سرديات

سِمات النص السيرذاتي في “أثقل من رضوى”

 

هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا”.

بهذه المقولة تُنهي رضوى عاشور فصل الختام بسيرتها الذاتية “أثقل من رضوى”؛ والذي اختارت أن تنهيه بشكل دائري فتعود بالأحداث إلى نقطة البدء، فمشهد الاستهلال المليء بالألم الذي يفتح آفاق السيرة في بيت العائلة بعد وفاة “طارق” الأخ الأكبر لرضوى عاشور وبعده بخمسة أسابيع رحيل الأم، ينغلق في مشهد أخير مفعم بالأمل في بيت العائلة أيضا حيث يجتمع الأولاد والأحفاد وأبناء الأحفاد وغيرهم من الأهل والأصدقاء. هذه البنية الدائرية -على العكس من البنية الخطية- قد تسعى إلى طرح رؤية مليئة بالأمل والإصرار على تحقيقه وإحيائه، أو قد تسعى إلى طرح دلالات مغايرة مثل الهروب من وطأة الواقع الفعلي، وهو الاستنتاج الذي رغبت الكاتبة في أن تدفعه بعيدا عن ذهن قارئها تاركة له المجال ليستشعر بنفسه سبب هذه العودة إلى طبيعة الحدث الأول.

لا تأتي هذه السيرة على النمط التقليدي للأعمال الكلاسيكية المنتمية إلى النوع السيرذاتي؛ فلم ترتبط بالميلاد البيولوجي لرضوى/البطلة كما هو شائع لدى كثيرين من الكُتّاب، إنما اختارت رضوى عاشور أن تبدأ سيرتها بلحظة التسمية، وهي اللحظة التي اختار فيها الجد اسمي حفيديه (طارق ورضوى)، لتنتقل منها مباشرة إلى سرد تجربتها في مواجهة المرض متزامنة مع اندلاع ثورة مصر 2011، فتحكي عن نفسها وأسرتها، وعن الشهداء والمصابين، دامجة الذاتي مع الجماعي في صورة متداخلة يتضافر فيها العام بالخاص. وبهذا جاءت بداية السيرة بداية رمزية ارتبطت بالميلاد النفسي للذات، أي بلحظة حاسمة في حياة رضوى/البطلة وهي رحيل أخيها في السادس من سبتمبر 2010، ثم اندلاع ثورة يناير التي طالما تمنتها وهي تجري عملية جراحية لإزالة التورّم المزعج من الدماغ.

من هذا المنطلق لم تلتزم رضوى عاشور في سيرتها الذاتية بالترتيب الكرونولوجي للزمن الذي تنطلق فيه الأحداث من البداية صعودا تجاه النهاية؛ إذ جاءت الأحداث مرتبة وفق ضرورات العملية السردية، فلم تحاول الكاتبة تتبع مجريات الأحداث وفق التسلسل الزمني الطبيعي/الخطي، إنما لجأت لتقنيات مثل الاستباق والاسترجاع لجعل السيرة أكثر فنية ولتخليصها من الطابع الخبري، ولعل هذا جاء نتيجة اعتماد كاتبتها على الذاكرة في تدوين مادتها الأدبية وتنظيمها في نص سيري متماسك.

كما أنها لم تكتفِ باسترجاع مراحل العمر بشكل متسلسل أو مختلط زمنيًّا، وهو ما يميّز الكتابة السيرذاتية عمومًا، بل أيضًا كتبت يوميات غير متصلة، أي دوّنت تفاصيل الأحداث ونقلت مشاعرها تجاهها بشكل يومي مباشر، لتجمع بذلك بين المواكبة الآنية واستدعاء الماضي، وتحقق المراوغة بين الزمنين الحاضر والماضي في سلاسة ووعي.

“أثقل من رضوى” هي سيرة رضوى عاشور الذاتية نُشرت عام 2013، تحكي فيها الكاتبة عن تجربتها مع المرحلة الأولى من المرض والعلاج طوال السنوات الثلاث الأخيرة، وتربطها بسنوات سابقة، وتوثّق بإبداع ما كان يقع في مصر من أحداث بين عامي 2010 و2013. وقد صدر بعد وفاة الكاتبة الجزء الثاني من كتابها “أثقل من رضوى” تحت عنوان “الصرخة” في عام 2015، وفيه تُكمل رضوى عاشور رواية تجربتها مع عودة المرض وما جرى في مصر، وقد توقفت عن الكتابة في سبتمبر 2014، ووافتها المنية في الأول من ديسمبر من العام ذاته.

من المعروف أن السمة الأساسية التي تفرق السيرة الذاتية عن الرواية -بالنسبة إلى فيليب لوجون- تكمن في الميثاق أو العقد المبرم بين كاتب السيرة الذاتية والقارئ، هذا الميثاق الذي يبدأ من نسبة العمل إلى كاتبه في عنوان السيرة الذاتية، ويتضح بعد ذلك تدريجيًّا عبر صفحات الكتاب. وبالتالي فإن العناصر الذاتية في العمل تملك، من خلال الاسم الحقيقي لكاتب السيرة الذاتية، مرجعيَّةً يمكن التحقق منها في الواقع، ومن خلال ضمير المتكلم الذي يميّز السرد في السيرة الذاتية يتحقق التطابق بشكل واضح بين الكاتب والسارد والبطل.[1]

ومن الممكن تحديد السمات التي تميز السيرة الذاتية عن بقية الأنواع الأدبية، عن طريق دراسة سيرة رضوى عاشور الذاتية في محورين متبعين في ذلك ما اتبعه فيليب لوجون في دراسته للسيرة الذاتية:

(1) العناصر المنتمية لداخل النص السيرذاتي، وتتضمن:

(2) العناصر المنتمية لخارج النص، وتتضمن:

التطابق بين المؤلف والسارد والشخصية المركزية

الميثاق السيرذاتي

العناصر المحيطة بالنص التي تشكل بحسب رأي جينيت “العتبات التي تسيّج النص وتسمّيه وتحميه وتدافع عنه وتميزه عن غيره وتعيّن موقعه في جنسه وتحث القارئ على اقتنائه” [2]، وتشمل العناوين الأساسية والفرعية والداخلية، واسم المؤلف، والغلاف، ودار النشر، والإهداء، وفاتحة الكتاب، والمقدمة، وغيرها.

العناصر التي لا تأتي مصاحبة للنص بشكل مباشر، بل تأتي معزولة عنه وتنتمي إلى النص الملحق، وتشمل كتابات الكاتب الأخرى التي تتفق مع ما جاء في سيرته الذاتية، أو ما كتب عنه والتي يمكن أن تلتقي مع ما جاء في السيرة. [3].

ومن الممكن التعبير عن هذين المحورين عن طريق الرسم التوضيحي التالي:

العناصر المنتمية لداخل النص

العناصر المنتمية لخارج النص

التطابق بين المؤلف والسارد والشخصية الرئيسة

الميثاق السيرذاتي

العناصر المحيطة بالنص

النص الملحق

النص السيرذاتي

أولاً/ العناصر المنتمية لداخل النص:

(1) التطابق بين المؤلف والسارد والشخصية الرئيسة:

لكي تكون هناك سيرة ذاتية يجب أن تتطابق ثلاثة أنواع من (الأنا) تندرج في المتن السيرذاتي:

أنا المؤلف الحقيقي: هو الكاتب المُعلن عنه صراحة.

أنا السارد: هو الذي يروي الأحداث في الحاضر.

أنا الشخصية الرئيسية (البطل): الذي سوف يتحدد نسبةً إلى الأفعال والوصف داخل العمل نفسه.

ويتضح هذا التطابق (بين المؤلف والسارد والبطل) في سيرة رضوى عاشور الذاتية؛ حيث نجد أن كاتب العمل هو الأديبة رضوى عاشور المعلن عنها صراحة على الغلاف الخارجي للسيرة، وقد جاء اسم الكاتبة وسط أعلى صفحة الغلاف، وربما كان الهدف من ذلك هو التأكيد أن الذات المتحدثة في هذا الكتاب هي البؤرة التي تتمركز حولها كل العناصر الأخرى في السيرة.

كما أن راوي الأحداث هو رضوى عاشور البالغة من العمر الرابعة والستين التي تروي بضمير المتكلم. عن بطلة السيرة رضوى عاشور المرأة “صغيرة الحجم نسبيًّا، ترتدي ملابس بسيطة.. شعرها صبياني قصير وإن كان أبيضه يغلب أسوده، يكاد يغيبه”. [4].

ففي سيرة رضوى عاشور، تسرد المؤلفة الأحداث بضمير المتكلم؛ لتتحدث بشفافية ومباشرة عمّا وقع لها في سنوات سابقة، ولكنها تستخدم أحيانًا ضمير المخاطب وهي تتوجه إلى القارئ/القارئة بالحديث عمّا عاشته من آلام وآمال

وينظر د. يحيى إبراهيم عبدالدايم إلى المسألة نظرة مشابهة عندما يعلن أن التطابق بين اسمي الراوي/البطل والمؤلف دالٌّ أساسيٌّ على أن العمل سيرة ذاتية.[5] وقد أعلنت المؤلفة منذ المدخل عن الاسم بوصفه علامة سيميائية فارقة، حين قالت “فلما جاءت البنت بعد سنتين وتسعة أشهر، اختار لها اسم جبل آخر، لا يقع في الطرف الغربي من المتوسط، مشرفًا على المضيق الذي يربط المغرب الأقصى بشبه الجزيرة الأيبيرية، بل يقع بالقرب من المدينة المنوَّرة، يضربُ به العرب المثل في الرسوخ فنقول أثقلُ من رضوى”. [6]، فكأن الاسم سمة من سمات الشخصية أسهم في تشكليها منذ اللحظات الأولى للسرد، وحدد ما يُسند إليها من صفات وسمات.

وتأتي أهمية استخدام ضمير المتكلم في أنه “يحيل على الذات مباشرة، ويجعل الحكاية المسرودة مندمجة في روح المؤلف، كما أنه يقرّب القارئ من العمل السردي ويجعله أكثر التصاقًا به، ويستطيع التوغل في أعماق النفس البشرية، فيعرّيها بصدق، ويكشف عن نواياها بحق، ويقدّمها للقارئ كما هي لا كما يجب أن تكون”[7]، وبالتالي فإن استخدامه قد سمح للكاتبة بأن تصور انفعالاتها وتنقل انطباعاتها تجاه أحداث العالم الخارجي بمباشرة وحميمية.

ففي سيرة رضوى عاشور، تسرد المؤلفة الأحداث بضمير المتكلم؛ لتتحدث بشفافية ومباشرة عمّا وقع لها في سنوات سابقة، ولكنها تستخدم أحيانًا ضمير المخاطب وهي تتوجه إلى القارئ/القارئة بالحديث عمّا عاشته من آلام وآمال، وكأنها ترغب في أن تشركه معها فيما جرى لها، مما يثير دائما انتباه القارئ وشوقه لقراءة المزيد، فتستخدم مفردات مثل “عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة”، “سيدتي القارئة”، “اسمح لي أيها القارئ”، “يا سيدي القارئ”، “يا قرائي الكرام“، وغيرها.

وهكذا نجد أن ضمير المتكلم هو الضمير الذي يميز صيغة السرد الذاتي بالعمل، وهو ضمير له قدرة على التذكر والاسترجاع والتحليل والاستبطان الذاتي للشخصية المحورية؛ فمن خلاله تسرد الشخصية المحورية الساردة -(رضوى عاشور) في سيرتها “أثقل من رضوى”- وهي واقعة في زمن حاضر، الذي هو زمن السرد، ما مرّ بها من مواقف وأحداث وشخصيات في زمن مضى، هو زمن القصة، مما جعل الرواية تتجلى في شكل سيرة ذاتية.

إلا أن التطابق المفترض حصوله بصورة مباشرة في السرد بضمير المتكلم لا يخلو من التعقيد؛ إذ ليس هناك تطابق تام بين السارد والشخصية الرئيسة (البطل) في النص السيرذاتي؛ حيث يرى جيرار جينيت أن هناك “في كل حكي لشكل سيرذاتي مسافة فاصلة بين (أنا الساردة) و(أنا المسرودة) أي أن التطابق التام بين السارد والبطل أمر غير وارد حتى في النص السيرذاتي، فالسارد حتمًا يعلم أكثر مما يعلمه البطل (الشخصية الرئيسة)”. [8]

(1) الميثاق السيرذاتي:

إن الميثاق السيرذاتي، كما يرى فيليب لوجون، هو عقد يقيمه الكاتب مع القارئ، يقوم على أن السيرة الذاتية هي “نثر استعادي يحكي فيه شخص حقيقي عن حياته الفعلية بصورة تستهدف إبراز حياته الفردية وتاريخ شخصيته الفعلية بشكل خاص” [9]، ومن مضمرات هذا الاتفاق أو التعاقد السيرذاتي أن الكاتب سيحكي للقارئ ما حدث في الواقع دون إدخال أيّ عنصر من عناصر الإيهام والتخيل في العملية السردية، وأن على القارئ أن يصدّق كل ما يرويه له الكاتب. [10].

ونجد هناك نوعًا من المواثيق يمكن أن يلجأ إليه كاتب السيرة الذاتية، هو الميثاق المرجعي. وهذا النوع خاص بفنون القول الذي يتوخى الكاتب فيها الدقة العلمية والحقيقة التاريخية التي يمكن التحقق من صحتها بالرجوع إلى المصادر الأخرى أو تلك التي يحيل عليها الكاتب في النص؛ إذ يعمل هذا الميثاق على تحديد حقل الواقع المراد تصويره كما يحدد كيفية ودرجة التشابه الذي يزعمه النص بالواقع. وتدخل السيرة الذاتية في النصوص المرجعية كونها تشترك مع الخطاب العلمي أو التاريخي في أنها تخبر عن واقع خارج النص ويمكن التحقق من صحته، وبهذا يكون لدينا نوعان من الميثاق (مرجعي، وسيرذاتي) ليس من السهل التمييز بينهما لشدة ارتباطهما معًا. [11].

والقارئ لسيرة رضوى عاشور الذاتية يجد نفسه أمام نوعين من الميثاق:

الأول/ الميثاق السيرذاتي، ويظهر بوضوح في التطابق الاسمي بين المؤلف والسارد والشخصية الرئيسة في الكتاب؛ إذ أُعلِن عن اسم المؤلف بوضوح على غلاف الكتاب، كما صُرِح باسم البطل فيها أكثر من مرة.

فتعلن الرَاوية عن اسم بطلتها تدريجيًّا (بعد إعلانه صراحةً في المدخل) كلما توغلنا في قراءة فصول السيرة الذاتية، فنجدها تُحدّث نفسها بضمير الغائب قائلة “رضوى بالتكوين والوراثة، فيها هشاشة، قلقة، تُثقلها المخاوف ووطأة مجريات الحياة. مُصابة على ما أظن، باكتئاب بنوعٍ ما، اكتئاب مُزمن”.[12]

كما يتضح اسم البطلة/رضوى كذلك في الإهداء الذي يوقّعه تلميذها شعبان مكاوي على الكتاب الذي يهديه لأستاذته فور صدوره “إهداء المترجم. إلى الدكتورة رضوى عاشور“. [13]

أما الثاني/فهو الميثاق المرجعي الذي يظهر عندما تحيل رضوى عاشور في سردها للأحداث إلى واقع خارج النص يتمثل في إشارة الكاتبة إلى حوادث تاريخية بعينها تُخبر عن واقع تاريخي أو حقيقة تاريخية يمكن التحقق من صحتها بالرجوع إلى المصادر الأخرى، ممّا يدل على حرص الكاتبة على إعطاء سيرتها صفة المصداقية، والتزامها بالعقد المبرم بينها وبين القارئ.

ومن ذلك، توقّفها عند أحداث تاريخية معينة تخضعها لقوانين صارمة من التوثيق والاستشهاد بالأشخاص الواقعيين والشواهد التاريخية والمعارف الإنسانية، مثل ربطها الواعي بين لوحة الجرنيكا التي أبدعها بيكاسو إبان قصف الطائرات الألمانية لقرية الجرنيكا بإقليم الباسك خلال الحرب الأهلية الأسبانية، وأحداث محمد محمود الأولى والثانية، بوصفهما يمثلان حدثين كارثيين- على حد وصفها- عانى فيهما الناس أهوال القتل والتعذيب “أريد أن أحكي عن اللوحة، أن أصفها لقرائي، أن أدعوهم للبحث عنها على مواقع الشبكة الإلكترونية ومشاهدة صورها، وتأملها والنظر في تفاصيلها”. [14]

وفي النهاية نتفق مع الرأي الذي يرى أنه يجب أن نتعامل مع مفهومي الميثاق السيرذاتي والتطابق بشكل من المرونة، فيكفي أن يقرّ الكاتب بشكل من الأشكال أنه يروي قصة حياته، ويكفي أن نفهم أن السارد المتحدث هو الشخصية المحورية وهما معًا الكاتب الذي يضع كتابه بين قرائه؛ ليروي لهم سيرته الذاتية. ويمكن الاكتفاء بمبدأين أساسيين للتسليم بمشروعية الجنس، وهما مبدأ التطابق بين أعوان السرد الثلاثة: المؤلف=السارد=الشخصية، والميثاق السيرذاتي، حتى وإن كانا ضمنيين. [15].

اختارت رضوى عاشور لسيرتها عنوانًا موحيًا، وهو “أثقل من رضوى“، وقد يكون (الثِّقَل) دالاّ على معنى (الرسوخ) -كما أعلنت الكاتبة في مدخل سيرتها- فيعبر عن شخصية الكاتبة وصمودها أمام ما عايشته من هموم وآلام

  • ثانيًاً/العناصر المنتمية لخارج النص:

(1) العناصر المحيطة بالنص:

وتشمل عناصر مثل العنوان واسم المؤلف ودار النشر والمقدمة والإهداء والأحاديث الصحفية التي تتمّ وقت النشر ودلالة الصورة على الغلاف أو الصور الداخلية للعمل.

العنوان:

إن أول ما تقع عليه عين القارئ عند دخوله عالم الرواية هو العنوان؛ فالعنوان يحمل دلالات قد تتعدد أو تتمحور أو تتضح أو تستغلق على القارئ، وبالتالي فإنه البنية الأساسية أو العتبة الأولى التي يدخل منها إلى العمل، كما أن العنوان يقوم بدور المحفز للقارئ كي يبحث عن المعنى المستتر وراء العنوان. [16].

ويشكل العنوان عنصرًا أساسيًا في النص ولا سيما النص النثري، فهو المفتاح الإجرائي الذي يمكّن من خلاله الولوج إلى عالم النص وكشف أسراره. ومن الممكن تقسيم العنوان إلى ثلاثة أقسام هي: العنوان الرئيسي، العنوان الفرعي، العنوان الداخلي. [17].

وقد اختارت رضوى عاشور لسيرتها عنوانًا موحيًا، وهو “أثقل من رضوى“، وقد يكون (الثِّقَل) دالاّ على معنى (الرسوخ) -كما أعلنت الكاتبة في مدخل سيرتها- فيعبر عن شخصية الكاتبة وصمودها أمام ما عايشته من هموم وآلام، وقد يكون بمعنى (الحِمل الثقيل) فيعبّر بشكل مباشر عن آلام المرض ومتاعب الحياة التي كانت أثقل من الجبل، وسواء أكان (الثقل) معبّرًا عن شخص رضوى عاشور أم معبّرًا عن المواقف والتجارب ذاتها، فإنه يعبّر في كلتا الحالتين عن الهموم الثقال، ورسوخ الكاتبة أمام تلك الهموم التي كانت “أثقل من رضوى”.

أما العنوان الفرعي، فيجيب عن الإشكالية المتعلقة بالجنس الأدبي الذي ينتمي إليه العمل؛ حيث نجد عنوانًا أصغر وهو “مقاطع من سيرة ذاتية“. وقد جاء وصف العنوان بأنه “مقاطع″؛ ليؤكد على عنصر الانتقاء المميز للسرد السيرذاتي؛ فالعمل في مجمله محاولة لتقديم عدد مُختار من التجارب الحياتية والخبرات الذاتية التي مرّت بها رضوى عاشور وأرادت نقلها للقارئ بعد أن نَحَّتْ جانبًا كثيرًا من التفاصيل التي استعادتها الذاكرة.

كما يشير العنوان الفرعي إلى جنس العمل الأدبي بأنه “سيرة ذاتية”، ولعل حذف (ال) التعريف التي تفيد التخصيص، يؤكد بوضوح أن العمل يضمّ الهمّ العام والهمّ الخاص معًا، وأنه سيرة الذات والوطن بأكمله؛ فرضوى لم تسرد لنا حياتها الخاصة بالصورة التقليدية التي يتّبعها معظم كُتّاب السير الذاتية، إنما عمدت إلى تصوير -بجانب حكايتها الخاصة- حكاية الوطن في مرحلة فارقة من تاريخه، فجاءت سيرتها نمطًا مغايرًا لكل الأنماط السابقة.

ورغم أن العنوان الفرعي كان دالاّ على نوع العمل وحدده بأنه “سيرة ذاتية”، وهو ما أكدته رضوى في مدخل سيرتها “مشروع لكتابة سيرة ذاتية” [18]، إلا أنها قد أثارت مشكلة التجنيس في كتابها حين أعلنت في الفصل الثالث والعشرين منه قائلة “أعي منذ بدأت في كتابة هذا النص أنني أجمع فيه بين السيرة الذاتية والمذكرات، وهما نوعان مختلفان من الكتابة، وإن اشتركا في التأريخ للذات وتقديم التجربة الشخصية وتصنيفها وتأملها والتعليق عليها، باسترجاع مراحل العمر.. ولكن ما جدّ علىّ دون سابق نية أو إعداد، هو النقل المباشر لحدث يومي أسجل بعض تفاصيله ومشاعري تجاهه، وهو ما يدخلنا في نوع ثالث من الكتابة أقرب لليوميات”. [19].

مما يوضح لنا أن رضوى عاشور قد استخدمت مصطلح “السيرة الذاتية” بشكل حداثي يؤكد دمجها في السيرة لأشكال ثلاثة من أشكال السرد الذاتي يصعب الفصل بينها (السيرة- المذكرات- اليوميات) بوصفها تعبيرًا دقيقًا عن أحداث أو تجارب يمر بها الكاتب، لأن هذا الكتاب في النهاية “ليس رواية بل سيرة ذاتية، تتطابق فيها المؤلفة والراوية والمروي عنها” [20]، وهو ما أعلنه من البداية العنوان الفرعي الذي يعد من المؤشرات السردية المهمة على نوع العمل وتصنيفه.

أما بالنسبة إلى العناوين الداخلية فكانت من الإشارات الأخرى داخل النص الدالة على نوعه؛ حيث جعلت الكاتبة لكل فصل عنوانًا قد يشير إلى حدث خاص أو حدث عام، مثل “واقعة الرابع من نوفمبر 2010“، و”في زمان الثورة“، و”المستشفى مرة أخرى” وغيرها. وهكذا امتازت العناوين الداخلية في السيرة بالدقة والوضوح، فعبّرت عن المضمون بشكل دقيق وتداخلت بفاعلية في العمل ككل.

اسم المؤلف:

وللاسم في النص السيرذاتي أهمية كبيرة فهو يمثل عتبة أولى تمهد للقارئ تعامله مع النص إن لم يكن يوجّه هذا التعامل. ويؤكد جيرار جينيت على أن “إثبات اسم المؤلف يصبح فعلاً دالاً أكثر عندما يتعلق الأمر بالسيرة الذاتية خاصة؛ لأنه يكون حينئذ جزءًا من العقد المقام بين المؤلف والقارئ”، كما أنه يخلق نوعًا من الإثارة لدى المتلقي يدفعه إلى قراءة هذا الأثر مدفوعًا في ذلك بنوع من الفضول لمعرفة حياة الآخر والوقوف على مكنوناته الداخلية، فهو يدرك أن الذات المنكشفة أمامه في السيرة هي ذات المؤلف، بعيدًا عن التمويه أو القناع الذي يلبسه المؤلف عادة في كتاباته الأخرى“. [21].

وفي هذا الاسم يتلخص كل وجود هذا الذي نسميه الكاتب وهو العلامة النصية الوحيدة على ما هو موجود خارج النص؛ إذ يحيل على شخص حقيقي يتحمل مسؤولية كتابة العمل. والسيرة الذاتية (بوصفها سردا يحكي قصة الكاتب) تفترض وجود⊇تطابق صريح بين هوية الكاتب (كما تحددت على غلاف الكتاب) وبين السارد والشخصية المتحدث عنها في الحكاية. [22].

من هنا كان ارتباط اسم الكاتبة بالنشاط الأكاديمي والمدني في مصر والوطن العربي كله، والنظر إليها بوصفها من أهم أبناء هذا الجيل عطاء على المستوى الفكري والسردي والنقدي، واعتبارها جزءًا من التجربة الفلسطينية بزواجها من الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي وتبنيها بالتالي مسؤولية توثيق الذاكرة الجمعية الفلسطينية بأعمالها، كل هذا قد أثار فضول القارئ العربي في “أثقل من رضوى” لمعرفة بعض من سيرة حياتها ورحلتها الأدبية، ووجّهته إلى اتخاذ مواقف معينة عند قراءة العمل، هذه المواقف تستند في أساسها إلى معرفته السابقة للمؤلفة من خلال أعمالها الأدبية الأخرى وآرائها التي كشفت عنها في بعض المقالات التي كتبتها أو اللقاءات التي أجريت معها.

كلمة الناشر:

نجد أن كلمة الناشر أيضًا لها هدف يدل على نوع العمل؛ إذ إنها مثل العناوين، واسم المؤلف تؤثر على فهم القارئ للنص، فكلمة الغلاف الخلفي تكشف عن وضعية النص. [23].

من هذا المنطلق نلاحظ أن كلمة الناشر على الغلاف الخلفي لـ”أثقل من رضوى”، وهي دون توقيع، توضح لنا نوع العمل وأنه “مقاطع من سيرتها الذاتية” تمزج فيها رضوى عاشور بين “مشاهد من الثورة وتجربتها في مواجهة المرض طوال السنوات الثلاث الأخيرة“.

آراء النقاد:

موقف الجمهور القارئ من العمل الأدبي لا تحدّده فقط الملامح الخاصة بالنص المكتوب، بل إن النقد والانتشار لهما أيضًا نصيب في العملية؛ فعلى أساس منهما يبني القارئ توقعاته أو يُكّون آراءه التي تحكم القراءة التالية. كما أن المقابلات الشخصية مع المؤلف قد تؤدي الوظيفة نفسها من أجل إقامة عقد قراءة مقدمًا أو بأثر رجعي. [24].

فعندما يصف الناقد محمود عبدالوهاب “أثقل من رضوى” بأنها “فصول من سيرة رضوى عاشور الذاتية“، وعندما يقول عنها د. مصطفى رجب إنها “كتاب فريد من نوعيته في مكتبة السير الذاتية العربية”. [25]، نستطيع أن نعتبر هذا علامة دالة على نوع العمل الأدبي بأنه سيرة ذاتية.

وقد أكدت رضوى عاشور هذا التصنيف عندما صرحت في حوار صحفى لها بأن “أثقل من رضوى” هو الجزء الأول من سيرتها الذاتية سيتمّمها الجزء الثاني الذي عنونته بـ”الصرخة”، وذلك عندما تحدثت عن دوافعها لكتابة العمل “ربما كانت معايشتي لمرض أخي واستعداده للرحيل عنصرًا في رغبتي في كتابة سيرة ذاتية، أو هذا ما بدا لي. رحل أخي، ثم أمي، وتوالت مستجدّات تخص وضعي الصحي ووضع البلد، فوجدتُ نفسي أكتب هذه المقاطع. ليست سيرة ذاتية مكتملة، بل مقاطع منها.[26].

الإهداء:

يمثل الإهداء عنصرًا من العناصر الموجهة للنص السيرذاتي، ويمثل أيضا عتبة نصية مهمة تسهم في إضاءة النص ورسم ملامحه، ويحيل على داخل النص ويعمل على توضيح بعض جوانبه، ومع ذلك فقد غاب الإهداء عن صفحات “أثقل من رضوى”.

المقدمة:

تعد مقدمة الكتاب من العتبات النصية المحيطة بالنص، التي تسهم في فهم النص وتحليله، كما أنها تمثل مدخلاً من المداخل التي تجعل المتلقي يمسك بالخيوط الأولية والأساسية للعمل، فتساعد على التعرف على محيط النص، والإلمام بمقاصد مؤلفه، وكيفية تلقيه من قبل جمهور القراء. [27].

وهذا يعني بوضوح أن المقدمة تضمّ مجموعة من الأفكار التي قصدها الكاتب، ونيّاته ودوافعه وتوجهاته الفكرية التي تمثّل موجهات محورية تقود القارئ إلى فهم أشمل وأدق للنص. وقد جاءت “أثقل من رضوى” في ثلاثة وثلاثين فصلاً يحمل الفصل الأول منها عنوان “مدخل“، والذي يمكن اعتباره مقدمة الكتاب التي تقدم فيها رضوى دافعها لكتابة سيرتها الذاتية، وهو معايشتها لمرض أخيها واستعداده للرحيل “يبدو لي الآن بوضوح أن الشروع في كتابة سيرة ذاتية في تلك الأيام تحديدًا، كان يتّصل بشكل ما بمرض أخي وتدهور حالته الصحية وهواجسنا المتنامية أنه يستعد للرحيل. [28].

وتقدم قراءة مقدمة سيرة رضوى عاشور نوع العمل بوصفه “سيرة ذاتية” توثق تجربتي المرض والثورة، وبذلك أوردت رضوى عاشور بدايات الميثاق السيرذاتي في مقدمة العمل وفي مواضع أخرى منه، موضحة كيف شرعت في كتابة هذا العمل وكيف ظهر على هذا النحو “كانت النية أن أطلب من حاتم مُسودة الرسالة التي وجهها المحامي الشاب إلى الدكتور عبد الوهاب ليطلب يد ابنته (وكنت اطّلعت عليها ونحن نُنظم أوراقه بعد رحيله)، لأُضمِّنها النص الذي كان واضحًا أنه مشروعٌ لكتابة سيرة ذاتية تبدأ بالحديث عن أمي وأبي وإخوتي، وتنتقل بعد ذلك لتحكي البعض الآخر من حكايتي .[29].

صورة الغلاف:

تعد الرسوم والأشكال مظهرًا من مظاهر تشكّل فضاء النص كما أشار ميشال بوتور، ويتركز هذا التشكيل في “الغلاف الأمامي الخارجي للنص. [30]. ويمكن تصنيف أنماط الغلاف الأمامي إلى نمطين؛ تشكيل واقعي: يشير بشكل مباشر إلى أحداث النص أو إلى مشهد مجسّد من هذه الأحداث، وتشكيل تجريدي:يتطلب خبرة فنية لدى المتلقي لإدراك بعض دلالاته وللربط بينه وبين النص. [31].

فرسمة الغلاف ما هي إلا تواصل بصري يترجم واقع العمل الفعلي؛ فالرسمة تكون أسرع في الوصول إلى المتلقي من العنوان. ومن هنا، فإن الغلاف يساعد على فهم المضمون العام من المحتوى وبيان المقصدية منه على المستوى الفني أو التشكيلي.

وقد جاء عنوان العمل “أثقل من رضوى” على خلفية صورة للفنان المكسيكي (دييجو ريفيرا)، وهو من أهم رسامي أميركا اللاتينية، كان يؤمن بالأفكار الثورية ويمجد في جدارياته الخالدة الثورة المكسيكية، ويجسد بها قيمًا تاريخية خاصة بوطنه. ولعل اختيار إحدى لوحات (ريفيرا) المؤيد للثورة المكسيكية والمعبر عنها، يعد معادلاً موضوعيًّا لرسوم (الجرافيتي) التي تراها رضوى عاشور الفن الأول الذي يعبر عن مطالب الثورة المصرية ويوثق يومياتها ويسجل تفاصيلها الدقيقة.

نجد أن صورة الغلاف تضم امرأتين تتخذان وضعية “الحكي”، والحكي فتنة نسوية في الأساس تهتم برؤية التفاصيل الصغرى بوصفها مكونًا مهمّا للمشهد ككل، وهو ما يتفق ضمنيًّا مع الهدف الرئيس للسيرة، وهو حكي رضوى عاشور لتجربتها وحرصها على نقل تفاصيلها للآخرين، وكأن الحكي هو وسيلتها في الصراع وسلاحها في وجه النسيان.

ونلاحظ مستويين في اللوحة، هما مستوى التكوين: فنجد أن الأوضاع التي تتخذها الأجساد أوضاع مرهقة تمنح إحساسًا بمعاناة المرأتين، وكذلك الملامح البادية على وجوههم، وهي ملامح مُتعبة وأحيانًا منكسرة تشي بالحزن والألم. ومستوى اللون: فنجد أن الألوان -على عكس الأجساد- تميل إلى الإشراق والبهجة، مما يدلّ على حيوية الشخصيات وحبها للحياة رغم المعاناة الشديدة والحياة القاسية، وهكذا، تدعم الصورة الموجودة على الغلاف فكرة المعاناة التي عاشتها رضوى وواجهتها بإصرار وأمل وحب للحياة، وكأنها تُحّرض قارئها على التفاؤل والتمسك بالحياة في مواجهة الفناء.

(2) النص الملحق:

ويقصد بالنص الملحق أو اللاحق “تلك الظاهرة النصية التي تكون فيها العلاقة بين نص لاحق.. (أ) بنص سابق.. (ب) حيث يكون له مرجعًا ونموذجًا، إذ لا وجود للنص اللاحق دون النص السابق. وهذا يعني أن العلاقة بين النصين إنما هي علاقة اشتقاق وتحويل ومحاكاة. [32].

وتأتي أهمية النص الملحق في النص السيرذاتي لكونه -وبحسب رأي لوجون- إحدى الطرق فضلاً عن -التطابق والميثاق- الذي يتم بموجبه تحديد النص السيرذاتي، فضلاً عن كونه وسيلة لمعرفة السيرة الذاتية الصحيحة الصادقة من السيرة الذاتية الكاذبة أو المزورة.

وهو من جهة ثانية يعتمد على مصادر الكاتب الأخرى في معرفة مدى صحة ما يرويه الكاتب في سيرته “فلكي نحدد هل نحن بصدد سيرة ذاتية أم لا يكون من اللازم أن نعرف عن طريق مصادر أخرى حياة الكاتب.. وبما أن معظم كُتّاب السيرة الذاتية معروفون بأنهم قد حققوا شيئًا قبل كتابة قصة حياتهم فلن يكون من الصعب بصفة عامة التعرف على النصوص التي تعتبر ثمرة مشروع كتابة سيرة ذاتية والنصوص الأخرى التي ترجع إلى الخيال. [33].

ويشكل موضوع النص الملحق ظاهرة لافتة للنظر في سيرة رضوى عاشور الذاتية، وذلك بسبب الطابع الإحالي المرجعي الذي ظهر بشكل واضح في أكثر من موضع في السيرة. ومن ذلك تعليق المؤلفة على روايتها “الرحيل” الجزء الأخير من ثلاثية غرناطة “في عام 94 جاء مريد إلى القاهرة، وكانت فترة نفيه ما زالت قائمة. أتى بإذن خاص يتيح له الإقامة في مصر لأسابيع معدودة. كنت قد بدأت في كتابة ‘الرحيل’ الجزء الثالث والأخير من ثلاثية غرناطة. [34].

إن رضوى عاشور أديبة كتبت في معظم الفنون الأدبية كالرواية والرواية القصيرة والمقالة وغيرها، وكانت تجد في أعمالها الأدبية ميدانًا واسعًا للحديث عن تجاربها واستعادة كثير من الأحداث التي مرت بها في حياتها في هذه الأعمال، ورسم بعض الشخصيات الروائية التي تشبه شخصيتها من بعض الجوانب. وهنا، يتضح الطابع الإحالي المرجعي بالسيرة، عندما تحيلنا رضوى إلى خارج النص، إلى بعض كتاباتها الأخرى التي ترجع إلى ما قبل كتابة سيرتها الذاتية، ومن ذلك روايتها القصيرة “سراج” وبطلتها “آمنة” التي “تتبعت حكايتها إلى أن نشرتها باسم ‘سراج’. انتهيت من الرواية، وهي رواية قصيرة لا تتجاوز المئة صفحة، في شهرين أو أقل قليلاً. [35].

كما تعد شخوص رضوى عاشور النسائية علامات مميزة في منجزها السردي كله. ولذلك؛ تحيلنا الكاتبة في الفصل الحادي والعشرين من سيرتها إلى شخصيات أو بطلات أعمالها مثل (آمنة/رواية سراج) و(ندى/رواية فرج) و(مريمة/ثلاثية غرناطة) و(رقية/الطنطورية)، فتقول “تأتيني لا أدري من أين، امرأة اسمها آمنة أو مريمة أو ندى أو رقية، يشرد الخيال خلفها ليلتقط لحظة عاشتها أو بيتًا أقامت فيه”. [36].

وهكذا يعد النص الملحق وسيلة أخرى من الوسائل الخارجية عن النص، أسهم في فهم بعض جوانب النص السيرذاتي، وتعزيز الميثاق الخاص به، كما وجّه القارئ إلى أن ما يقرأه في السيرة الذاتية دقيق وصادق مع الحقيقة التاريخية.

وفي النهاية نجد أن السيرة الذاتية تفترض نوعًا من الاتفاق أو التعهد أو الميثاق بين الكاتب والقارئ بشأن حقيقة النص وصدقه. وهذا الميثاق يتم بشكل من العرف الأدبي، كوجود نظام من العلامات الدالة على النوع الأدبي تظهر في النص أو على ضفافه (عنوان الكتاب، أو المقدمة، أو كلمة الناشر)، وعند تفسير تلك العلامات فإنها تدلنا على أن النص يهدف إلى تقديم القصة الحقيقية لحياة الكاتب، كما تحثنا على تقبلها كما هي. واعتمادًا على وضوح تلك العلامات التعريفية الخاصة بالنوع الأدبي، يمكن أن يكون ميثاق السيرة الذاتية “واضحًا” صريحًا/معلنًا، أو “متضمنًا” بالتلميح.

واعتمادًا على ما سبق يتضح لنا أن سيرة رضوى عاشور الذاتية هي سيرة ذاتية صريحة واضحة، كما تمّ الإعلان عنها في عنوان السيرة الفرعي، وقد أيد ذلك:

أن البطلة يُشار إليها في النص باسم “رضوى”، كما أن الكتاب -كما هو مُثبت على غلافه- من تأليف “رضوى عاشور”، والسرد جاء بضمير المتكلم على لسان الرَاوية “رضوى” وهي البطلة في الوقت ذاته. وهنا تحقق التطابق بين المؤلفة والرَاوية والمروي عنها.

أن مقدمة العمل قد حددت نوعه بوصفه سيرة ذاتية تحكي قصة حياة الكاتبة رضوى عاشور وثوثّق تجربتي المرض والثورة.

أن كلمة الناشر وآراء النقاد وحوارات الكاتبة قد صنّفت العمل على أنه سيرة ذاتية لصاحبتها كتبتها وهي في الرابعة والستين من عمرها.

أن الراوية/ المؤلفة قد أحالت أجزاء من سيرتها إلى أعمال أدبية أخرى ألفّتها بالفعل قبل كتابة السيرة.


الهوامش:

[1] James Goodwin: autobiography, the self made text, twayne publishers, New York, 1993, p. 15- 16

[2] جيرار جينيت: خطاب الحكاية، بحث في المنهج، مجموعة مترجمين، المشروع القومي للترجمة/10، المجلس الأعلى للثقافة، ط2، 1997، ص15.

[3] خليل شكري هياس: سيرة جبرا الذاتية في (البئر الأولى وشارع الأميرات)، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001، ص 8.

[4] رضوى عاشور: أثقل من رضوى، مقاطع من سيرة ذاتية، دار الشروق، القاهرة، ط 1، 2013، ص 384.

[5] يحيى إبراهيم عبدالدايم: الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث، مكتبة النهضة المصرية، 1975، ص 22.

[6] رضوى عاشور: أثقل من رضوى، مرجع سابق، ص 6.

[7] عبد الملك مرتاض: في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، عالم المعرفة/ 240، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1998، ص 184- 185.

[8] جيرار جينيت: خطاب الحكاية، مرجع سابق، ص 262.

[9] فيليب لوجون: الميثاق والتاريخ الأدبي، ت: عمر حلي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط 1، 1994، ص 8.

[10] صبري حافظ: رقش الذات لا كتابتها، تحولات الاستراتيجيات النصية في السيرة الذاتية، ضمن لغة الذات: السير الذاتية والشهادات، مجلة ألف، العدد 22، 2002، ص 7- 8.

[11] خليل شكري هياس: سيرة جبرا الذاتية في (البئر الأولى وشارع الأميرات)، مرجع سابق، ص 20- 21.

[12] رضوى عاشور: أثقل من رضوى، مرجع سابق، ص 377.

[13] المرجع السابق، ص 183.

[14] المرجع السابق، ص 292.

[15] محمد الباردي: إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2000، ص 240- 241.

[16] عفاف البطاينة: تمثيلات الأنا والآخر في رواية ظل الشمس لطالب الرفاعي، مجلة فصول، العدد 75، شتاء/ربيع 2009، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص 194.

[17] خليل شكري هياس: سيرة جبرا الذاتية في (البئر الأولى وشارع الأميرات)، مرجع سابق، ص 26- 28.

[18] رضوى عاشور: أثقل من رضوى، مرجع سابق، ص 7.

[19] المرجع السابق، ص 271.

[20] المرجع السابق، ص 252.

[21] خليل شكري هياس: سيرة جبرا الذاتية في (البئر الأولى وشارع الأميرات)، مرجع سابق، ص 45.

[22] فيليب لوجون: الميثاق والتاريخ الأدبي، مرجع سابق، ص 35.

[23] تيتز رووكي: في طفولتي، دراسة في السير الذاتية العربية، ت: طلعت الشايب، المشروع القومي للترجمة/500، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط 1، 2002، ص 116.

[24] المرجع السابق، ص 117.

[25] راجع مقال محمود عبد الوهاب: أثقل من رضوى، فصول من سيرة رضوى عاشور الذاتية، ومقال د. مصطفى رجب: أثقل من رضوى، من تضليل التناص إلى اقتناص الجوهر، مجلة الثقافة الجديدة، فبراير 2014، العدد 281، ص 43، ص 53.

[26] رضوى عاشور: شعارات الثورة المصرية لم تتحقق، حوار: سلوى عبد الحليم، مجلة الحياة، مايو 2014.

[27] عبد الواحد بن ياسر: الخطاب المقدماتي، علامات، الجزء 47، مارس 2003، ص 626.

[28] رضوى عاشور: أثقل من رضوى، مرجع سابق، ص 8.

[29] المرجع السابق، ص 7.

[30] ميشال بوتور: بحوث في الرواية الجديدة، ت: فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت/باريس، ط 3، 1986، ص 127.

[31] حميد لحمداني: بنية النص السردي، من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط 1، 1991، ص 59.

[32] محمد الهادي المطوي: المتعالي النصي والمتعاليات النصية، المجلة العربية للثقافة، العدد32، 1997، ص 185.

[33] فيليب لوجون: أدب السيرة الذاتية في فرنسا، المفاهيم والتصورات، ت: ضحى شبيحة، مجلة الثقافة الأجنبية بغداد، العدد4، 1984، ص 29-31.

[34] رضوى عاشور: أثقل من رضوى، مرجع سابق، ص 250.

[35] المرجع السابق، ص 252.

[36] المرجع السابق، ص 252.

———————-
نهلة راحــل : كاتبة من مصر

 

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى