سرديات

منى العنزي وسردنة العتبات

تجزئة القراءة النقدية تنطوي على وعي مغامر، وعلى توسيع مديات النقد ليكون الجانب النظري فيها فاعلا، وباتجاهٍ يتقصد الكشف عن علاقة هذا الجانب بالأفكار والمقاربات، وحتى بالمخفي النسقي في النصوص المقروءة، وبما أن الرواية هي المجال السردي الأكثر سعة وحيوية، فإن اختيار جزءٍ من بنيتها للقراءة، يعني إخضاع هذا الجزء إلى تشريح نقدي، يحمل معه استحقاقاته كمجال قرائي، وإحالاته كمجال سيميائي.


العتبات النصية، أو النصوص الموازية كما ذهب إلى توصيفها جيرار جينيت، تحولت إلى بنية خطابية، لأنها دخلت في استعمالات بصرية ودلالية ومعرفية، أو ربما لاستدعاء رؤية معينة، قصدية أو غير واعية، للكشف عن ما هو جمالي، وتمثيلي، وصولا إلى مقاربة المخفي في التاريخ، أو في عوالم شخصياته، أو لاستفزاز القارئ، وأحسب أن هذا التوصيف النقدي والسيميائي بات عنصرا مهما في سياقات التوظيف المعرفي للقراءة.

وبقدر ما يفترض الناقد وجودا حقيقيا للنص الموازي، فإنه يعمد إلى جعله مادة للتجريب، وللاستقراء، وربما لمنح القارئ مفاتيح كاشفة للمتن الروائي، ولما تُثيره العتبات من إحالات، قد تتوخى التأويل، أو معالجة الانتظام العلاماتي لها، في سياق تأمين قراءة إسنادية، أو كاشفة، أو تأطيرها كنوع من السينوغرافيا السردية..

كتاب «العتبات النصية في روايات محمد حسن علوان» للناقدة السعودية منى خلف العنزي، الصادر حديثاً عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت/ 2021، يضعنا أمام هذه المقاربات، على مستوى معالجتها النقدية «المابعد حداثية» أو على مستوى التعرّف على طبيعة سياقها السيميائي، إذ تُحيل روايات محمد حسن علوان إلى عوالم، فيها من المخفي أكثر من المعلن، وفيها من الغمر السيميائي ما يستدعي وظيفة «القارئ العمدة» كما يسميه ريفاتير.


في تقديم الكتاب أراد محمد الشهري أن يؤشر إلى أهمية وفاعلية الدرس السيميائي لمفهوم العتبات، وأن يسوّغ قدرة الكاتبة على حيازة ذلك من خلال معالجتها السيميائية، ومن خلال توظيف ذلك في تأطير آليات القراءة والفهم، عبر ما هو تمثيلي، وما هو منهجي، وهذا التلازم هو ما أعطى لهذه الدراسة تميزها، بوصفها دراسة تتجاوز النمط، إلى مقاربة العتبات بوصفها أدوات ووسائط لتغذية فعل القراءة، وللكشف عن علاقة تلك الوسائط بسلسلة من الدوال النفسية والتاريخية والتشكيلية في المتون الروائية.

إن الاهتمام بالعتبات يعني العناية بصناعة أدوات موازية للتعريف، وللتوصيف، ولإغواء القارئ في البحث عن ما في الأعماق، ليس بوصف استنفار تقانة التلقي، بل بالكشف عن حيوية النص، وعلاقة ذلك بتجربة الروائي، وبالمجال الثقافي الذي يتحرك فيه، ونقصد هنا المجالين السردي والنقدي في السعودية، إذ باتت كتابة الرواية من العلامات الفارقة في المشهد الثقافي السعودي.

في مقدمتها أرادت العنزي أن تضع مقاربتها للعتبات في سياق تفعيل المجال القرائي، وأن تجعل من رؤيتها مجسّا للكشف، وللتحفيز على الحفر في أعماق النصوص المقروءة، وبما يجعل نقد العتبات وكأنه تمرين في لعبة الكشف، أو هو التجريب الفعال، بقصد تجديد أدوات الناقد، وتحويل نصه إلى نصٍ مواز كالعتبات.

روايات «سقف الكفاية» «صوفيا» «طوق الطهارة» «القندس» و«موت صغير» هي المساحة السردية التي تحركت فيها العنزي، اختيارا، وتجريبا، وتطبيقا، إذ جعلت من درس العتبات، محاولة للإضاءة، ولاستغوار السيميائي، بوصفه إجراء إحاليا، مثلما هو مجال للتعاطي مع قضايا إشكالية أراد الروائي سردنتها، والعبور من خلالها إلى مقاربة عوالم تخصّ التاريخ، والشخصيات والأمكنة، والهويات المأزومة، وهو ما اعتمده الروائي، عبر معالجات وظف فيها مقاربة «المخيال السردي» وكشوف الرحلات، ولواعج الحب وتشظي الأمكنة.


  • السيمياء ومنهجة المجال

في سياق اشتغالها النظري، وفيه جنبة استعراضية، أرادت الكاتبة أن توضح آليات عملها من خلال «جهازها المفهومي والاصطلاحي» ومدى جدّتها في فهم «المنهج السيميائي» وفي توظيفه، عبر مقاربة العلامات التي تستقرأ التاريخ، والسياسة، والواقع واليومي، وطبيعة تمثلها في النص السردي، إذ يبدو هذا النص تمثيلا متعاليا، أو ماكرا، أو رمزيا لما هو خفي في التاريخ، لاسيما وأن الكاتبة عمدت عبر الاهتمام بمفهوم التلقي، أو بنظريته «الياوسية» إلى افتراض ما يمكن أن يصنعه القارئ، على مستوى تأويله وإنتاجه معنى مغايرا، أو على مستوى البحث عن مرجعيات الروائي الذي يختبئ خلف نصوصه.

ورغم الطابع الأكاديمي الذي حاولت أن تتكئ عليه الكاتبة في تأطير الجانب النظري، فإنها منحت قارئها مدخلا حيويا، نظريا ولغويا/ اصطلاحيا للتعرّف على أهمية درس القراءة والتلقي، في مقاربة العتبات كمفهوم سردي، وكنصوص موازية أو مجاورة، أو في البحث عن المعنى عبر الحمولات السيميائية، وهي قضايا إشكالية تتطلب اقترابا نقديا وعلميا، يتوظف فيه المنهج كخيار للتأصيل القرائي، وللمراجعة، مع إجراءته في التطبيق الحيوي، على المستوى المفهومي، والتحليلي.

وعلى مستوى الكشف عن حمولات العمل الأدبي ذاته، بوصفه ايضا «تاريخا مجاورا، أو موازيا» أو أنه يترسم المجال التمثيلي لـ«الهوية السردية» كمقابل للحفر في عوالم الهوية التاريخية..

التوظيف النظري في سياق المقاربة النقدية لا ينفصل عن التوظيف الإجرائي، إذ تعمد الكاتبة إلى إخضاع ثنائية العتبات الخارجية والداخلية إلى مشغلها النقدي السيميائي، في الفصلين الثاني والثالث، وعلى نحوٍ أسبغ على الكتاب ثقلا نوعيا، لاسيما في الصرامة المنهجية، وفي تضبيط العلاقة ما بين التأطير المنهجي، والدرس التطبيقي، لكي تنأى بنفسها عن الإنشائية، وعن التهويمات التي كثيرا ما يقع فيها بعض النقاد، حين يضعف المنهج، وتحضر اللغة بوصفها بلاغة تعويضية، خادعة وإشباعية..


يبدأ مجال القراءة من معاينة ما هو خارجي، بقصد التعريف به أولا، أو اجتراح سياق قرائي له ثانيا، فالغلاف الرئيس، العنوان، الغرافيك، اسم الكاتب، جنس الكتاب، الغلاف الخلفي، استخدامات الخطوط والألوان، مثل شيفرات تقترح قراءة افتراضية موازية، قد تكون محط سجال، وقد تكون مجالا لتوسيع فعل القراءة، عبر اصطناع علاقات، أو استيهامات ما بين هذه النصوص المجاورة، في تقانتها البصرية، واللغوية، وفي تشكيلها الكرافيكي.

والمحتوى الذي يحمل في طياته «سيمياء» أكثر تشفيرا، وأكثر إيحاء، يمكن أن يساعد على تنشيط القراءة الفاعلة، واستدراك ما يمكن أن تستدعيه تلك القراءة، عبر البحث عن الدلالة، والمعنى الغائب، والإحالة إلى النسقيات المهمشة والمهملة، عبر تنشيط فاعلية المتخيل التاريخي، وتأطير البيئة الصراعية، وعبر تعرّف على أحداث وشخصيات تحمل معها كثيرا من الغموض والالتباس…

قد تكون العتبات الداخلية أكثر تمثيلا للذات الكاتبة، التي تتطلب جهدا لمعرفة التواشج ما بينها كعلامات، والمتن الرئيس، إذ هي تلعب دور الإحالي والكشّاف، بدءا من الإهداء، والاستهلال، والعنوان الداخلي وانتهاء بالهوامش، وبهذا تصطنع تمثيلا خطابيا مقترحا للقراءة، ولاجتراح سياق تكون فيه العتبات فاعلا بصريا، وعلاماتيا، يكشف عن حمولاته النفسية، وعن مقاربة المحتوى وحمولاته التاريخية والرمزية..

وفي خاتمة كتابها أرادت الكاتبة أن تفترض أن هناك وحدة موضوعية تحكم كتابها، من خلال تصريحها بوجود علاقة ما بين العتبات الخارجية وارادة الكتاب/ عتباته الداخلية، من خلال تمثيل نصوصه الروائية، ومن خلال علاقة الأغلفة والألوان والوحدات الغرافيكية، بخاصية المزاج الشخصي للمؤلف، إذ يتحول هذا المزاج إلى دافع نفسي يتبدى عبر اختيارات معينة، في الإهداء، وفي المحتوى السردي، مثلما أن عتباته الداخلية/ أرادت أن تجعله أكثر اهتماما بالاستهلالات كونها «منصات» إشهارية للذات المؤلمة، ولإغواء القارئ، واستدعائه إلى المجال الحيوي للنص..


كاتب عراقي.

علي حسن الفواز

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات