننا حصر هذه التأويلات. نركز على البعض منها، ومحاولة قراءة خطوطها العريضة، وبلا تفاصيل، في ضوء السؤالين اللذين طرحناهما. فهناك من جهة التأويل السياسي ـ الاقتصادي الذي يتجسد من خلال الصراع الأمريكي ـ الصيني. وما اتهام كل منهما للآخر بأنه مسبب الفيروس ومنتجه في مختبراته، أو عدم التصريح به.

أما كيف؟ وبأي سيناريو؟ فتلك قصص أخرى. وهناك التأويل الديني، مسيحيا، وإسلاميا، فيراه ابتلاء من الله ونذيرا. ثم هناك التأويل الاستكشافي المبني على تاريخ تطور الفيروسات منذ أواخر القرن الماضي، خصوصا سنة 2003، ونظيره التأويل البيئي الكهروميغناطيسي الذي يرصد بداية التحول البيئي، خصوصا سنة 1921، ويمكن إدراج التأويل العددي المؤسس على الصدف، الذي يبين أن سنوات العشرين من كل قرن تحمل جائحة كبرى وعامة، وتُقدم سنتا 1820و1920، إضافة إلى 2020 للدلالة على ذلك.

وأخيرا نشير إلى تأويل آخر يربط الجوائح والكوارث العالمية بالصهيونية العالمية، بالإشارة إلى صلة وعد بلفور بالحرب العالمية الأولى، وتقسيم فلسطين نهاية الحرب الثانية، وبروز فيروس كورونا بالإجهاز على القضية الفلسطينية نهائيا بتحقيق مكاسب أخرى لفائدة الصهيونية.

حرب التأويلات دليل على حرب صراعات بين القوى العظمى التي تعمل إما: من أجل إدامة الهيمنة على العالم، أو من أجل احتلال موقع فيه إلى جانب المهيمِن، أو من أجل إزاحة من ينافسها على الهيمنة.

كل تأويل من هذه التأويلات يحارب غيره، من أجل تأكيد أطروحة خاصة يتبناها على المستوى العالمي. وكلها تصب في دائرة بسط الهيمنة على العالم، من أجل كسب المزيد من الرهانات المتعلقة بالمستقبل، لفائدة فئة محدودة على حساب السواد الأعظم من الناس. وهذه الأطروحة هي المهيمنة، لأنها تتصل بالقوى المتصارعة. أما الأطروحة النقيض، فترى في الجائحة ضرورة لإعادة التفكير وبناء عالم جديد، وهي ترتبط بالمستضعفين في الأرض.

نسجل من خلال كل هذه التأويلات، وغيرها، مما لم نتوقف عليه، أن انتشار الوباء مرّ بمرحلتين: مرحلة القول بالخطأ، الذي أدى إلى تسرب الفيروس المصطنع عن طريق الخفافيش، أو غيرها. ومرحلة تأكيد أن الأمر مدبر ومخطط له منذ مدة، وأن من بين أهدافه التقليل من أعباء المسنين في الغرب، من جهة، ومن الانفجار الديموغرافي الذي يثقل كاهل الأرض؟ خاصة في افريقيا التي يتوقع تزايد أعداد ساكنتها إلى حد تجاوز عدد سكان أوروبا وأمريكا، في العقود المقبلة، من جهة أخرى. تلتقي كل هذه التأويلات، رغم اختلاف منطلقاتها، وتقاطعاتها، وكيفيات تفسيرها للأمور في عنصر جوهري واحد: الكارثة محدقة بالإنسان والطبيعة، جراء أفعال الإنسان، والحرب الجرثومية هي السبيل الوحيد لإبقاء فئة المحظوظين (ملائكة وشياطين) لمواصلة الحياة.

إن الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن أن نختلف بصددها هي أن الفيروس حدث واقعي، نلمس آثاره واضحة على المستوى العالمي، من جهة. ومن جهة أخرى نؤكد أن كل هذه التأويلات تعبيرات عن وجهات نظر، أو أطاريح خاصة. إن حرب التأويلات دليل على حرب صراعات بين القوى العظمى التي تعمل إما: من أجل إدامة الهيمنة على العالم، أو من أجل احتلال موقع فيه إلى جانب المهيمِن، أو من أجل إزاحة من ينافسها على الهيمنة.

أما المستضعفون في الأرض، وأقصد بهم الأممَ والشعوب الذين فرِض عليهم التخلف والتبعية، والمثقفين والعلماء الأحرار في العالم أجمع، فلا يعنيهم بالضرورة تبني هذا التأويل أو ذاك، وإلا كانوا يصطفون إلى جانب إحدى الإطروحات المتناحرة. ما يهم هؤلاء هو أن يتخذوا من الجائحة، وبغض النظر عن مسبباتها ومقاصدها، ما يُمكِّنهم من أن يفكروا في بدائل جديدة لفرض وجودهم، وإلا فإنهم سيظلون فئران تجارب للقوى العالمية المتصارعة.

 

سعيد يقطين

كاتب وناقد مغربي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، متخصص في السرديات العربية، أستاذ زائر بعدد من الجامعات العربية والغربية، حاصل على جائزة الشيخ زايد في الفنون والدراسات الأدبية، وجائزة الكويت للتقدم العلمي؛ نسخة 2023.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى