“دفنَّا الماضي”: نصفُ قرن على رواية تأسيسيّة

0

 

ليس هناك اتفاقٌ تامّ، حتّى اليوم، بين النقّاد المغاربة حول نشأةِ الرواية المغربية أو تاريخ صُدور أوّل نص روائي، على عكس الحال في المشرق، حيث هناك إجماع كامل تقريباً على رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل كأوّل عمل روائي مُكتمل في الأدب المصري والعربي. الخلافُ الذي لم يُحسم بعد حول هذا النصّ الأوّل، باعتباره حجر الأساس أو الانطلاقة الحقيقية لمسيرة الفن الروائي في البلاد، راجعٌ في الواقع إلى تفاوتِ قيمة النّصوص الّتي تقترب من جنس “الرواية”، خصوصاً تلك التي صدرت خلال النّصف الأول من القرن العشرين، وبالتّالي تعدّد القراءات حسب المنظور النقدي والمنهجي لكلّ ناقد أو مؤرخ أدبي.

أغلبُ النقّاد يعتبرون كتاب “الزاوية” لمؤلّفه التّهامي الوزّاني، الصادر سنة 1942 في تطوان، أوّلَ نصٍّ روائيّ مغربي باللّغة العربية، رغمَ أنّه بالأساس عملٌ أوتوبيوغرافي يسردُ وقائع حيّة من طفولة وحياة الكاتب وتكوينه الروحي في إحدى الزوايا الصوفية، إذ يُعلن التهامي الوزّاني منذ البداية هدفَه الصّريح دون مواربة: “أريدُ أن أتحدّث عن صفحة من أجمل صفحاتِ حياتي، تلك هي حياة الرّهبانية والانقطاع للعبادة والتفرّغ لما يطهّر النفس ويهذّبها. فلا بدّ من ربطِ هذه الفترة الزّمانية بعصرٍ سبقها كنتُ فيه صُوفياً بطريق الوراثة والنّشأة”. من هذا المقتطف يظهر بجلاء الطّابع السيري الذي وسمَ باقي صفحات “الزاوية”، لكن تبقى ميزة هذا الأخير أنّه كُتب بأسلوب أدبيّ مختلف عن أسلوب القصص والمقالات الصحافية المتداول خلال تلك الفترة.

هناك أيضاً من النقاد مَن يرى أنّ أوّل عمل روائي هو كتاب آخرٌ، كان مجهولاً لفترة طويلة، يحمل عنوان “طه”، لمؤلفه أحمد السكوري، وقد صدر سنة 1941. بل منهم مَن يعود إلى سنة 1932، ويعتبر “الرحلة المراكشية” لابن المؤقّت هي أوّل رواية مغربية، وهي رحلة متخيّلة تُعيد صياغة الواقع بغاية انتقاد القيم الفاسدة في المجتمع واعتماد خطاب إصلاحي محافظ. لكن ما يلفت في هذه النصوص، حسب بعض الآراء، أنّها تبقى في مجملها نصوصاً “ما قبل – روائية” أو “شبه – روائية” في أحسن الأحوال، ولا ترتقي إلى مستوى الرواية، لأنها تستدعي فقط تاريخ الذات وأخبار المجتمع وتركّز في الغالب على سرد تجارب حياتية خاصة كالتّربية والتّعليم والعائلة.

في عقد الخمسينيات، صدر كتاب بعنوان “في الطفولة” (1957) للكاتب عبد المجيد بنجلون. هذا الكتاب يمكن اعتباره فعلاً أوّل سيرة ذاتية – روائية مكتملة في الأدب المغربي الحديث، إلّا أنّه مع ذلك ليس روايةً بالمعنى المتعارف عليه حالياً، ولهذا نجد الخلاف بشأنه مسمرٌّ فيما يتعلّق بأحقّيته أن يكون أوّل نص روائي مغربي.

لكن، بعد سنوات من حصول المغرب على استقلاله، ستتغيّر كثيرٌ من المعطيات والأوضاع في البلاد وسينعكسُ ذلك مباشرة على الإنتاجِ الثقافي وجودته مقارنةً بفترة الحماية. هكذا، ستتحرّر الأقلامُ تدريجياً من أَسر الكتابة الذاتية التي شاعت وميّزت المرحلة السابقة، ليدخل الأدب المغربي في مرحلة تأسيسية حقيقية في أجناس مختلفة، من ضمنها الرواية. خلال هذه الفترة، ستصدرُ رواية مهمّة بعنوان “دفنّا الماضي”، في عام 1966، للصّحافي والأديب عبد الكريم غلّاب، الّذي أصدرَ عاماً قبل ذلك كتاباً بعنوان “سبعة أبواب”، يوثّق لتجربته في سجون الاحتلال الفرنسي.

يُمكن اعتبار “دفنَّا الماضي”، لأسباب كثيرة وَجيهة، أوّلَ روايةٍ مغربية حقيقية مكتملة الشّروط الفنية. فهي دشّنت لوعيٍ أدبيّ جديد ومتطوّر على مستوى الكتابة للتّعبير عن حالات اجتماعية وإنسانية معيّنة بمهارة فنّية عالية، فضلاً عن كونها وثيقة نجحت في وصف أطوار الصّراع والانتقال في المجتمع المغربي حين كان يحاول التخلّص من أغلال الماضي وقيوده الّتي استحقّت الدّفن، لينخرط في زمنه الحاضر بمشاكله وتعقيداته ويعانقَ المستقبل بآماله وتطلّعاته. ورغم أنّ هذه الرواية تعرّضت لانتقادات عنيفة في فترات سابقة، لأسباب إيديولوجية محضة، باعتبارها رواية تقليدية شكلاً ومضموناً وخيالاً، تعجّ بالكليشيهات والصور الإثنوغرافية الفلكلورية لظواهر اجتماعية عدّة، ولم تتجاوز النّظرة السطحية أحياناً للغوص عميقاً بدواخل الشخصيات، إلّا أنه يمكن أن نغفِر لها مثل هذه الهِنات والنواقص، شأنها شأنَ أيّ تجربة أدبية تأسيسيّة، ليس مهمّاً أن تكون في غاية الجودة والكمال، بقدر أن تكون متوفّرة على الشروط الفنّية الضروريّة التي تسمحُ باعتبارها رواية، وهو واقع الحال بالنسبة لـ “دفنّا الماضي”.

إنّ وجهة النّظر الأكثر إنصافاً وموضوعيةً، في رأيي، هي التي تعتبر “دفنَّا الماضي” أوّلَ رواية مغربية بالمعنى الأوروبي لكلمة Novel. لقد اشتهرت هذه الرواية وانتشرت في العالم العربي منذ أواخر الستينيات، وتُرجمت إلى اللّغة الفرنسية، وهذا يعود إلى استيفائها كلّ الأسس الفنية والجمالية للرواية الحديثة، ولو بمقاييس فترة صُدورها على الأقلّ. كما يُحسب لها أنّها حاولت أن تكون ندّاً للرواية المشرقية، تلك التي مثّلت بالنسبة لجيلِ عبد الكريم غلّاب، وباقي الروّاد المغاربة، المرجعَ الأوّل والأخير والمثال المُحتذى في الفنّ الروائي.

أخيراً، لا يمكن أن ننسَى دورَ عبد الكريم غلّاب الذي حاول السّير على خُطى نجيب محفوظ في تأصيل وتحديث الرواية المغربية. فهو وإن لم يحقّق إلّا القليل ممّا طمح إليه، وأقلَّ القليل ممّا حقّقه محفوظ بالنسبة للرواية المصرية والعربية، ربّما لأنه لم يستثمر ريادته جيّداً لخوض مغامرة التّحديث والتّجريب إلى أبعد مدى، رغم غزارة إنتاجه القصصي والروائي والصحافي منذ الستينيات إلى بداية الألفية الثالثة، إلّا أنّ هذا لا يبخس من قيمة التّأثير الكبير لهذا المثقّف الوطني اللّامع والأديب المتعّدد الاهتمامات، على جيلِ ما بعد الاستقلال وما تلاهُ من أجيال.

إنّ عبد الكريم غلّاب يستحقّ، عن جدارة، أن يُذكر اسمُه دائماً كأحد الروّاد المؤسّسين في الأدب المغربي الحديث، فقد نجحَ في مهمّة عجز عنها كثيرون من قبل، تمثّلت في تجاوز عائق كبير، هو تأخُّر ظهور الفنّ الروائي في المغرب مقارنة بالمشرق العربي، وبذلك يمكن القول أنّ “دفنّا الماضي” يسّرَت للرواية المغربية الخروج نهائياً من لحظات المخاض الطّويلة التي مرّت بها.

————–

نجيب مبارك : كاتب ومترجم مغربي 

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.