نقد

مئوية عبد الرحمن الشرقاوي.. مجدد في الأدب والشعر والمسرح

يعد الأديب والشاعر والمسرحي المصري عبد الرحمن الشرقاوي (1921-1987) أحد رواد حركة التجديد في الأدب العربي الحديث واتجاهاته. وأول من كتب المسرحية الشعرية مستخدما شعر التفعيلة.

وأحد أبرز الأدباء الذين عملوا في الصحافة وأحرز نجاحًا مرموقًا، وكان مدافعًا دؤوبًا عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحرية الرأي في مصر والعالم العربي. كما كان أحد الأدباء الأربعة الذين شاركوا في فيلم “الرسالة” للمخرج العالمي مصطفى العقاد؛ إذ شارك مع توفيق الحكيم وعبد الحميد جودة السحار ومحمد علي ماهر بصياغة السيناريو والحوار إضافة إلى البريطاني هنري كريغ.

ولد عبد الرحمن الشرقاوي في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1921 (وهذه السنة هي مئوية ولادته) في قرية الدلاتون- محافظة المنوفية. تلقى تعليمه الأول في مدرسة الكتاب بالقرية. ثم التحق بكلية الحقوق عام 1943. بدأ حياته العملية بمهنة المحاماة ولكنه هجرها بعدما تأكد له أنه يريد أن يصبح كاتبًا. عمل في الصحافة في مجلة “الطليعة” ثم تركها وانتقل إلى العمل في مجلة “الفجر”.

وبعد قيام ثورة 23 يوليو انضم إلى صحيفة “الشعب”. هذا التدرج المتمكن في العمل الصحافي قاده لأن يكون رئيس تحرير مجلة “روز اليوسف”. ولبث في العمل الصحافي حتى أنه انضم في سنواته الأخيرة للعمل في جريدة “الأهرام”. كما تولى منصب سكرتير منظمة التضامن الآسيوي الأفريقي وأمانة المجلس الأعلى للفنون والآداب.

وأثناء عمله في الصحافة كان عبد الرحمن الشرقاوي يشتغل على أعماله الإبداعية، فأصدر رواية “الأرض” (1954) وهي الرواية التي لفتت إليه الأنظار وجعلت منه نجمًا لامعًا في عالم الأدب، وقد أظهرت هذه الرواية تأثر الشرقاوي ببيئته المحلية وبالحياة الريفية، وهي أول تجسيد واقعي إبداعي ملحمي ضد الظلم.

تحولت الرواية إلى فيلم مميز من إخراج يوسف شاهين عام 1970 واعتبره النقاد أحد روائع السينما المصرية، وتم تصنيفه الثاني ضمن أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية في استفتاء النقاد، وقدّم فيه محمود المليجي وعزت العلايلي أحد أجمل أدوارهما. كما أن الأغنية التي رافقت الفيلم عاشت طويلًا في ذاكرة الناس والتي يقول مطلعها:” الأرض لو عطشانة/ نسقيها بدمانا” وهي من ألحان علي إسماعيل.

وتابع الشرقاوي إصدار رواياته وأعماله ومسرحياته التاريخية، فكتب “قلوب خالية” (1956)، و”الشوارع الخلفية” (1958) التي حولت إلى فيلم عام 1974 من بطولة نور الشريف وماجدة الخطيب. له عدد من المجموعات القصصية منها “أحلام صغيرة” و”الفلاح” (1967) و”علي إمام المتقين”.

انهمك الشرقاوي في كتابة المسرحيات الشعرية ومن أبرز أعماله: “ثأر الله- الحسين ثائرًا وشهيدًا”، وفي أحد مشاهد “الحسين ثائرًا” كتب الشرقاوي قصيدة رائعة عن الكلمة قال فيها: “أتدري ما معنى الكلمة/ مفتاح الجنة في كلمة/ ودخول النار على كلمة/ وقضاء الله هو الكلمة”.

قصيدة ملهمة تبين أهمية الكلمة وتأثيرها في الناس والحياة والعالم. وكتب مسرحية “مأساة جميلة” وهي مستوحاة من حياة المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد. وكتب أيضا “عرابي زعيم الفلاحين” و”الفتى مهران” والتي اعتبرت من أهم معالم تاريخ المسرح الشعري في مصر وأثارت ضجة فنية لرفعة مستواها وقوة نبض الدراما فيها.

عرضت هذه المسرحية في شباط/ فبراير 1966 ولكنها حملت قوة التنبؤ بما ستتعرض له مصر في حرب 1967 وأثر كل ذلك على حرية الوطن وكرامة المواطن. توقف النقاد عند السؤال الذي سأله مهران للحاكم: “لماذا أرسلت الجيش إلى السند والخطر جاثم بالباب؟”. وأصدر أيضًا “محمد رسول الحرية” ومسرحية” وطني عكا” و”الفاروق عمر بن الخطاب” و “أئمة الفقه التسعة” و”عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء” و”صلاح الدين النسر الأحمر”.

وفي كل مسرحياته كان عبد الرحمن الشرقاوي يستحضر الوقائع الكبرى ويستعيد قراءتها على ضوء الواقع والتاريخ ويستخرج العبر والنتائج والخلاصات.

قال عنه الشاعر حسن طلب: “عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحياته الشعرية مهّد الأرض لحركة الشعر الحر”. عندما كتب مسرحية “ثار الله” منعها الأزهر من العرض لظهور شخصية الحسين في المسرح وبقيت حبيسة الأدراج. عام 1956 كتب عبد الرحمن الشرقاوي ديوانًا شعريًا بعنوان “رسالة من أب مصري إلى الرئيس الأميركي ترومان”، وحقق نجاحًا إذ تحدى فيه السياسة بمشاعره وإنسانيته وبالموقف من الحياة. عام 1986 أصدر ديوان “تمثال الحرية وقصائد منسية”. أما آخر أعماله فكان بعنوان “قبل أن يصمت القلم” وهو مجموعة ما كان يكتبه في “الأهرام” من خواطر حرة من 1983 حتى 1987.

حاز عبد الرحمن الشرقاوي على جائزة الدولة التقديرية عام 1974 وقد قدمها له الرئيس السادات. كما منحه وسام الآداب والفنون من الطبقة الأولى. اختير عام 2018 شخصية معرض الكتاب الدولي في القاهرة.

واجه عبد الرحمن الشرقاوي أجواء التزمت والتشرد التي سادت مصر في منتصف الثمانينات فكتب “في ظل الإرهاب الدامي لن يوجد فقه”، واعتبره الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي الأقرب في جيله إلى جيل الرواد المؤسسين شعرًا ونثرًا. حملت أعمال عبد الرحمن الشرقاوي قيمة أدبية وقيمة ملهمة لنضال المجتمع.  كان في أدبه صلبًا ورقيقًا وبليغًا، صلابة الموقف ورقّة الكلمة وبلاغة الصمت. توفي عام 1987 إثر مشاكل في القلب.


ضفة ثالثة 

سليمان بختي

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات