سرديات

جمالية التجريب القصصي واستفزاز القارئ في «تقارير تونسية مهربة»

تمثل مجموعة «تقارير مهربة» للقاص التونسي رضا بن صالح الصادرة عن دار ورقة للنشر في تونس في سنة 2018 وتقع في 96 صفحة من الحجم المتوسط عينة من هذه الكتابة القصصية العربية الجديدة التي تثير الكثير من الانتظار جماليا وموضوعيا، ولاسيما في مواجهة الطرافة النابعة من انفتاحها على جملة الفنون الأخرى لتضمها ضما إلى نسيجها وتعيد ربطها بالنسق الثقافي.


  • في العنونة المستفزة:

يلاحظ قارئ «تقارير تونسية مهربة» من البداية طابع الاستفزاز في عنوان المجموعة بوجه خاص، لأن الظروف التي صدرت فيها تميزت بتحولات كبيرة في تونس، ولاسيما منها التحولات السياسية والمناداة بمحاسبة الفاسدين.

ويشكل عنوان المجموعة للوهلة الأولى إحالة بارزة على الواقعي من خلال كلمة «تقارير» لولا التجنيس القصصي الذي يخفف من حدة هذه الإحالة ولا يُلغيها، ذلك أن الإحالة تظل في الواجهة، على الأقل، على مسار الإيحاء، كما يرتبط بها أفق الانتظار من حيث إمكانات توظيفها الجمالي.

وتشترك عناوين القصص في هيمنة الوظيفة الإشهارية عليها، فـ»رحلة إلى نيويورك» هو بالضبط العنوان الإشهاري في مطار من المطارات لرحلة جوية في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، أما بالنسبة إلى «الزعيم» و»سقوط دولة عزازيل» و»الحادثة» فهي عبارة عن شعارات مرفوعة تبصرها العين في الاحتجاجات الجماهيرية.

وتتأكد غلبة هذا الطابع الإشهاري في «قريبا في القاعات» و»قال الراوي» وهو ما يرسخ النسق التداولي الذي تنسجه العنونة، إذ تعمل على تثمير الإحالي بإضمارات كثيرة تشمل اليومية والرحلة والشعارات والإعلانات، وهي كلها خطابات من صميم التجربة الإنسانية الواقعية.


  • انفتاح الخطاب القصصي على الفنون:

يكشف المرور من العناوين إلى متون القصص سمة الانفتاح على التأويل، ويكون هذا عادة، من طريق الراوي المتواطئ مع الكاتب وتوظيف تقنية العرض المسرحي، إذ يقول في قصة «شخصيات في انتظار المؤلف»: «عمدت كل شخصية إلى تخيل دور يمكن أن يمنحها إياه المؤلف. وظلت الشخصيات تنتقل من دور إلى دور.

ومكثت تتخيل نفسها في وضعيات ممكنة ومستحيلة» ويقطع الراوي في قصة «الزعيم» سياق القص ليفتح بين الحين والآخر قوسين يضمنهما تشكيكا قويا في المتن القصصي ضاربا عُرض الحائط بكل توجه يمكن أن يتحقق في ذهن القارئ، من ذلك ما يرد على لسان الراوي» شرع الرجلان (المحامي والحاج مصطفى) يتحدثان بل يتهامسان» وسرعان ما يقطع هذا التطور باستداركه التالي» ( استغرب السارد المتعاقد الحديث وال

جمالية التجريب القصصي واستفزاز القارئ في «تقارير تونسية مهربة»

جمالية التجريب القصصي واستفزاز القارئ في «تقارير تونسية مهربة»

همس بينهما، لأن هذا الفعل ليس واردا في القصة الأصلية.

كان يقتضي المكت

جمالية التجريب القصصي واستفزاز القارئ في «تقارير تونسية مهربة»

وب أن يمر المحامي بالحاج مرورا عجلا لإمضاء بعض الوثائق دون حاجة إلى الجلوس أو المحادثة. لكنه عجز عن التدخل وخشي على مورد رزقه بعد شهور من البطالة)».


وتؤسس تقنية الهامش في قصة «تقارير تونسية مهربة» هي الأخرى هذا المنحى في كسر المتون والتشكيك تشكيكا مضاعفا في سياق التخييل الذي تندرج فيه القصص بطبعها، فنقرأ: «في مفتتح هاته القصة: «هامش لا يُعرف واضعه: على إثر تفكك الاتحاد بعد عقود من قيامه واستقراره، تسربت وثائق سرية كثيرة إلى الصحافة الورقية والإلكترونية.

وقد تبين وجود ثلاثة تقارير متعلقة بتونس». وتنهض قصص أخرى على تقنيات تفتح القص على التأويل وتقلبها جنسا قرائيا يستدعي تدخل القارئ في تنسيقه وإخراجه وعرضه، ومنها تقنية الخبر في قصة «صاحبة المقام» وتقنية المشهد السينمائي في قصة «قريبا في القاعات» .

يعني الانفتاح في هذه السياقات خلخلة القص من الداخل وتخييب أفق انتظار القارئ باستمرار، بجعله يواجه ممكنات قصصية عديدة بكسر كل ما هو خطي والخروج عنه، وهو ما يزرع التمرد في الشخصية القصصية، إذ لا تبدو مهادنة يستعملها الكاتب بنوايا مسبقة، وإنما هي في مستوى من المستويات ند للكاتب رضا بن صالح تتفاعل معه ويتفاعل معها في دائرة المحتمل.

إن القصص، بمعنى أدق، مختبر بقدر ما يعني الكاتب يعني القارئ، ذلك أن التجربة الجمالية لا تنحصر في الكاتب، بل تفيض عليه لتشمل القارئ من خلال فعله التأويلي، وهو وجه تجديدي في القصة التونسية المعاصرة.


  • لعبة المرجع من الخارج إلى الداخل:

لئن بدا المرجعي مستفزا في العناوين، فإنه أكثر استفزازا في متون القصص، يقول الراوي في قصة «الزعيم»: «بدأت هذه القصة كما تبدأ عادة كل القصص. بدأت في مقهى من مقاهي الأحياء الشعبية..» فهناك هذا اللافت الاجتماعي الواقعي المرفوع عاليا، وتظهره مؤشرات مختلفة هنا وهناك كقول الراوي في قصة «الحادثة»: «لا أحد تخيل أن تقع تلك الحادثة مع المطربة الشعبية المشهورة».

ويقول الراوي في قصة «رحلة إلى نيورك» عن البطل: «ترك مدينته خلفه. باع ضيعة والده في فرنانة. باع قطيع البقر». وتتميز شخصيات قصة «شخصيات في انتظار المؤلف» بأنها شخصيات هامشية من القاع، وكذلك بقية الشخصيات إلى حد كبير، بما في ذلك شخصية المتنبي مرورا بشخصيات قصة «صاحبة المقام» حيث يحضر الحلم وسيدي بلحسن، ولا تخلو قصة «سقوط دولة عزازيل» إلى جانب شخصياتها من غير الإنس من شخصيات إنسانية ذات دلالات قوية، أبرزها المطربة المعروفة أم كلثوم ومؤشرات على الواقع كالسيجار الكوبي، لكن المرجعي في هذه السمة المهيمنة، رهين التأويل بفعل انفتاح القص على تلك التقنيات الفنية.

وتظهر ضمن هذا الإطار المفارقات التي تحياها الشخصيات بين ما هو كائن وما هو مأمول، فالكائن خيبة والمأمول هو الهروب من تلك الخيبة التي تتجاوز الشخصية إلى أطرها المتخيلة المحيلة على أطر تونسية واقعية، ولعل حركة كسر القص المتواصلة صدى لهذه المفارقات المصيرية التي تتحدد وفقها عوالم الشخصيات. إن المرجعي مخادع في مستوى أدق إذ يستدرج القارئ ـ المتفرج إلى عوالم متخيلة يبنيها بنفسه ضمن دائرة تجمع في أساسها بين فعل القراءة وفعل الإنصات.

ويلقى اللافت التاريخي المصير نفسه، فهو يُعلن، على سبيل المثال لا الحصر، في قصة «قال الراوي» تطارد شخصية الباحث البشير الزغلامي في مدينة إسطنبول التركية مخطوط ابن الكوفي» الاقتضاب في سيرة المشايخ والصوفية الأقطاب، ليصطدم لاحقا بما طال المخطوط من حذف وإضافة وتغيير ودس إلى حد التماثل مع رسالة الغفران لأبي العلاء المعري مرة ومع ألف ليلة وليلة ثانية.

ويصل التلاعب بالمرجع، سواء كان واقعيا أو تاريخيا، إلى ذروته حينما يتحول إلى موضوع للسخرية، كما هو الحال بالنسبة إلى شخصية المتنبي «في محطة المترو مسافرون وطلبة.. الشاعر مطرقا حزينا يحاول مواصلة المسير فتجذبه شابة تصيح: (رد بالك ميترو) ينظر إليها. يسألها: (ما المترو أهو اسم علجي في بلادكم؟) تضحك الفتاة وتقول: (حلوة فازتك. شنوا ما تقوليش هذا تبزنيش ناس قبل؟ هذا مترو يا سي سيبويه)» ثم تقترح هذه الشخصية على الناس في مقهى الكواكب في حي شعبي غربي العاصمة» أن يخرجوا على سلطان تونس فيصيحون:»فكرة والله فكرة خلينا نسخنوا الجو».


  • استفزاز القارئ بالقصة:

يظهر جليا مما سبق أن هناك تمردا على المرجع بأبعاده، لكن هذا التمرد في أساسه تمرد على الواقع ومواجهة له كما في كلام كحلوشة للزعيم في قصة «الزعيم» إذ يستغرب عودته من الخليج قائلا: «عجبا! ما الذي عاد بك يا زعيم؟ تترك العملة الصعبة والسيارات الفارهة والقصور لتعود إلى هذه الحفرة النتنة؟».

إن شخصية كحلوشة شعبية بامتياز بدءا من صوغ اسمها هذا الصوغ الشعبي الذي يألفه كل تونسي بحس الدعابة الذي يملؤه، وهي معروفة بترددها على السجن، مما يجلو علاقتها المتمردة بواقعها الاجتماعي، ولهذه الشخصية أقنعة كثيرة في القصص الأخرى، وأشهر أحلامه أن يرتحل إلى نيويورك ويغادر الوطن، بينما شخصية الزعيم مثقفة تبحث عن الإبداع، فلا تجد له منفذا في ظل التضييق بما في ذلك التضييق الأمني وازدراء الحرية، يقول في رده على كحلوشة: «لا حكاية ولا .. كل ما في الأمر أنهم وضعوني في مكتب ضيق معتم.

كانوا يحضرون إليّ الشخصيات والحكايات ويقولون ركب الحكاية واختم، فأقول لهم ما هكذا تُكتب الحكايات اللذيذة، فيردون عليّ: هذه أمور لا تعنيك، أنت تتقاضى أجرك لتنفيذ الأوامر». ولهذه الشخصية أقنعة في القصص الأخرى كقناع أستاذ الفلسفة ومحقق الكتب التراثية وغيرها، ومصيرها الفشل والخيبة والانكسار.

تمثل الشخصية بنوعيها السابقين مدخلا لاستفزاز القارئ، وقد رأينا أن تكوين الشخصية النفسي والذهني والمادي علامة بارزة في هذا الصدد، غير أن الفراغات التي تحدثها خلخلة القص من الداخل، وتحل التأويل محل استقبال القصة هي العلامة الأخرى الأبرز التي تسمح بتأثر هذا الاستفزاز وتقصيه لا فقط في بعده الاجتماعي وإنما أيضا في بعده السياسي، وهو بعد يحيّن القص ويجعله منتميا زمنيا ومكانيا.

أي متجذرا في سياقه الثقافي الكبير الموسوم بغياب القيم الفكرية والجمالية والاجتماعية والفساد السياسي، فعطب الشخصيات لا يأتي من عدم. ولا شك في أن كتابة كهذه ما بعد حداثية تهدم الحدود بين الفنون، كما تهدم العلاقة الآلية بين الدال والمدلول محرضة على إعادة النظر في الذوات والأشياء في ظل الفوضى الحاصلة في الواقع.


أصيل الشابي: ناقد تونسي

بالعربيّة

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات