سرديات

عبد الفتاح كيليطو – صورة المثقف كحَمّال

سأتطرق في هذا النص لبعض مظاهر المثنى عند إدوارد سعيد، وخصوصاً على الصعيد اللساني. وكما لا يخفى، فعنوان النص هنا مستوحى من رواية جيمس جويس المشهورة، صورة الفنان كشاب. وما حداني إلى اقتباسه أنّ إدوارد سعيد كثيراً ما يستشهد بالكاتب الأيرلندي الذي تجمعه وإياه وشائج متعددة، من بينها روح المعارضة والمشاكسة التي يتصفان بها، وأيضاً لكونهما اختارا حياة المنفى والاغتراب.


ارتسمتْ صورةُ المثقف كحمّال في ذهني وأنا أقرأ سعيد، وعلى الأخص مذكراته، خارج المكان. فإذا بنماذج حمّالين ترد على بالي، حمالين أسطوريين، وفي مقدمتهم العملاق أطلس (اسم يعني الحمّال باليونانية) الذي حُكِم عليه بحمل الأرض، ومن بينهم وبمعنى ما سيزيف وصخرته العنيدة، وكذلك إيني، بطل «الإنيادة» لفيرجيل، الذي فرّ من طروادة وهي تحترق حاملاً أباه على ظهره.

بالإضافة إلى هؤلاء، ثمة حمّالون يبدون لأول وهلة أقلّ أسطورية وأقل تألقاً، وأخص بالذكر السندباد الحمّال، صاحب السندباد البحري، ويُسمى الحمّال؛ لأن شغله حمل «أسباب الناس»، أي أثقال الناس، على رأسه، كما نقرأ في الحكاية الذائعة الصيت التي تتحدث في العمق عن مثنى، عن سندبادين اثنين، البري والبحري (يحكي السندباد البحري أسفاره السبعة للبري، ثم يكافَأ على إصغائه بسخاء، لأنه صار يحمل قصته).


مقارنة مع هؤلاء، ماذا يحمل إدوارد سعيد؟ تحت أي ثقل يرزَح؟

  • حمّال حقائب سفر

لنبدأ بما قد يبدو تافهاً أو ثانوياً. لنبدأ بمشهد زيارته وهو تلميذ في مدرسة ماونت هيرمون في الولايات المتحدة، لأسرة عمّه في نيويورك، من أجل قضاء عطلة عيد الميلاد. وصل عند مضيفيه حاملاً حقائبه الضخمة، وإذا بالبيت يكتظ بها فلا يتحركون فيه إلا بصعوبة كبيرة. يعلق سعيد على ذلك: «كان بإمكاني تركُها في المدرسة، ولكني كنت أرفض رفضاً قاطعاً لأسباب عُصابية، أن أذهب إلى أي مكان دون أن أصطحب معي جميع ممتلكاتي».

ويلحّ على عادته تلك في موضع آخر: «عندما أسافر أصطحِب معي دائماً كمية لا حاجة لي بها من الأمتعة، وحتى لو كانت رحلتي لا تتعدى وسط المدينة». حقائب ضخمة ثقيلة يصطحبها معه خلال تنقلاته وتجوالاته، فإذا به والحالة هذه يمشي منحنياً مقوّس الظهر مُعوجَّه.

من قرأ مذكرات سعيد، يعلم أن أحد هواجسه المُلِحّة (أو عِللِه كما يسميها)، مرتبط بخشيته أن يصير أحدب؛ فهو يخصص عدة صفحات من «خارج المكان» لوصف جهوده المضنية «لتقويم اعوجاج ظهر [ه]»، على حد قوله. وارتباطاً مع هذا الهاجس تبرُز صورة الأب بقوة: «سنوات بذلها أبي من المحاولات لجعلي أقف مستقيمَ القامة، «الكتفان إلى الخلْف»، كان يقول».

يقولها بالإنكليزية، فتضيف أمه بالعربية: «لا تسْترْخ». ومراعاة لرهافة شعوره ودرءاً للحرج، يكتفي الأب أمام الناس بكلمة واحدة: «ظهر». وحين يستبد الحنين بالتلميذ إلى أهله وهو في الولايات المتحدة، يسحب حقيبة ضخمة من تحت السرير (لا يمكن أن تكون حقائب سعيد إلا ضخمة)، ويقلّب في ألبومات الصور والرسائل فيجهش بالبكاء، لكنه سرعان ما يتذكر قول والده: «استقم! شُدّ ظهرَك إلى خلف، ظهرك، ظهرك».

بغض النظر عن الجانب الفيزيولوجي، يوحي كلام الأب بمعانٍ أخرى لتقويم الظهر: الاستواء، الاستقامة المعنوية، المشي مرفوع الجبين، التغلب على نزعة الانكماش واللامبالاة، الجرأة على المجابهة والصمود، صفات أساسية للمثقف الحق كما سطّرها سعيد في المثقف والسلطة.

الاستواء، بهذا المعنى، من الصفات التي يجب على المثقف أن يراعيها. وفقاً للقاموس «المنجد»، يوصف المرء بالسوي عندما يكون «مستوى الخَلْق لا عيب فيه ولا داء». لكن هل المثقف شخص سوي؟ أينبغي أن يتصرف استناداً إلى صورة نمطية يلصقها الناس به أو يطالبونه بالتشبه بها وإعادة رسمها؟ أهذه سِمَته؟ لم يكن سعيد شخصاً سوياً من هذا النمط، ولقد تبين له اختلافه منذ صغره: «كان ينقصني شيء ما.


شيء اكتشفت في ما بعد أنه يسمى «الموقف السّوي»». خلال دراسته في الولايات المتحدة، ظهر له هذا النقص مقارنة مع طلاب آخرين يصفهم بدقة بليغة ساخرة: «لا زوايا ناتئة في شخصياتهم، ولا يسيئون إلى أحد، والجميع يحبهم. وهم يتحلّون بقدرة مدهشة على تحاشي إطلاق الكلام الخطإ أو المسيء. باختصار، كان انطباعي عنهم أنهم متكيِّفون كلّياً مع بيئتهم، وذلك ما يجعلهم الخيار الطبيعي لتلقّي المهمات الفخرية والجوائز التقديرية».

كان ذلك يحُزّ في نفسه أحياناً، لكنه وطّن نفسه على تحمل اختلافه، مقابلاً مفهوم «الموقف السوي» بمفهوم «خارج المكان»: «والآن لم يعد يهمّني أن أكون سويّاً، وفي مكاني». ويختم مذكراته بكلمات موحية يُمكن اعتبارُها خلاصة لموقفه ونظرته لنفسه: «تعلمتُ […] أن أُوثِرَ ألا أكون سوياً تماماً وأن أظل في غير مكاني».


  • العودة وعدم العودة

ما هي الأسباب الغامضة، العُصابية كما يسميها، التي تجعله يتنقل حاملاً لحقائبه، لـ«أسبابه»؟ يجيب: «في تحليلي لذلك، استنتجت أني مدفوع بخوف سرّي لا فكاك منه، هو خوفي من عدم العودة». الخوف من اللاعودة، والرغبة في أن يظل ينعم إن تعذر الرجوع بأغراضه كلها فتكون في متناوله في مأواه الجديد، وألا يفقدها إضافة إلى فقدانه للمكان، لما يعتبره مكانه.

تُعَدّ مسألة العودة، بكل دلالاتها، وارتباطها بالنفي على الخصوص، لازمة عند سعيد. لنلتفت، بادئ ذي بدء، إلى ما قالته أمه لأبيه، بينما هو في طريقه لأول مرة إلى أميركا: «أنت تعلم أنه لن يعود». أخطأت طبعاً في التقدير، لأنه «سيعود»، بيد أنه من وجهة نظر أخرى «لن يعود».

العودة مستحيلة، إنها في الواقع لا عودة. فالمكان الذي كنت تحسبه مكانك يرفضك وينبذك حين تعود إليه، ما يثير لديك شعوراً بغرابة مقلقة (Unheimlichkeit). وبناءً على هذا، صدقت نَبوءة الأم. يعود سعيد إلى بيته القديم في القاهرة، فلا يتعرف إليه الفراش. يزور مع أطفاله، بدافع من حنين جارف، المدرسة التي تعلم فيها، فلا ترحب به المديرة الجديدة، بل ترفض مصافحة يده وتطلب منه مكفهرة أن ينسحب فوراً.

عاد أوديسوس إلى جزيرة إيثاكا بعد عشرين سنة من الغياب، فلم يتعرف إليها، ولم يتعرف إليه أحد فيها، لا ابنه، ولا أبوه، ولا زوجته ولا خدامه. وحده كلبه العجوز تعرف إليه، ثم مات لحينه.

«خوفي من عدم العودة»، يقول سعيد… خوف تفاقم لديه أثناء فترة مرضه («الذي [عَرَف] منذ البداية أنْ لا شفاء منه»). كان يعلم أنه مقبل على سفر من دون أمل في العودة. وبعد شهرين من بدئه العلاج، بدأ العمل على «خارج المكان»، كتاب عنوانه الفرعي «مذكّرات».

الخوف من اللاعودة حداه إلى الرجوع إلى نشأته، إلى تكوينه وبداية حياته. كان المصريون القدماء يحرصون على أن يكونوا مرفوقين بعد موتهم بحوائجهم حتى لا يعوزهم شيء في العالم الآخر. يحملون معهم أغراضهم، بيد أن البعض يصرون على الرحيل إلى العالم الآخر مع كتبهم. ذلك ما حصل لابن رشد عندما نُقل جثمانه محمولاً على ظهر دابّة من مراكش إلى قرطبة، كما شاهده ورواه ابن عربي في الفتوحات المكية:

«ولما جُعِل التابوتُ الذي فيه جسَدُه [ابن رشد] جُعِلت تواليفه تُعادِله من الجانب الآخر. وأنا واقف ومعي […] ابن جُبير، وصاحبي أبو الحكم […]، فالتفت أبو الحكم إلينا وقال: ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه؟ هذا الإمام، وهذه أعماله!».

عاد ابن رشد إلى مسقط رأسه، قرطبة، لكن رحلته تبدو وكأنها سفر إلى العالم الآخر. رحل ابن رشد مُحمَّلاً بكتبه؛ سعيد بدوره أصرّ على اصطحاب كتبه، وربما كتاب بعينه، ولعلة ما سمّاه «خارج المكان»، يشتمل على ذكرياته ويقيه من النسيان، كتاب بديل عنه. إنها رغبة في البقاء على قيد الحياة، في الاستمرار في الحياة، في حياة بعد الحياة، في عودة إلى الحياة. «رغبة تافهة في البقاء (le dur désir de durer)»، كما يقول الشاعر إلويار.


جرَّب سعيد (بمعنى تدرّب على، كما يفعل الممثلون) الرحلة إلى العالم الآخر حين انتقل إلى الولايات المتحدة من أجل الدراسة. وعن هجرته إلى العالم الجديد وما بذله من جهد للتكيف مع أجوائه، يقول: «لست أملك إلا فكرة غامضة جداً عمّا كانت ستؤول إليه حياتي لو أني لم أجئ إلى أميركا. ولكن الذي أعرفه أني بدأت فيها بداية جديدة، متناسياً، إلى حد ما، ما تعلمته من قبل، لأعيد تعلم الأشياء ابتداءً من الصفر».

بداية جديدة في العالم الجديد. ضرب صفحاً عن الماضي، واستأنف الحياة انطلاقاً من الصفر، وتحول، أو هكذا اعتقد، إلى شخص آخر لا يكاد يمتّ بصلة إلى ما كان عليه من قبل، في هندامه ولباسه وتصرفاته. كان ملزماً بقفل درج ليفتح آخر.

في منفاه الأميركي كان عليه تصحيح رؤيته وتقويم نظرته للأشياء وكأنه يبصرها لأول مرة. يقتضي التكيف مع الحياة الجديدة نسيان الحياة القديمة، أو على الأصح تناسيها. إن ما يتعين هو التظاهر بالنسيان؛ ذلك أن النسيان يستحيل، كما تستحيل العودة، بل لعل التناسي ذاكرة مضاعفة، ذاكرة زائدة ومفرطة.

ما يفتقده المرء كثيراً في غربته، من بين أشياء أخرى، هو اللغة. يفتقد إدوارد سعيد اللغة العربية. لا أحد حوله يتكلمها: «كان يساورني شعور دائم بأن ما أفتقده في صحبة مجايلي الأميركيين هو استخدامُ لغات أخرى، والعربية خصوصاً، تلك اللغة التي أعيش وأفكر وأحس فيها، جنباً إلى جنب مع الإنكليزية».

بعيداً عن الشرق، يساوره الحنين إلى الأم، ولغة الأم، إلى العربية. لا أحد حوله في منفاه يتحدث بها، فهي «الغائبة عن كل باقة زهر»، إذا جاز أن نستعير في هذا المضمار عبارة للشاعر مالارمي جاءت في سياق آخر:

l’absente de tout bouquet. لا أحد يلاحظ أو يعاين عربية سعيد، عربيته ثاوية في ذهنه، يخفيها ويحجبها. وكأني به، وهو يتحسَّر على ذلك، يتلذذ في الوقت نفسه بوضعه. كأني به يحقق حلماً دفيناً، رغبة مكتومة في أن يبصر الناس من حوله دون أن يبصروه: «أصعب الصعاب عندي أن ينظر إليّ الناسُ وأن أقابِل نظراتهم بمثلها».

ولهذا يشعر براحة كبيرة في قاعات السينما حيث يكون متخفياً محتجباً: «استمتاعي المترف بحريتي المُكَرَّسَة في أن أرى الناس من دون أن يراني أحد». فكأني به يشتهي أن تكون له طاقية إخفاء، يضعها على رأسه متى يشاء. بين مجايليه الأميركيين الذين لا يميزون عربيته، كان يحظى نوعاً ما بقبعة سحرية تجعله يتوارى جزئياً، تخفي نصف شخصيته.

هل البداية من الصفر ممكنة؟ في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وهو كتاب يصف مشاهد من الآخرة، الحَشْر، الجنة، الجحيم، نقرأ حواراً طريفاً بين ابن القارح، الشخصية الرئيسة، وآدم، نستنتج منه أن آدم كان يتكلم العربية في الجنة، وأنه نسيها لما طُرِد، فأخذ يتكلم السّريانية. العربية في الجنة والسريانية خارج الجنة.

إذاً، التعدّد اللغوي كان سابقاً لِبُرج بابِل… ومع ذلك نتساءل: هل كان آدم مزدوجَ اللغة؟ ليس بالضبط، لأنه نسي العربية عندما شرع في تكلم السريانية، وينتج من ذلك أنه أحاديُ اللغة، حسب المكان الذي يوجد فيه: إما العربية وإما السريانية.

لم يكن لديه تشابك بين اللغتين، معرفة مزدوجة، وبالتالي لم يجرِّب ما يحدث عندما يلتقي لسانان، وما يواكب ذلك من شدّ وجذب، من تنازع وعداوة بين اللسانين. بعيداً عن الجنة نسي آدم العربية فنسي بالتالي كل ما يتعلق بحياته قبل النفي، لم يبق في ذاكرته أثر منها، فكأنه لم يعشها. هكذا غادر الجنة خاويَ الوفاض، لا يحمل شيئاً.


تابع قراءة الجزء الثاني من الدراسة في الصفحة الموالية . . . 

1 2 3الصفحة التالية

عبد الفتاح كيليطو

كاتب أكاديمي مغربي، حاصل على دكتوراه دولة من جامعة السوربون الجديدة عام 1982، يعملُ أستاذاً بكلية الآداب جامعة محمد الخامس، الرباط، منذ سنة 1968. تم ابتعاثه أستاذا زائرا لعدة جامعات أوروبية وأمريكية؛ من بينها: جامعة بوردو، والسوربون الجديدة، الكوليج دو فرانس، جامعة برينستون، جامعة هارفارد. كتب العديد من الكتب باللغتين العربية والفرنسية، وكتب ويكتُب في مجلات علمية محكَّمة. شكلت أعماله موضوع مقالات وتعليقات صحفية، وكتب، وأبحاث جامعية، بالعربية والفرنسية. نقلت بعض أعماله إلى لغات من بينها "الإنجليزية، والفرنسية، واللمانية، والإسبانية، والإيطالية".

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات