الهرمنيوطيقاسردياتسيميائيات

سيميائية العنونة للقصة لدى “سعيد تقي الدين”

    إنّ الأسلوب، كما عُرّف، هو طريقة استعمال اللغة استعمالًا فريداً مختصًّا بكاتب ما، من خلال اختيار مفرداته وصياغة عباراته وصوره؛ ذلك، لإحداث أثر ما في المتلقّي واستمالته، أو إقناعه. ما يعني أنّ للأسلوب بعدًا سوسيولوجيًّا .


خلف العنوان، والأسطر الأولى، والكلمات الأخيرة، وخلف بنية النص القصصي الداخلية ، ثمة منظومة من الإحالات المرجعية والجمالية. باعتبار  “الأسلوب قائماً في مجمل العلاقات، وفي التكافؤ والانسجام والتناسب بين الأبنية الكبرى والصغرى”.  بحسب رومان جاكوبسون R. Jakobson .


فما الذي يميّز أسلوب سعيد تقي الدين (1904-1960)؟  وما الذي يجعل الجمال فيه جميلاً  بدءًا بالعنوان- العتبة الأولى للنص القصصي؟

وفق نظرية ابن طباطبا، في كتابه “عيارالشعر”، فإنّ الطرب المتأتّي عن “الفهم” أشدّ إطرابًا من الغناء. وثمة من أولى العنوان أهمية بيّنة في مقاربة النصوص، منهم جينيت G.Genette الذي حددّ وظائف أربع أساسية للعنونة، هي: الإغراء، والإيحاء، والوصف، والتعيين.


ويضيف جميل الحمداوي إلى ما تقدّم وظيفة تناصّية. كما وصفه جاكوبسون بأنه عبارة عن “رسالة مسنّنة بشيفرة لغوية ذات وظيفة شاعرية أو جمالية قابلة للتفكيك والتأويل بلغة واصفة.” أو بأنّه مسند إليه والخطاب النصي بأفكاره مسند، كما يرى جون كوهن J. Cohen.

ليس بعيدًا عن هذه التصوّرات، نرى أن ّ سعيد تقي الدين يختار عناوينه مؤثرة ودالّة. ودلالة عناوينه أرادها أن تكون ليس من طريق الكشف والإيضاح، إنما عبر الاستنطاق والتأويل.  حيث يقول: “عنوان القصة يجب أن يكون، عدا عن جماله، لغزًا… وحذار أن يفضح عنوانك قصتك”. شرطان جدليان إذًا، في العنونة: الجمالية والغموض.

من هنا، تأتي أهمية فك الشفرات الجمالية والإيديولوجية  لعناوين المجموعات القصصيّة الأربع لديه: الثلج الأسود (1946)، موجة نار(1948)، غابة الكافور(1951)، وربيع الخريف( 1954).


أ‌-       الثلج الأسود:

البنية العميقة لهذا العنوان تكشف عن علاقة تناقض وتنافر بين الموصوف وصفته . وفي العرف الاجتماعي، بات الثلج –الأبيض- رمزًا للطهر والنقاء، لفعله التطهيري للطبيعة، وفي توليداته – بما يتركه في النفوس البشرية- من معاني السكينة والدِعة؛ وما يحيل إلى أفعال التضامن الاجتماعي حين يحلّ وأينما يحلّ. فتبرز المعاني الإيجابية لهذه اللفظة.

إنما باقترانها بالسواد، يقع اللبس واللامعقولية واللامنطق السببي. إلا أنّه يظهر التحوّل من الإيجاب إلى السلب، لأن السواد في جوهره مجموعة من اللاءات:اللالون، اللانور، اللارؤية البصرية. وهو علامة رمزية- عُرفية، تشير إلى الظلمة وانحجاب الرؤية، وانسداد الأمل، مع كل ما يولّده من مشاعر بالفزع والوحدة والانكفاء،

وما يُستخدَم لوصف الفساد والظلم… عليه، السواد ينفي البياض، ونفي “اجتماع الألوان الأساسية” في تشكيلها للأبيض ينتج عنه ” انعدام اللون” الذي هو الأسود. وهذا ما يعدل بنية النص القصصي الموسوم بالتحوّل القِيَمي على المستويين الاجتماعي والسياسي.

الثلج الأسود صيغة مجرّدة ومكثّفة، قلقة، وسوداويّة – بما توسم به من مدلولات للونين  المشفّرين اجتماعيّاً وسياسيّاً- في حركتها من البياض إلى السواد، من السكينة إلى السكون، من النقاء والطهر إلى الظلمة والمجهول.

عنوان يحمل في طيّاته هذه الدلالة للتحوّل في الوضعيات والمفاهيم في القصص، ويرسم خط النهايات المأساوية. وهذا التنافر يثير السخرية أيضاً، معنى ذلك أنه محمَّل برؤية نقدية لاذعة ترصد التحوّل وتهزأ به، ومحذّرة من مغبّة الانعزال وفعل العزل ورفض التعدّدية والاختلاف المفضي إلى العدم.


ب‌-     موجة نار:

مركّب إضافي نكرة، يضمّ عنصراً من عناصر الطبيعة، ومن مكوّنات الوجود بحسب الفلسفات القديمة، وهو النار؛ موسومة بلفظة تختصّ بعنصر طبيعي آخر هو عنصر الماء: “موجة”. وبحسب تعيينها المعجمي، هي ما ارتفع من الماء على سطحه وهاج واضطرب.  والنار برموزيتها تحمل مدلولات متناقضة. وهي لهيب وإشعال وتدمير، ومصدر نور وإشعاع ودفء.

كما توسَم العواطف الانسانية المتباينة بها عبر الانزياح. من حب ملتهب واندفاع وحميّة، وعنفوان وحماسة، وغضب. والموجة، بمعناها الضمني، هي “الصحوة” التي تهزّ الكيان وتثير حواسه، وتوقظه. هذه التعدّديّة في الاحتمالات، تضفي على العنوان جاذبيته وقوته التأثيريّة.

فهو عنوان انفعالي بامتياز، بوصفه “ملفوظة حالة” تحيل إلى الذات البشرية، وحَرَكي مندفع. يأتي تارةً، على كل شيء بطريقه، وطوراً ينير ما أظلم في خبايا النفس. عنوان مكثّف وكاشف في عموميّته وتنكيره وتجريده، يفترض حركة مرسومة من السلب إلى الإيجاب ابتغاء التغيير والتحوّل نحو الأفضل.


ج‌-      غابة الكافور:

يحمل هذا العنوان  دلالة التعيين في إشارة إلى مكان بعينه، إلى عنصر طبيعي خيّر هو الأشجار عندما تتكاثف مشكّلةً غابة. والكافور هو شجرة أريجيّة/ من فصيلة الغاريات،أوراقها دائمة، وأزهارها بيضاء ضاربة إلى الصفرة. يُستخرج من الكافور مادة عطريّة.

والغابة هي الطبيعة البِكر في مدلول أول، وربما تتدخّل يد الإنسان في تشكيلها عن طريق الزرع والغرس والعناية،  وهي أفعال إيجابية مُنتجة. فيتواءم العمل الإنساني مع الناموس الطبيعي، فلا تنافر بين الطبيعة والثقافة، إنما تلاؤم وانسجام. 

والغابة بمفهومها الإشاري، تحيل إلى علاقة احتواء واحتضان في بُعد أول، وعلاقة شعورية بالغموض والدهشة الأولى حيالها وإيحاء بالفطرة والعزلة في أبعاد أخرى. غابة الكافور عنوان ترميزي يغلب فيه العنصر الطبيعي والبكارة، والحنين إلى العودة إلى زمن الفطرة.

يشيع جواً عطراً مستَمَدّاً من رائحة الكافور المسكيّة. كما يوحي بالتكثير والإخصاب والانتشار في تعادل دلالي بنيوي- فونيمي، بتكثير المد في لفظتيه، فيضفي سحراً  بمؤثراته البصرية والشمّيّة والشعوريّة، من خلال تراسل الحواس في بنيته.


د-   ربيع الخريف:

يجمع هذا العنوان ظاهرتين زمنيّتين طبيعيّتين، تحيلان إلى دلالة تحويلية تأثيرية متناقضة. وفي الوقت عينه، ثمة تماثل بين الانقلاَبين اللذين يميّزان المناخ المعتدل. فالانقلاب الربيعي هو تحوّل من قسوة في الطقس إلى اعتدال فيه، كما الانقلاب الخريفي يؤثّر في تغيّر المناخ من التطرّف إلى الاعتدال. والربيع هو ولادة جديدة لعناصر الطبيعة، يحمل دلالة العودويّة وصخب الحياة والإخصاب، والأمل بترميز لحالة الإنسان، إذ يحاكي الطبيعة ومظاهرها في هذه المرحلة الزمنية.

والخريف، على النقيض من ذلك، يمثّل حالة الكهولة والاندثار والتناثر؛ ويرمز إلى نهاية المطاف من عمر الطبيعة ، كما بالنسبة إلى عمر الإنسان تمثيلاً. غير أن الفجاءة والغرابة تكمن في إضافة الربيع إلى الخريف. وهكذا تكون حركة هذه المرسَلة بين نقطتين معلومتين – بداية ونهاية – في خط تصاعدي متنامٍ.

فهذا المركّب المشفّر بأبعاده الزمنية والتماثليّة يحيل حكماً إلى حالة – وضع، فيحمل تالياً مدلول بداية النهاية، وهنا مكمن الجمال. ربيع الخريف عنوان الأمل والنهوض واليقظة، يتضمّن دلالات ثقافية/ موضوعية وشعورية/ ذاتية، يحجب بتكثيفه المعاني ويكشف برموزيته المعلومة.

هكذا، فإنّ العناوين الأربعة تتضمّن عناصر وظواهر طبيعيّة، ما يحيل إلى مذهب الرومنسية القائل بالعودة إلى الطبيعة ، بعد إعلان التمرّد الفردي والثورة على الواقع. إنما هذه النزعة الفردية تعبّر عن شعور إنساني ذاتي وعام في الوقت نفسه، أي أنها محمّلة برؤية شخص تخطّى فرديته في نزوعه الإنساني الثوري. كما أنها مزيج من ألوان متباينة وحائرة في تشكيلة من انزياحات هذا التآزر الحسّي، أو ما يُسمّى بتراسل الحواس يضفي حركة ودينامية على هذه “النصوص الموازية”-أي العناوين .

وهي، إذا جُمعت معاً بحسب تسلسل ظهورها الزمني، في تدرّجها الدلالي – من نقد ساخر لوضع ينحدر في تحوّله، إلى دلالة واصفة لحالة الصحوة والغضب، فإلى إحالة مكانية من الفطرة والإخصاب والاحتضان، ومن ثم إلى دلالة زمنية تحويليّة ناهضة-  تنمو في مشهد تصاعدي درامي لتروي حكاية.

حيث إن الوضع الأول في لحظة مفارقة، إيجابي؛ والوضع الأخير لدى التحوّل النهائي  إيجابي مع كل ما يمرّ به المشهد من نكوص وارتداد، فنقمة ومن ثم ثورة وانتفاضة براغماتية من أجل تصحيح الأوضاع. هذا التماهي المُحكَم بين دورة الطبيعة ومراحلها، وحياة البشرية وصعود الحضارات وانحدارها / العمران البشري، يبرز تكتيكاً أسلوبيّاً مؤثّراً لدى الكاتب ويظهره بنّاءاً بارعاً، بل لغويّاً يتنقّل بين لعبة الإخفاء ولعبة الكشف.

حمل سعيد تقي الدين السخرية شعارًا حِكَميًّا سرّبه إلى ما يكتب ويصوّر، وهو القائل:” إن السخرية حكمة لأنها تفلسف الحياة قوةً إذ هي تستخفّ بكل قوة… والحياة وقد أخصبت في نفسي تجاربها وأهوالها ومخاطرها، نعيمها وجحيمها، ما تركت في نفسي إلا الهزء بنفسي وبكل ما مرّ بي ومَن مرّ بي”.

  فتقاطع إذ ذاك، الفني والفكري في أدبه القصصي، فحفل بالجمالي، ولم يستطع الإيديولوجي إقصاء الشاعرية عنه. وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على قدرة الكاتب على بناء القضايا الشخصية والوجودية – العامة – بناءً أدبيًّا.

سمية عزام

سميّة عزّام- دكتوراه في اللغة العربيّة وآدابها- الجامعة اللبنانيّة كاتبة قصّة، وناقدة. تُعنى بالمقاربات السيميائيّة، والتّأويليّتين الوجوديّة والاجتماعيّة، والتفكيكيّة للنصوص، السّرديّة منها على وجه الخصوص. لها دراسات ومقالات في مجلّات ودوريّات عديدة، منها: كتابات معاصرة، والهلال، وفكر الثقافيّة، وأدب ونقد، وأخبار الأدب... لها إصدار في المقالة القصصيّة للناشئة، يحمل عنوان: "تراثنا إن حكى بين القرية والمدينة".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى