مدخل إلى التحليل البنيوي للمحكيات – رولان بارث (2)

0

– تحديد الوحدات:‏

تتألف كل منظومة من وحدات طبقاتها معروفة، ولذلك يجب، أولاً، تقطيع الحكاية، وتحديد أقسام الخطاب السردي التي يمكننا توزيعها على عدد صغير من الطبقات؛ وبكلمة واحدة، يجب تعيين أصغر الوحدات السردية.

ووفق المنظور الاندماجي الذي عرفناه هنا، لا يمكن للتحليل أن يكتفي بتعريف توزيعي خالص للوحدات: يجب أن يكون المعنى، منذ البداية، هو معيار الوحدة: إن السمة الوظيفية لبعض أجزاء القصة هي التي تصنع الوحدات فيها: من هنا يأتي اسم الوظائف الذي أعطي مباشرة لهذه الوحدات الأولى. يقسم كل جزء من القصة، منذ عهد الشكلانيين الروس18 إلى وحدة، ويقدم هذا الجزء كنهاية علاقة.

إن روح كل وظيفة، هي بذرتها، إذا جاز التعبير، مما يسمح لها بزرع عنصر في الحكاية ينضج لاحقاً، على المستوى نفسه، أو على مستوى آخر: إذا كان فلوبير قد أخبرنا في عمله (قلب بسيط)، وفي لحظة معينة، أن بنات معاون قائد الشرطة في مدينة leveque Pont كن يمتلكن ببغاء، فذلك لأن هذا الببغاء سيكون له أهمية كبيرة، بعد ذلك، في حياة فيليسيتي: إن التعبير عن هذا التفصيل (مهما يكن الشكل اللساني)، يشكل، إذن، وظيفة، أو وحدة سردية.

هل لكل شيء في الحكاية وظيفة؟ وهل لكل تفصيل مهما صغر معنى؟ هل يمكن أن تقسم الحكاية إلى وحدات وظيفية، بصورة كاملة؟ سنرى هذا لاحقاً، ولكن مما لا شك فيه أن هناك نماذج عديدة من الوظائف: لأن هناك نماذج عديدة من العلاقات. ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن بناء الحكاية يقوم دائماً على وظائف: وكل شيء فيها يحمل دلالة، بدرجات مختلفة.

وهذه ليست مسألة فن (من قبل السارد) ولكنها مسألة بنية: إن ما يسجل، ضمن نظام الخطاب، يستحق الذكر، في الأصل، عندما يبدو تفصيل معين دون معنى، ومتمرداً على أي وظيفة، فإنه يحمل، على الأقل، معنى العبث أو اللا فائدة: إذا لم يكن للشيء معنى انتفى وجوده. يمكننا القول بطريقة أخرى إن الفن لا يعرف الضجيج (بالمعنى الإخباري للكلمة)19: إنه نظام خالص، ولا وجود للوحدات الضائعة20، وسواء كان الخيط طويلاً أم واهناً، أم متماسكاً، فإنه هو الذي يربطها بأحد مستويات القصة21. إن الوظيفة، من وجهة نظر لسانية، هي وحدة من المضمون: هذا يعني أن الملفوظ هو الذي يشكل المضمون ضمن وحدات وظيفية،22 وليس الطريقة التي عبر بها عن هذا المضمون.

هذا المدلول التأسيسي يمكن أن يمتلك عدداً من الدوال المختلفة، مراوغة غالباً: إذا قيل لي في (غولدفينجر) إن جيمس بوند رأى رجلاً في الخمسين من عمره، فإن هذه المعلومة تنطوي على وظيفتين، في وقت واحد، وتأثيرهما غير متوازن: إن عمر الشخصية يندمج، من جهة، ضمن نوع من الصورة الشخصية (وفائدة ذلك ليست معدومة في الحكاية، ولكنها منتشرة، ومؤجلة)، ومن جهة أخرى، إن المدلول الآني للملفوظ هو أن بوند لا يعرف محاوره المستقبلي: تتطلب الوحدة، إذن، علاقة قوية جداً، (انفتاح خطر معين، وإلزام بالتحقق).

من أجل تعيين الوحدات السردية الأولى، من الضروري، إذن، ألا نضيع، أبداً، من أمامنا السمة الوظيفية للأجزاء التي نفحصها، وأن نقبل، مسبقاً، أن هذه الأقسام لا تتطابق، بصورة قدرية، مع الأشكال التي نعرفها، تقليدياً، في مختلف الأقسام من الخطاب السردي (أفعال، مشاهد، مقاطع، حوارات، حوارات داخلية إلخ..)، وبصورة أقل، مع طبقات ((نفسية)) (مثل التصرفات، والمشاعر، والأهداف، والدوافع، وعقلانية الشخصيات).‏

وبالطريقة نفسها، عندما لا تكون لغة السرد هي لغة الكلام الملفوظ على الرغم من أنها تدعمها غالباً، فإن الوحدات السردية ستصبح جوهرياً مستقلة عن الوحدات اللسانية: من المؤكد أن هذه الوحدات يمكن أن تتطابق، ولكن ليس باستمرار؛ وستُقدم الوظائف، تارة، عبر وحدات أعلى من الجملة (مجموعات من الجمل بمقاييس مختلفة، وحتى إلى العمل في كليته)، وتارةً أخرى عبر وحدات أدنى من الجملة (مثل التركيب التعبيري، والكلمة، وحتى ضمن الكلمة بعض العناصر الأدبية فقط)؛23 عندما يقال لنا إن بوند يناوب في مكتبه، ويعمل في قسم سري.

وفجأة يرن الهاتف (يرفع بوند إحدى السماعات الأربع)، فإن الرقم أربعة يشكل لوحده وحدة وظيفية، لأنه يحيل إلى تصور ضروري لمجموعة القصة (وهو التقنية البيروقراطية العالية)؛ في الواقع، إن الوحدة السردية هنا ليست هي الوحدة اللغوية (الكلمة) ولكن فقط قيمتها الدلالية (لغوياً، لا تهدف الكلمة أربعة أبداً التعبير عن ((الأربعة))؛ هذا يفسر أن بعض الوحدات الوظيفية يمكن أن يكون أدنى من الجملة، مع بقائها تابعة للخطاب، إنها تتجاوز، عندئذٍ، ليس الجملة التي تبقى مادياً أدنى منها، ولكنها تتجاوز مستوى الدلالة الذي ينتسب، مثل الجملة، للسانيات بالمعنى الدقيق للكلمة.‏

ـ ترجمة : غسان السيد

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.