سرديات

الرواية والأسلوب

 

      إن الحديث عن الرواية هو حديث بالأساس عن أحد الأجناس الأدبية التي تحظى بمكانة بارزة في العصر الحديث، فهي جنس أدبي متطور ومتغير ولا يثبت على قالب محدد، وعليه كان اهتمام النقاد والباحثين بهذا الجنس منذ نشأته وبدايته الأولى إلى اليوم، ولعل هذا الاهتمام يرجع إلى كون الرواية أيضا من ” أكثر الفنون قدرة على استيعاب وإدماج وسائل الأداء الإبداعية المنتمية إلى فنون أخرى، فهي تستخدم جميع الإمكانات المتاحة لدى الشاعر (استعارة،  كناية، رمز، أسطورة) ولدى المسرحي( حوار، صراع درامي، تصوير المشاهد) ولدى الرسام : (هندسة المواقع) وما يتبعها من تشكيل للحيز المكاني، كما أنها إلى جانب ذلك تعتمد على العلاقات المنطقية والرياضية إلى جانب استفادتها المباشرة في التاريخ، والفولكلور، والسينما والخطب، والحديث اليومي العادي”، وعليه تشكل الرواية مزيجا من العديد من الفنون الإبداعية الأخرى، والتي تستطيع الرواية إدخالها في بنيتها الفنية، فيبني الروائي نصه الخاص به والمختلف عن نصوص روائية أخرى، ومن ثمة فإن الرواية تطرح العديد من الإشكاليات التي اشتغل عليها البحث ولا يزال، وذلك من قبيل كيف نشأت الرواية؟ وكيف تبنى الرواية؟ وما محددات الرواية من مكان لأخر؟ وما هي مرجعيات ومنطلقات النص الروائي؟ وكيف يتجلى الأسلوب في الرواية ؟ إلى غير ذلك من الإشكاليات المتعددة التي سيطرت على الساحة النقدية بشكل كبير، وسأحاول في هذا المقال تناول إشكالية الرواية في علاقتها مع الأسلوب، فكيف إذن يتمظهر الأسلوب في الرواية؟ وما هي الرواية؟ وما هو الأسلوب؟ وما هي العلاقة بينهما؟

  • المفاهيم:

   إن أبرز ما يواجه الباحث في معالجة وتناول أي إشكالية هو تحديد المفاهيم وشرحها، لأنها المفتاح الأول لفهم أي إشكالية كيفما كان نوعها، ولعل هذا الأمر ما سأذهب إليه في معالجة إشكالية الرواية والأسلوب، إذ لابد من تعريف كل مفهوم على حدة حتى تتضح الإشكالية أكثر.

  • مفهوم الرواية:

   مما لا شك فيه أن الرواية جنس أدبي حديث الظهور، فهي على المستوى الزمني لم تكن معروفة منذ القدم كالملحمة أو غيرها، وإنما تطورت وازدهرت بشكل كبير في العصر الحديث، وهي منذ نشأتها وهي في تغير دائم، وهذا ما ساهم طبعا في صعوبة إعطائها تعريفا شاملا،” فالرواية جنس مختلط فهي تجمع محكي السارد وحوار الشخصيات التي تتكلم كل واحدة منها لغة مناسبة لوضعها الاجتماعي ولمزاجها”  وهي كذلك كما يعرفها باختين “التنوع الاجتماعي للغات وأحيانا اللغات والأصوات الفردية، تنوعا أدبيا منظما”، وعلى هذا الأساس يبدو أن الرواية تمتلك طابعها الخاص الذي يميزها عن غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى، فهي متعددة الأشكال، منفتحة على أجناس أخرى، ويتخذ الروائي  من اللغة أداة للتعبير في الرواية.

   وبشكل عام فالرواية نص نثري تخيلي سردي واقعي غالبا يدور حول شخصيات متورطة في حدث مهم، وهي تمثيل للحياة والتجربة واكتساب المعرفة، ويشكل الحدث والوصف والاكتشاف عناصر مهمة في الرواية وهي تتفاعل وتنمو، وتحقق وظائفها من خلال شبكة تسمى الشخصية الروائية، ومنه فإن الرواية تصور الشخصيات ووظائفها داخل النص وعلاقتها فيما بينها وسعيها إلى غايتها ونجاحها أو إخفاقها في السعي.  

  • مفهوم الأسلوب:

    يعد مفهوم الأسلوب من بين المفاهيم التي تكتسي عدة دلالات باختلاف المجالات التي تتناولها، فالأسلوب يحضر في الكتابة وفي اللغة والموسيقى وغيرها من المجالات، ونظرا لأهمية هذا المفهوم، قامت على إثره دراسات معمقة ارتبطت بما يعرف بالأسلوبية، وقد كان لهذه الدراسات فائدتها الأساس في توضيح مفهوم الأسلوب وشرحه، وعلى سبيل المثال نذكر من بين الدراسات: “الأسلوبية” لبير جيرو، “والأسلوب” لأحمد الشايب، “والأسلوبية والأسلوب” لعبد السلام المسدي، “والأسلوبية وتحليل الخطاب” لمنذر عياشي، إلى غير ذلك من الكتب التي ألفت في هذا الموضوع، ويعرف الأسلوب على أنه “طريق في الكتابة لكاتب من الكتاب، وطريق في الكتابة لجنس من الأجناس، وطريق في الكتابة لعصر من العصور”

   ويعرفه بيير جيرو بقوله : “إن كلمة أسلوب إذا ردت إلى تعريفها الأصلي فإنها طريق للتعبير عن الفكر بواسطة اللغة”، ومنه يتبين أن الأسلوب عند جيرو يعني الطريقة والصياغة العامة التي يمكن أن تدل على الفكر، فيتبدى بواسطة التعبيرات التي لا تخرج عن اللغة، إضافة إلى هذا  فالأسلوب “حدث يمكن ملاحظته إنه لساني لأن اللغة أداة بيانه، وهو نفسي لأن الأثر غاية حدوثه، وهو اجتماعي لأن الأخر ضرورة وجوده”، أما أحمد الشايب فيعرفه بأنه “طريقة الكتابة أو طريق الإنشاء أو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير والضرب من النظم والطريقة فيه”.

  • علاقة الرواية بالأسلوب:

    يعد الأدب بصفة عامة من المواضيع التي تظهر فيها طرائق التعبير والصياغة المختلفة أحسن ظهور، فهوـ أي الأدب ـ  “بناء جمالي بالكلام، يبدعه الإنسان في القطاع العقلاني ويجسده بألفاظ اللغة المتصفة بصفات فنية إيحائية، في مفرداتها وتراكيبها ومضامنيها  المعنوية، هو الإنسان الفنان المبدع، القادر على التعبير عن جوهر كيانه، ببناء لغوي مؤثر جميل، شكلا ومحتوى”، ومن ثمة فالرواية بعدها من الأجناس الأدبية فهي التي تتجلى فيه اللغة أحسن تجلي، فانطلاقا من تعريف ميخائيل باختين الذي سبق ذكره يتبين أنها تضم تنوعا كبيرا للغات، ومنه كان ارتباط الرواية بالأسلوب الذي يعبر عنها، وكما تم التفصيل في تعريف الأسلوب، بكونه الطريقة التي يعمد الكاتب بواسطتها التعبير عن فكره، فالرواية كذلك من الأجناس التي تعبر عن الإنسان وفكره أحسن تعبير، وأيضا بتنويعات مختلفة، حيث إنه بالأسلوب يفرق بين أنواع الروايات فكل رواية تختلف عن أخرى في نوعها وشكلها التي تتجلى من خلاله، فمثلا أسلوب الروايات التاريخية ليس هو أسلوب الروايات الرومانسية وليس هو أسلوب الروايات الرمزية، إلى غير ذلك من الأساليب، ومن ثم فإن الأسلوب يرتبط بالرواية أشد ارتباط فمنه نحدد ميزة رواية عن رواية وكاتب عن كاتب وجنس عن أخر وهكذا.

  ومما وجب التنبيه له في هذا الصدد هو أن المقولة المشهورة  لبفون “الأسلوب هو الرجل”، هي مقولة صالحة لأجناس أخرى غير الرواية، فهي صادقة بالنسبة للشعر الغنائي على وجه الخصوص، لأن الكاتب هنا يصنع لغته الخاصة به ويعبر بها أيضا عن أحاسيسه وكينونته الخاصة، أما الرواية خصوصا الديالوجية فهي ملتقى أساليب متعددة كما سيتبين فيما يأتي، وعليه فإن الكاتب يقوم بدور المنظم ، لأنه يحاور بين اللغات لكي يعبر من خلال صورة اللغة وليس من خلال اللغة ذاتها عن تصوره الخاص

  • كيف يتمظهر الأسلوب في  الرواية؟:  

     لا أحد ينكر البتة أن الرواية من الأجناس التي لها القدرة على التفاعل  والتلاقح مع أجناس أدبية أخرى، فميزتها الأساس هي هذه المرونة التي تمتلكها، وعليه كان الإهتمام بأسلوب هاته الرواية من لدن مختلف الباحثين والنقاد، منذ نشوء الرواية،  ولعل أبرز باحث يمكن أن يذكر في هذا الباب هو ميخائيل باختين الذي يعد بحق أحد المنظرين المقتدرين في ميدان الرواية، إذ أكدت أبحاثه وكتاباته  ذلك، فحسبه فإنه  “في كل فترة  تاريخية من الحياة الإيديولوجية واللفظية، يمتلك كل جيل داخل فئة من فئات المجتمع لغته فضلا عن ذلك باختصار فإن كل عهد له لهجته ومعجم مفرداته  ونسقه في التميز الخاص وهي بدورها تتباين  حسب الطبقة الاجتماعية والمؤسسة المدرسية”، وهكذا فالرواية الديالوجية على وجه الخصوص تتميز بهذا التعدد الذي يعطي تنوعا للأساليب على لسان الشخصيات، “إذ وحدها هي التي يرجع الأسلوب إليها وهي دون غيرها التي تملك سره وسمفونيته”، و على هذا الأساس فإنه  “داخل الرواية يخضع التعدد اللساني لتشييد أدبي، والأصوات الإجتماعية والتاريخية التي تعمر اللغة وتعيطيها دلالاتها الملموسة المحددة، تنتظم داخل الرواية في نسق أسلوبي منسجم مترجمة الوضعية  الإيديولوجية  المميزة للكاتب، داخل التعدد اللغوي لعصره”.

    وبهذا يتبين من هذا القول أنه داخل الرواية تخضع اللغات المتعددة التي تنطق بها الشخصيات المتعددة بدورها إلى تنظيم محكم يبرز الصنعة الأسلوبية للروائي ، ومن ثم “فالروائي لا يتحدث في الغالب بأسلوبه الخاص بل يتقمص من خلال أبطاله عددا كبيرا من الأساليب وإذا هو تدخل بشكل مباشر فلا يكون أسلوبه إلا واحد من تلك الأنماط الأسلوبية المتعددة والمتشابكة”، ولهذا فإن الروائي لا يقول ما يريده بواسطة أسلوبه الفردي الخاص، ولكن بواسطة مزج كامل لأسلوبه بأسلوب الشخصيات. 

    بالإضافة إلى ميخائيل باختين هناك أيضا الناقد فيليب هامون والذي بدوره تحدث عن الأسلوب وتجليه داخل الرواية فقد أشار إلى  أن كل “ما يتعلق  بالحيل التي يستخدمها الكاتب أو الراوي الذي ينوب عنه لعرض الشخصيات وترتيب الزمن وتحديد زاوية النظر إلى كل شخصية والقطع الزمني وتوزيع الأدوار العاملية وسكونية أو تغير الصفات والأسماء والطباع السيكولوجية لدى الشخصيات، ثم ما يتبع ذلك من تسلسل منطقي للمتواليات وترصيعها وتبادلها، صور أساسية أسلوبية لتنويع الكتابة الروائية”.

  ومن النقاد الذين تطرقوا لإشكالية الرواية والأسلوب صلاح فضل، هذا الأخير الذي جمع بين رأيي باختين وهامون في تحديده لأسلوب الرواية، يقول في هذا الشأن:” أما أسلوب الرواية فنظرا لاتساع مساحته النصية واختلاف تقنياته التعبيرية فإنه يلتقط عبر البنى الكبرى المرتبطة بتعدد الأصوات وبأبنية الزمان والمكان وبالشكل الكلي للخطاب الروائي في جملته”، وعليه  وإضافة إلى تشييد أساليب الشخصيات في أسلوب  منسجم منظم كما أشار باختين، يمكن أن  تكون التقنيات التي يستخدمها كل روائي في كتابة نصه تمثل عناصر بارزة في تنويع الأسلوب من كاتب لآخر، وعلى سبيل المثال هناك من الروائيين من يكثر من الاسترجعات الزمنية وهناك من يكثر من الإستباقات، وهكذا في جل التقنيات الأخرى التي تزخر بها الرواية  من الدقة في اختيار الشخصيات، واختيار الأمكنة والرؤى السرية إلى غير ذلك.

  •   خاتمة:

   هكذا إذن نخلص إلى أن الرواية تعد بحق من الأجناس التي تحتفى بالأسلوب أيما احتفاء، فالأسلوب بكونه يهتم بما هو لغوي في الدرجة الأولى، جعله لا يفترق عن الرواية بنوعيها المنولوجية والديالوجية على حد سواء، فكلاهما بناء لغوي مثير يعمد بكل ما يملك من أدوات لشد انتباه القارئ وجعله يتابع الرواية حدثا حدثا، بله، يصبح مشاركا في الأحداث وشاهدا عنها، وهذا إن دل على شيء فإنما على الصنعة الأسلوبية التي يمتلكها الروائي، مما يمنح لعمله التميز والتفرد بفعل هذا البناء الذي شيده واستطاع أن يبلوره بأسلوب جميل، مازجا بين أساليب الشخصيات المتعددة في الرواية، فيحقق التوازن بين هاته الأساليب، ومن ثم كما تمت الإشارة يؤسلبها في قالب واحد، جاعلا منها تشيدا منسجما  منظما، كما أن هذه الصنعة تكمن في مدى استخدام التقنيات الكثيرة التي تتيحها الكتابة الروائية.    


لائحة المراجع:

  • أحمد الشايب، الأسلوب دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثامنة 1411ه/1991م.
  • إدريس قصوري، أسلوبية الرواية، مقاربة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، كلية الآدب  والعلوم الإنسانية بنيمسك، الطبعة الأولى 2001.
  • برنار فاليط، النص الروائي تقنيات ومناهج، ترجمة رشيد بنحدو المشروع القومي للترجمة 1992.
  • بييرجيرو، الأسلوبية، ترجمة منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، الطبعة الثانية 1994.
  • حميد لحميداني، أسلوبية الرواية مدخل نظري، مطبعة النجاح الجديدة، 1989.
  • لطيف زيتوني، معجم مصطلحات نقد الرواية، مكتبة لبنان ناشرون، دار النهار للنشر، الطبعة الأولى 2002
  • منذر عياشي، الأسلوبية وتحليل الخطاب، مركز الإنماء الحضاري، الطبعة الأولى 2002.
  • ميخائيل باختين، الخطاب الروائي،ترجمة محمد برادة، دار الفكر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى1987.
  • ميشال عاصي، الفن والأدب، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1970. 

 


محمد دباغي: أستاذ اللغة العربية، حاصل على الماجستير في “مقاربات النص الأدبي وفنونه” – الجامعة: عبد المالك السعدي – المغرب.

 

محمد دباغي

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات