رقمنة ومعلوميات

الساعة اليدوية.. شاهد على عصر الحداثة يقاوم التكنولوجيا

مع الإغلاق الشامل الذي فرضته جائحة كورونا على العالم منذ بداية العام 2020، اكتشف الكثير من سكان العالم من جديد تلك العلاقة الخاصة والمركبة مع الزمن، حيث انتبه البعض لأول مرة إلى تلك الأرقام التي تستقر في أحد أركان شاشاتهم، بينما نفض البعض الغبار عن ساعاتهم اليدوية القديمة، سعيا إلى الوصول إلى مرفأ آمن يخرجهم من محيط زمني ممتد باتوا يسبحون فيه على مدار الساعة بسبب ظروف الإغلاق.


علاقة الإنسان بالساعة التي يهتدي بها شراع الحياة اليومية، تتجاوز مجرد العلاقة الوظيفية للإنسان مع أحد مخترعاته الحديثة، إلى نوع من الاندماج الذي جعل الإنسان يعبر نحو عصر الحداثة بكل ما ينطوي عليه من خلفيات فلسفية وتجسيد تقني، لدرجة أن البعض يعتبر هذا الجهاز الصغير الذي يكاد اليوم ينسى بفعل توفير الشاشات الذكية لخدمة تحديد الساعة، صاحب أثر يتجاوز ما خلّفته اختراعات شهيرة مثل المحرك البخاري وسكك الحديد والهاتف.

 

  • قياس الظل وساعة الماء.. مقاييس الوقت في حضارات العالم القديم

لا تسجل وثائق التاريخ اختراع الساعة باسم أي من العلماء والمشاهير، لكن هذا الجهاز الصغير يعتبر خلاصة لتراكم علمي ومعرفي طويل للإنسانية، حيث خضعت علاقة الإنسان بالزمن للتطور بالشكل الذي أفضى إلى الانتقال من الاعتماد على تتبع حركة الشمس ومعها حركة الأضواء والظلال، إلى التحكم في الزمن بطريقة تكاد تشبه موازين قياس الذهب وما شابهه من مواد نفيسة.

تعتبر الساعة الشمسية أقدم الطرق التي عرفها الإنسان في تعامله مع الزمن قياسا وضبطا، وترجع أولى محاولات الإنسان في هذا المجال إلى العهد اليوناني، حين كان قياس الظلال أداة رئيسة في معرفة الساعة وقياس المسافات الزمنية، لكن هذه الطريقة كانت تشكو من ضعف بيّن يتمثل في صعوبة اعتمادها خلال الليل أو بعض الأيام التي تغيب فيها أشعة الشمس.[1]

ومن بين المميزات الحضارية للعهود الفرعونية التي اشتهرت بكثير من التطور في بعض من مناحي الحياة البشرية، توجد الساعة المائية، وكانت تستند إلى تقنية تعتمد إحداث ثقب ينساب منه الماء، فتصبح كمية الماء المنساب طريقة غير مباشرة لمعرفة كمية الزمن الذي مر.

فكرة مماثلة كانت وراء الساعة الرملية الشهيرة، إذ تنبع الفكرة من كرتين زجاجيتين متقاربتين يربط بينهما ثقب صغير يتدفق عبره الرمل، حيث تعبر كمية الرمل المنساب عن الزمن المنقضي.[2]

قسمت العرب ساعات اليوم والليلة إلى أربع وعشرين ساعة لكل واحدة منها اسم

  • مواقيت النهار والليل.. تقسيم الساعات الـ24 عند العرب الأقدمين

عرف العرب الزمن وقدروا الوقت بتقسيمات واضحة، وزادهم الإسلام اتصالا بالمواقيت لضبط عباداتهم ومعاملاتهم، فقد حمل الإسلام في تعاليمه أن أول ما يُسأل عنه المسلم في آخرته: “عن عمره فيمَ أفناه؟” (حديث صحيح أخرجه الترمذيّ وغيره).[3]

وكانت العرب تقسّم يومها أربعا وعشرين ساعة كما هو الحال اليوم، لكنّها لم تكن ساعاتٍ متساوية كساعات اليوم، بل كانت تطول ساعة النهار في الصيف –مع طول النهار- حتى تبلغ أكثر من سبعين دقيقة بدقائق اليوم، وفي المقابل تقصر ساعةُ الليل إلى أقلّ من خمسين دقيقة، وفي الشتاء يحصل العكس، فتتمدد ساعات الليل وتتقلّص ساعات النهار.[4]

كما كان لكل ساعة من ساعات العرب الأربع والعشرين اسم، وقد نقل هذه الأسماء أبو منصور الثعالبيّ في كتابه “فقه اللغة” كالتالي:

ساعَات النهار: الشروق، ثم البكور، ثم الغُدوة، ثم الضحى، ثم الهاجرة، ثم الظهيرة، ثم الرواح، ثم العصر، ثم القصر، ثم الأصيل، ثم العشي، ثم الغروب.

وساعات الليل: الشفق، ثم الغسق، ثم العتمة، ثم السدفة، ثم الفحمة، ثم الزلة، ثم الزلفة، ثم البهرة، ثم السحر، ثم الفجر، ثم الصبح، ثم الصباح.

وأغلبُ الظنّ أن العرب إنّما أخذوا هذا التقسيم للساعات عن اليونانيين والمصريين، لشبهه الكبير بطريقتهم.[5]

ومن أغرب ما استعمله الإنسان في علاقته بالزمن هو لجوؤه إلى حاسة الشم، وذلك من خلال اختراع صيني يقوم على استعمال مجموعة من مختلفة من الأبخرة، وكلما انبعثت رائحة بخور معين عرفوا من خلالها مقدار الزمن الذي مر بهم منذ إشعال المبخرة، بينما كان أحد الملوك الإنجليز وراء اختراع ساعة تقوم على استعمال شموع، حيث يقوم الخدم بإشعال شمعة كلما انقضت أخرى، ومن خلال عدد الشموع التي احترقت يتعرف الملك على مقدار الزمن الذي مر.[6]


  • ساعة الثورة الصناعية.. ابتكارات الحضارة الأوروبية في عصر الأنوار

تعود صناعة أول ساعة يد صغيرة محمولة إلى القرن الـ16، وينسب هذا الاختراع إلى صانع أقفال ألماني يدعى “بيتر هينلن”، وقد تمكن بعد أكثر من عشرة أعوام من الأبحاث من ابتكار نابض صغير يطلق عليه النابض الرئيسي، وهو الذي يزود الساعة بالطاقة اللازمة لتشغيلها بشكل دائم، هذا النموذج هو الذي سيتطور لاحقا من خلال إضافة عقارب جديدة تشير إلى كل من الدقائق والثواني.[7]

فمع ازدهار الثورة العلمية التي شهدتها أوروبا بين القرنين السادس عشر والسابع عشر، وشيوع الفكر المعروف باسم “الفلسفة الآلية” الذي يشير إلى أن الكون يعمل كآلة، وأن كل شيء قابل للوصف حركيا داخل إطار رياضي محكم؛ قام العالم الإيطالي “غاليليو غاليلي” بوضع أول نموذج لساعة ميكانيكية، ليطوره بعد فترة قصيرة عالم الفيزياء الشهير “كريستيان هيغنز” ويصنع أول ساعة رقاصة عام 1656.[8]

انتشرت الساعة الميكانيكية على نطاق كبير قبل نحو سبعة قرون في أوربا، وكانت الفكرة الأولية بسيطة حيث كانت الساعة تطلق إشارة كلما مرت ساعة كاملة، دون أن يكون بمقدورها في البداية أن تعبر عن الوقت بالدقة المعروفة حاليا. وكانت الساعة الميكانيكية الأولى تشكو من بعض النقص، حيث كانت تراكم تأخرا يقدر بربع ساعة كل يوم. لكن هذا النموذج الميكانيكي سيظل مجسدا للقسم الأكبر من التطور العلمي والحضاري الذي حققته البشرية، حيث جمعت بين استثمار معارف الإنسان المرتبطة بالجاذبية والقدرة الكهربائية.

ويعود أول ظهور للساعات الميكانيكية إلى القرنين الـ13 والـ14، فقد عثر على واحدة من أقدم الساعات الميكانيكية العاملة في كاتدرائية سالزبوري في إنجلترا، ويعود صنعها إلى أواخر القرن الـ14. ويرتبط انتشار الساعات بمهد الحضارة الأوروبية لعصر الأنوار، إذ تتحدث المصادر التاريخية عن بناء ثلاث ساعات ميكانيكية في إيطاليا خلال القرن الـ13، إحداهما كانت ساعة فلكية، والثانية تدق جرسا كل ساعة، والثالثة تتبع الساعات وشروق الشمس وأيام الشهر.[9]

ارتبطت طفرة الصناعة السويسرية للساعات بالسياق الفكري لمنتصف القرن الـ16، حيث كان المصلح الديني “جون كالفين” قد منع ارتداء المجوهرات على أتباعه، مما جعل جل العاملين في مجال صناعة المجوهرات يتحولون إلى صنع الساعات والإبداع فيها، وتزامن ذلك مع بدء استعمال النحاس والبرونز بدل الحديد في صنع الساعات، مما منحها قيمة رمزية ومادية كبيرة.

“كريستيان هيغنز” هو صاحب اختراع البندول الرقاص سنة 1656

  • ساعة البندول الرقاص.. دليل الإنسان في العصر الحديث

تعيد بعض المصادر اختراع الساعة الميكانيكية إلى الصينيين “ليانغ لينغزان” و”يي شينغ”، قبل أن تنتقل إلى أوروبا، حيث استعملت في البداية لتنظيم أوقات الصلاة في المعابد والأديرة، ليتواصل تطوير الساعات حتى اختراع الهولندي كريستيان هوغنس في القرن السابع عشر لما يعرف بالساعة البندولية.[10]

في عام 1656 سجلت براءة اختراع ساعة البندول (الرقاص) من قبل مخترع هذا النوع من الساعات “كريستيان هيغنز”، ولكن جرت دراستها لأول مرة في عام 1602 بواسطة “غاليليو غاليلي”، وكان أهم ما حققته هذه الساعة هو خفضها مقدار الانحراف اليومي الذي كانت تسجله الساعات الماكينيكية إلى حوالي 15 ثانية فقط في اليوم، وهو ما جعلها تبدو دقيقة للغاية.

وتعود فكرة البندول إلى ذلك الاكتشاف العلمي الذي ارتبط بمحاولة الإنسان اكتشاف وقياس جاذبية الأرض، وتقوم الفكرة على استعمال جسم في شكل سهم مشدود من أحد طرفيه نحو الأعلى، بينما يتدلى نحو الأسفل، وكلما جذب إلى جانب قام بالتأرجح بين الجانبين بشكل متساو جيئة وذهابا، وتعرف مدة انتقاله من جانب إلى آخر باسم الذبذبة، وتساوي ثانية واحدة عند سطح البحر (تختلف الذبذبة باختلاف المواقع بالنظر إلى اختلاف قوة الجاذبية).

استثمر الإنسان معارفه الناشئة عن اكتشافه للجاذبية ودراسته لها بشكل دقيق، حيث أصبح من شبه البديهي أن كل جسم على ارتفاع معين يمتلك طاقة تُعرف بالطاقة الكامنة، وتعتمد على كتلة الجسم وارتفاع الجسم عن السطح وتسارع الجاذبية، وتتحول هذه الطاقة إلى نوع آخر يُعرف بالطاقة الحركية، ويكتسبها الجسم مع تغير ارتفاعه عن السطح، وهناك تناسب طردي بين الطاقة الكامنة والطاقة الحركية.[11]

تعتبر ساعات الكوارتز من بين أهم الاختراعات الحديثة في مجال الساعات، حيث يعود ظهورها إلى ستينيات القرن العشرين، وذلك نتيجة للتطوير الذي خلص إليه مركز سويسري مختص في الأبحاث المتعلقة بالساعات الإلكترونية، ويعتمد هذا النموذج من الساعات على رقاقة من الكوارتز مزودة بتيار كهربائي مصدره بطارية صغيرة، ويتسبب مرور هذا التيار في إحداث اهتزاز أو ذبذبة لبلورة الكوارتز التي تنقل هذه الحركة إلى عقارب الساعة.[12]

استخدم القدماء طرقا مختلفة لمعرفة الوقت في النهار والليل

  • ضبط المواقيت.. طقوس الدين والصناعة والتحضر

تغيّرت علاقة الإنسان بالزمن بشكل سريع وكبير في القرنين الماضيين، حيث أصبحت المجتمعات البشرية أكثر حرصا على الرفع من الإنتاجية وتحدي الإيقاع الطبيعي الذي كان يعيش عليه الإنسان القديم، وشكّل ضبط الوقت واستثماره أحد أوجه الطفرة الفكرية والحضارية والإنتاجية التي عاشها الإنسان الحديث، حيث لم يعد أحد يستغرب عبارة “الزمن هو المال” شائعة الاستعمال.

ارتبط تطوير استعمال الساعات وضبط الزمن بشكل كبير بالمجال الديني، حيث كان الرهبان ورجال الدين أكثر إلحاحا في ضبط أوقات الصلاة وباقي الشعائر الدينية، وهو ما يفسّر احتفاظ الكثير من الكنائس الأوروبية بساعات عتيقة بدأ استخدامها في وقت مبكر من التاريخ، كما ارتبط تسارع لجوء الإنسان إلى الآلة التي تسمح له بمعرفة الزمن وضبطه، بانتقاله للعيش في مدن كبيرة، مما حتّم تنظيم العلاقات والمواعيد.[13]

ازدادت حاجة الإنسان إلى الساعة مع انتقاله من أنماط الحياة الفلاحية إلى تلك الصناعية، حيث لم يعد مفهوم الزمان نفسه بالنسبة للإنسان المشتغل بالصناعة أو التجارة في المدينة الحديثة، كما كان عليه الأمر في حياة المزارع أو الصياد الذي يمكنه أن يستند إلى بعض الظواهر الطبيعية وحركة المد والجزر وسلوك بعض الحيوانات، ليتعرف على الزمن وينظمه. كما أصبح إنسان العصر الحديث مطالبا بالفصل بين وقته الشخصي والوقت الذي ينبغي له منحه لمشغله، بل إن الانضباط للبرمجة الزمنية أصبح من معايير قياس تحضر الشخص من عدمه.[14]

وتكتسي الساعات قيمة أكبر بكثير مما يمكن أن تنطوي عليه تركيبتها المعدنية أو تزين به من أحجار نفيسة أو مجوهرات، وهو ما يفسّر الصراع المستمر بين المؤرخين حول أولى الساعات اليدوية، حيث تصرّ كل من الأمم الأوروبية على جعل إحدى ملكاتها أو أميراتها أول من استعمل الساعة اليدوية في التاريخ، لما ينطوي عليه هذا الفعل من تفوق حضاري وسبق في مجال الحداثة والتطوّر.[15]

بعد أن كانت مقتصرة على وضعها داخل الجيب، أصبح بإمكان الناس ارتداء الساعة حول معاصمهم


  • من الجيب إلى المعصم.. زينة الأثرياء وعتاد الجنود المحاربين

تحولت ساعة الجيب في عصر النهضة الأوروبية إلى عنصر حيوي في مظهر الرجل الراغب في الظهور كمثقف وغني ومنحدر من أصل عائلي رفيع، كما كان شكل وطبيعة المعادن المستعملة في صنع الساعة مؤشرا عن الانتماء الاجتماعي لحاملها، فالأغنياء وحدهم كانوا يستطيعون حمل ساعة جيب من الذهب الخالص أو تزيينها بالأحجار النفيسة. وكان لهذه الساعة مكان خاص في هندام الرجل النبيل، حيث باتت البذلة الأنيقة تتوفر بشكل حتمي على جيب خاص بالساعة.[16]

ويرتبط انتقال الاستخدام الرجالي للساعات من الجيب إلى المعصم بشكل كبير بالحاجة القتالية والعسكرية، حيث كان لتطور التقنيات العسكرية دور كبير في دفع الرجال إلى إخراج الساعات من جيوبهم وتثبيتهم فوق معاصمهم، وقد جرى ذلك بطرق بدائية، لكون ساعة اليد ظلت تعتبر لزمن طويل أداة تجميلية خاصة بالنساء، قبل أن تحدث في هذا المجال الثورة الرجالية التي ينسبها البعض إلى القيصر الألماني “ويليام الأول” في القرن الـ19، إذ تقول بعض المصادر إنه طلب تصنيع ألف ساعة يدوية لفائدة جنوده، لتصبح الساعات عتادا عسكريا ضروريا في الحروب اللاحقة.[17]

اخترعت ساعات اليد أول مرة عام 1868، على يد “باتك فيليب”، لكن استخدامها انحصر في توظيفها كسوار نسائي أو كقطعة من المجوهرات، إلى أن انتقل استخدامها إلى المجال الرجالي عبر الطيار “ألبرتو سانتوس-دومونت”، فقد طلب من صديقه الساعاتي الفرنسي “لويس كارتييه” تصميم ساعة تساعده في التعرف على الزمن خلال رحلاته، حيث كان الطيار يرغب في استعمال يديه معا في القيادة، مع إمكانية الاطلاع المستمر على الساعة دون حاجة لإخراج ساعة الجيب، وهو ما أدى إلى ظهور أول ساعة يد مستهل القرن العشرين.[18]

وتفسر بعض المصادر انتقال الساعات اليدوية من الاستخدام النسائي إلى اعتمادها من طرف الرجال أيضا لمعرفة الوقت؛ إلى الاستخدامات العسكرية، حيث كان الجنود يحتاجون إلى وسيلة دقيقة لمعرفة الزمن.[19]

تطورت تقنية صناعة الساعات حتى أصبحت مرتبطة بالأجهزة الإلكترونية


  • علاقة الإنسان بالزمان.. مظاهر الحداثة في عصر الثورة

شكّلت العلاقة بين الإنسان والزمن واحدا من أوجه الاختلاف الحضاري بين الأمم، فقد كان احترام الزمن المحدد لكل نشاط من الأنشطة اليومية سببا من أسباب الصراع بين بريطانيا ومستعمراتها الهندية، إذ اعتبر جزء كبير من سكان الهند أن محاولة البريطانيين فرض مفهومهم للزمن المنظم، إملاء استعماريا ومحاولة للنيل من الثقافة المحلية وطمسها، ولم تحل إشكالية توحيد التوقيت داخل كامل التراب الهندي إلا بعد حصول البلاد على استقلالها.[20]

لقد انتقل مفهوم الزمن في عصر الحداثة من المدة والفترة إلى اللحظة، فالعقارب التي تشير إلى الدقيقة والثانية تشعر من يشاهدهما بقيمة اللحظة، وتعطي معنى علميا للحاضر، في مقابل الماضي الذي يمثله كل ما يتركه عقرب الثواني خلفه، ومفهوم المستقبل المتجسد في ذلك الأفق الذي تمضي نحوه عقارب الساعة باستمرار، فلم يعد الحاضر هو اليوم الذي يعيشه المرء، أو الجزء من اليوم أو الساعة، بل أصبح التأخر عن الموعد لمدة دقيقة كاملة بمثابة الخطأ الجسيم، وأصبح كل شيء مرتبطا باللحظة.[21]

لقد كان ظهور الساعات الشخصية، وعلى الخصوص ساعة الجيب ثم ساعة اليد، قبل ظهور الساعات الإلكترونية وانتشارها على نطاق واسع خلال القرن الـ19؛ أحد مظاهر الحداثة كما تعرّفها النظريات الفلسفية والفكرية، وجانبا من الجوانب التقنية التي كانت تجسد هذا المفهوم، أي الحداثة، لدرجة أن “بيير شوني” صاحب كتاب “حضارة أوروبا”، كان يعرّف الإنسان الحديث بكونه ذلك الذي ينظر إلى الساعة باستمرار.

فترة الإغلاق الشامل الذي فرضه الفيروس التاجي على الإنسانية، شكّل فرصة لاستعادة تاريخ ودلالات هذا الاختراع الذي غيّر علاقة الإنسان بالزمن ووعيه به، ورصدا لوضعية الساعات في عصر الهواتف الذكية وانعدام الحاجة إلى جهاز خاص بالدلالة على الزمن، وكيف تقاوم وتدافع عن مكانتها، حيث تستمر الساعات باهظة الثمن في الحفاظ على قيمتها، من باب الرمزية والزينة على الأقل.


المصادر

[1] https://cardial.sa/تعرف-على-تاريخ-الساعات-عبر-العصور/

[2] https://cardial.sa/تعرف-على-تاريخ-الساعات-عبر-العصور/

[3] https://www.aljazeera.net/turath/2019/10/29/الزمن-عند-المسلمين-اعتمدوا-خط-غرينتش
[4] https://www.aljazeera.net/turath/2019/10/29/الزمن-عند-المسلمين-اعتمدوا-خط-غرينتش
[5] https://www.aljazeera.net/turath/2019/10/29/الزمن-عند-المسلمين-اعتمدوا-خط-غرينتش
[6] https://cardial.sa/تعرف-على-تاريخ-الساعات-عبر-العصور/

[7] https://cardial.sa/تعرف-على-تاريخ-الساعات-عبر-العصور/

[8] /تقارير/تاريخ-الساعات-سباق-علمي-لحساب-الوقت-من/

[9] https://www.arabicwatch.net/2020/05/history-of-watchmaking.html

[10] https://cardial.sa/تعرف-على-تاريخ-الساعات-عبر-العصور/

[11] /تقارير/تاريخ-الساعات-سباق-علمي-لحساب-الوقت-من/

[12] https://cardial.sa/تعرف-على-تاريخ-الساعات-عبر-العصور/
[13] https://historyofyesterday.com/how-the-clock-came-to-rule-modern-life-837fba795920
[14] https://historyofyesterday.com/how-the-clock-came-to-rule-modern-life-837fba795920
[15] https://thmanyah.com/341/

[16] https://montre-de-poche-gousset.com/blogs/la-montre-de-poche-a-gousset-conseils-astuces/lhistoire-de-la-montre-de-poche-a-gousset
[17] https://thmanyah.com/341/

[18] https://www.watchmaster.com/fr/magazine/histoires/lhistoire-de-la-montre-200-ans-de-develo
[19] https://cardial.sa/تعرف-على-تاريخ-الساعات-عبر-العصور/

[20] https://www.theatlantic.com/technology/archive/2015/12/the-creation-of-modern-time/421419/
[21] Chesneaux Jean. Le temps de la modernité. In: L’Homme et la société, N. 90, 1988. Le temps et la mémoire aujourd’hui. pp. 92-104


المصدر

يونس مسكين

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات