سرديات

“من خشب وطين”.. محمد الأشعري يَقترحُ روايةً تفكيكية

رواية “من خشب وطين” هي أحدثُ أعمال الكاتب المغربي محمد الأشعري، صادرة في أواخر 2021 عن دار المتوسط، في 356 صفحة، وهي تنضاف لأعماله السردية الرصينة المُتتالية كعلامة فارقة في التجربة الروائية المغربية.


إنها رواية عابرة للحدود التخييلية، غير عابئة بمُواضعات التحديدات بين الأحياء. في هذا الصدد، يقول السارد “لقد أصبحنا صديقين؛ كنت أقول لنفسي، وكان ذلك يملؤني بشعور قوي بأهمية صداقة من هذا النوع، باعتبارها صداقة في المطلق، لا بداية ولا نهاية، وليس فيها حساب ولا مصالح، ولا حتى مشاعر سهلة”، ص 17.


إن هذه العلاقة في المُطلق بين كائنٍ حي من البَشر وكائن حَيٍّ من الطبيعة، أنتجتْ كتابةً مُتَحرِّرة من صَلافة المُحدِّدات والمُواَضَعات الصارمة، وأقربَ إلى الكتابة في المُطلق. يقول الساردُ عن إبراهيم “مرات كثيرة تَصور أن أجمل ما سيحصل له هو أن يتمكن ذات يوم من التعرف على النحل واحدة واحدة، كأنهم فعلًا أطفاله، أو كأنه واحدة منها.

خرجت ذات صباح من الدودة وحلقت عجلى، لتنقذ الحياة”، ص 24، فحركةُ الكوكب تتأسس على حكايات وعلائق دقيقة بسيطة تَمُرُّ بنا في كل لحظة من دون أن نُدرِك ذلك، بينما نحن مأخوذون بالهائل والكَمّي، ولو اختلّ شَرْطٌ بسيط، أو تَعثّرت حكاية بسيطة بين عُنصُرَيْن لأَنْتَجتْ معنى آخر، من ذلك ما يَحدث في رابطةٍ بدأت تَتَبَرْعَم بين إبراهيم والقنفذ “يَنْسي” وجماعات النحل.


في المستوى الرمزي، فإن النحل عملٌ جماعي، تضحيةٌ مشتركة، إنتاجٌ عِلاجي، وتَخصيبٌ للمجال العام، لذلك فالاستغناءُ عن النحل وهَجْرُه فيه هَجْرٌ لِقَيَمٍ، واستغناء عن مبادئ مُعيّنة، وانغماس في أتون النجاح والخلاص الفردي تحت نَيْرِ المِلْكية وعبادة الذات، لهذا فالكاتبُ عَبْر القلق الإبراهيمي في روايةٍ تَعرِض مُقابَلةً بين نِظاميْن من القيم والوجود والاختيارات بنَفَس بارودي لاذِع، يدعو إلى العودة لمنظومةِ قيمِ الجماعة وتَقليص مَساحة النَّهَم والشَّرَه الإنساني، حتى إن الكاتب أنطَق القُنفذ “يَنْسِي”، وأجرى على لسانِه كَلاما، بعد أن تَسَلّل القُنفذُ من السيارة، بينما يسعى إبراهيم والطبيبة بريجيت لإعادته إلى الغابة، حيث مجالُه الحيوي، ليَفَرّ في غفلة منهُما إلى الواجهة التجارية مَرجان، حيثُ بَحث لنفسِه عن مكانٍ بين رُفوف البضائع، وتَآلف مع الوضع الوجودي الجديد.

 

 


الملاحظ أن هنالك هجرةً اختيارية مُتَضادة مُشْبَعة بفلسفة الاستغناء عند المَقْدِرة، فإبراهيمُ إطارٌ بنكي عالٍ، يَتنازل عن حقوقه عند طلاق زوجته مُتَجَرّدًا من دوافع المِلْكِية والاكتساب، يُجَدِّفُ خارج نَسَق دِين النجاح المُعاصر الذي استعبد الإنسانَ، ويأوي إلى الغابة.

في المقابل، فإن الحيوان القنفذ يَفِرُّ إلى صخَبِ المدينة، يَتسَلَّل إلى ضيعةٍ قريبة من سوق مَرجان، هناك يَجد لنفسِه قُنفذة تُؤنِسُه في عيْشه الجديد مُدةً من الزمن، قبل أن تُسيطر الهلوسات على خيال السارد، فيجعلَ للقنافذ طفرةً وجودية تَخرج بها عن طبيعتها، وتَجْنَحُ نحو الخَارِق، مثلما حدث للإنسان، أو بفعلِ عبث الإنسان في الأرض، وخُرُوجِه عن سُنَنِ الطبيعة.


  • الوعي التفكيكي في الكتابة

هي روايةٌ نَزلتْ من إغراء الماكرو والقضايا الطَّنّانة، إلى المِيكرو، لتَهْزَأ بِقُوَّةٍ من مفاهيم: الهائل، الكبير، المَهيب، الشهير، الإجماع… وتَرْنُو نحو إعمال التأمُّل والتَّدَبُّر في التفصيلي، الدقيق والجوهري، لأنها رواية مكتوبة برؤية تفكيكية، تقول لنا إن المركزي في الأذهان ليس هو جوهر العالم بالضرورة، وإن عبارةً تَفصيلية، أو عُنصرًا صغيرًا مُهْمَلًا أو مُلْحَقًا، هو بالفهم التفكيكي جوهري في نَصِّ العالم والحياة.

إنها روايةٌ لاسِعةٌ عبر رؤية تفكيكية، مُوقِظة من طمأنينةِ اليَقينيات والتَّصنيفات، دافعةً إلى إعادة  فَهمِ وتَرتيبِ، بل إعادةِ صياغة العلاقة بين الذات والعالم، بين روح الإنسان وروح الطبيعة، لذلك فهي روايةٌ تُعيد إلى ذاكرة تاريخ الأدب تلك النزعةَ الرَّعَوِيّة في الأدب العالمي وصولًا إلى الحركة الرومانتيكية بمعناها الفلسفي الثوري على الأنماط.

إنها عودة الانسان إلى طينيَّته، مَجاله الوجودي الأصلي، ومُصاحَبَة الروح الفطري الأول بعيدًا عن ابتداعات الإنسان التي اجترَحَها بِدافع التطوُّر والمُعاصَرة، لكنه صار ضحيَّتَها، فيما يُشبِه بطولةً تراجيدية في الحياة والتاريخ، فقد اجتهدَ الإنسانُ وكَدّ في صناعة مُقوِّمات ومَفاهيم أَفردَ لها كلَّ مساره التاريخي، ليصير في النهاية عَبْدَها وأَسيرَها.

بكتابةٍ تفكيكية، يبدو الروائي هنا مثل مُنقّب، يُصَفّي المادة الإنسانية من الشَّوائب والزَّوائد، ويُخلِّصُها مِمّا عَلِق بها من أدْران الطمَع والجَشَع المُهْلِك، نُزوعًا نحو البديهي، والجوهري عبر الاكتفاء، فَنَصُّ “من خشب وطين” نشيدٌ شِعريٌ أبدي في مَديحِ الجوهر، وتَمجيدِ الاستغناء، يَضع الإنسانَ أمام فَداحة اغترابه عن الجوهري فيه، واصْطِلائه بأَتُون العادة وسُلطة الاستهلاك، واللُّهَاث خَلْفَ خُدَعٍ كُبرى يَجعلُها مَركزية في الحياة والتجربة الوجودية، مثل سُعار النجاح والتَّملُّك، بينما هناك مَفاهيم ومعانٍ يَغفل عنها يُقلِّل من شأنها، بينما لو عاد إليها وأجرى فيها التأمُّل، عندها سيكتشف قَدْرَ جوهريتِه وأصالَتِه الانسانية.

لذلك يمكن القول إنها روايةٌ مَكتوبة ومُشَيّدة من خشب وطين، مادّتان أَوليان من صُلب الطبيعة والتَّجلّي المباشر لعناصر الأرض، ولا طين ولا خشب من دون ماء، به يكون الطينُ، وبه يصيرُ الخشبُ. إذن، هو بحثٌ سردي جمالي في الجوهر، وعن الجوهر والمعنى الكوني الأساسي الخالي من شَوَائب وزَوَائد الجَشع الإنساني. وإذا ما انزَحْنا في الدلالة بعيدًا، فإبراهيم الذي بَنى بيْتًا من خشبٍ وطين باحِثًا عن تأسيسِ طَوْرٍ جديد من تجربة الإنسان وتاريخه، إنما هو القرينُ الرمزي للنبي إبراهيم، الذي شَيَّد البيتَ المَعمور بما أنه  بدايةُ طَوْرِ جديد للوضع البشري في علاقتِه بخالِقِ الكون.

وهو أيضًا شبيهٌ بسفينة نوحٍ من الخشب، ونَجاتها على الماء، نوحُ الذي حسَب السرديات الاعتقادية شَكَّل استئنافًا للوجود الإنساني على الأرض. إننا نقرأ ما جاء “من خشبٍ وطين”، فنرى كاتبًا حالِمًا في مَشروع إعادةِ الخليقة إلى نقطة البدء، من خلال حركةِ الإياب واللجوء إلى الغابة، وبناء بَيتٍ طيني كأنما نَبَتَ من رحِمِ الأرض، نَراه حالِمًا بالعودة إلى الطبيعي والفطري، والبديهي في الإنسان، عودةٌ للمجال الحيوي خالية من أَدْران التطورات الشائِبة والشائِنة التي جَنحتْ بالإنسان عن إنسانيته وطبيعته، فوَرّطَتْه في عُبوديةِ الاستهلاك والاستحداث المُطَّرد “في زمن يتسابق فيه العالم على إبادة الحياة فيما هو يعتقد أنه يتسابق لإنتاج الوفرة”، ص187.

 

 

 


إن الخشب والطين مادَّتان لا تَعْنِياَن شيئًا في البناء الحضاري المُعاصر، تَبدُوَان مُلْحَقًا أمام مركزيةِ وسائل الإعمار الإنساني والتطوُّر الرقمي والتكنولوجي والروبوتي المَهيب، لكنهما تَصيران أُسًّا إنسانيًا في الوجود جَرّاء عملية التفكيك التي يَجترحُها الكاتب، كأنما ليَكشِف زيفَ الادعاءات والاختيارات القائمة المُرَسّخة، ويُحَطِّمُ أوثانَ عبادةِ التقنية، من صنف “الهواتف الذكية التي يفوق تعدادها عددَ الأذكياء في الكوكب”، ص 153.

حيث ابتكر الإنسان أشياء ذكية تَخلّص بها من ذكائه. والحال هذه، فالنصُّ شبكة تفكيكية مُعقَّدة من الشخوص والأحداث والأفكار والخَواطر والتواريخ، بل هو غابةٌ كثيفة من العلائِق والصِّلات، والمَسَارب والأَخاديد والجُذور المُتشابِكة في جماليةٍ فنِّية مُذْهِلة صاغَها خَيَالٌ جامحٌ، بل إنه خيالٌ مَحموم ومَمْسُوس، يَصِلُ حَدَّ الهلوسة والفانتاستيكية المُتَمَرّدة على مَحدودية العقل والمُواضَعات الروائية المُعْتادة.


  • الكتابة الإيكولوجية


    إنه نصُّ القلق البشري العظيم على الوضع الإيكولوجي الذي يَتَهَدَّدُ الإنسانَ والمجالَ مَكتوبٌ في مستوى خيالٍ هارِبٍ عن مألوف المُتخيّل المغربي والعربي، إذ نحن إما طاقةٍ إبداعية نَزلتْ “مثل خيط حكاية تمده السماء، وما علينا إلا أن نمسك به، ونجذبه، لتنهمر على خيوط الحكاية كمطر جميل”، ص 163.

هذه الرواية البيئية في إحدى مُستوياتها لا تخلو من باروديا مُتَفَجِّعة مكتوبة بوعيٍ تاريخي وإيكولوجي يبدو معه الكاتبُ مثل أولئك الحَيارى، فَتَراه وتَقرأه يَشْطح بالخيال بعيدًا عن الابتذال الواقعي، كأنما يَسْخَرُ من المُمْكِنات ومن نَثرية الواقعي باعتباره وليدَ العادة التخييلية، ويَجْنَحَ بالمعنى نحو آفاق أرحب وأرقى من وسُع اليومي والمُتداوَل في النصوص وفي الواقع.

إن دعوة الكاتب إلى تفكيك شَرنقةِ الحياة المُعاصِرة، والأوْبَة إلى العلاقة السليمة والصحية مع الإيكولوجيا والفطرة الإنسانية، لا يتطلب بالضرورة “العثور على الجزء الوحشي من تاريخنا، لاستعادة فورة البدايات، يكفي أن نلتقط شيئًا جوهريًا، لنصبح في فجر الخليقة”، ص187، فحن نقرأ نَصًّا عن فلسفة المَجال الحيوي، وعن صعود الإنسان إلى الهاوية جَرّاء الإخلال بالنظام الإيكولوجي، نَصٌّ يَقع بين مَقام الألم ومَقام السُّخرية بعيدًا عن مِخْيال مَدينِية الرواية، ويُفْسِحُ المجالَ أمام نوْبةِ الغابة، وهي النوبةُ التي تَمْتَدُّ جُذُورُها في تُرْبة فُرْجة الثقافة الشعبية عند رُماة الصيد، بما فيها من أَزْجَالٍ وأغان، منها عنوانُ الفصل الثاني لهذه الرواية “وَرِّينِي وَحْشَكْ يَا لْغابة” المُقتبَس من إحدى تلك الأشعار الشعبية التي تَتَغنّى بحياة الغابة، ونِظامها، وأفضالها، فالأشعري يَنْظِمُ اليومَ واحدة من نَوْباتِ الغابة، فهو نَاظِمٌ ماهرٌ كواحد من شُيوخ الرواية، وحَكّاء حَيوي في هذه النوبة صديقةِ البيئة.

 

 

 

 


إنها قِطعةٌ أدبية أثيرة  قُدَّتْ من روحٍ إبداعية قَلِقة، فيبدو إبراهيم شخصًا مُهْتَمًّا بتجميع ما كُتِبَ وقِيلَ عن طوبوغرافيا وجغرافيا مجال غابة المعمورة، وقبائلها، بينما صديقُه في الحيرة والحياة، سُليمان أستاذُ الفلسفة في الجامعة، مَعنيٌّ بتدوين وكتابة جزء من يومياته التامُّلِية حول ما يَقع من أحداثٍ عامة وخاصة تتقاطع مع وقائعِ وشخصياتِ الرواية، بل ويَستعين بما تَكاثَف من وثائقِ وأرشيفِ إبراهيم، بينما يَستحضر الساردُ البَرّاني، أو المؤلِّفُ الضِّمني، سَعْيَ سُليمان إلى كتابةِ نَصٍّ، من ذلك أننا نسمع أصوات هذه الشخصيات وكأنها من مَخلوقات الرواية التي نَقرأها، بحيث تتحاور هذه الشخصياتُ مع المؤلِّف، وتُعبِّر عن مواقف وآراء، مثلما يفعل ذلك القُنفذ “ينسي”، إذ ذاك يُوهِمُنا الساردُ أنها وقائع، ثم يعود ويُقنِعُنا أنها هَلوَسات فقط، وبين هذا المَدِّ والجَزْر السردي نَتِيهُ في مَتاهةٍ إيكولوجية، هي غابةُ السرد الفني الباذخ النادر.

بينما هو يَتأهَّبُ لجولةٍ كُبرى مَشْيًا على الأقدام للذوَبان في مجالِ غابة المعمورة المُمْتَدّة، اعتقلَتْه جهاتٌ أمنية سِرِّية، قضى لَديْها زُهاءَ نصفِ سنة في مُعتقل سري لا يَعرفه، أجْرِيَتْ معه حوارات وتَحَرّيات حول هذه النقلة التحوُّلية الطارئة الخارجة عن القالَب التنميطي المَنصُوب والجاهز لكلِّ أفرادِ المُجتمع، هناك تفاوضوا معه على العودة لحياته الرتيبة الجاري بها العمل، ورَتَّبوا في غِيابه القسري كلَّ الأشياء والأمور، من عَودته لزوجته وللعمل البنكي، وطلاقه مع بيرجيت التي عادت للظهور بعد غيابٍ طارئ كَسر الخواطر.

إننا أمام خوف الجهات العُلْيَا من كل ما هو فردي، واستثنائي خارج عن مألوف العادة والسلوك الذي به تَحكمُ آلةُ التنميط العظيمة، وكأن السارد الضمني/ المؤلف يقول إن هذه التجربة السردية الخَيالية المارِقة، والمُجَدِّفة خارج سُنّة الكتابة الروائية بما تَحملُه من بذرة ثورية عن الأنماط الذهنية والاختيارات والأسئلة والإبدالات، وبما تطرحه من بدائل في الرهانات، تبدو خَطرًا عند حُرّاس التفكير وسَدنة الوعي.

لذلك فالكاتبُ لا يُنْهي الروايةَ المارِقة بعودة الشخصيات والأحداث إلى بؤرة الحياة النمطية التي منها تتولّد الأحداثُ وعنها يتفرّع السرد/ التخييل الجاري به العمل، بل كما بدأت حبكة الرواية جانِحةً مع القُنفذ “ينسي”، فإنها تَنتهي معه، أو تَنتهي فيه، بأن تعود الهَلوَسات إلى ذهنِ السارد، فيَخرُج إبراهيم من المُعتَقل ليصير قُنفذا بطَفرة جِينية سردية عَجائبية نَسْجًا على نَوْلِ الحكايات الخُرافية القديمة، وتَفاعُلًا مع الكافكاوية المُعاصِرة.

هو، إذن، تَقْعِيرٌ تَخييليٌّ وَصَلَ إلى تَحوُّلِ وحُلولِ الانساني في الطبيعي، أو التَذاوُت الأخوي بين الأحياء، بما يَرْمز إليه من نِداءٍ لعودةِ الإنسان إلى الفطري والحَيوي فيه، وإعادة الارتباط بالطبيعة كمُعطى وجودي أقرب إلى أصالة الانسان، وأكثر التحامًا بفطرتِه.


يُقدِّمُ محمد الأشعري كتابًا يُومِضُ بالتأمُّلات الوجودية التَّفكيكية، والأسئلة الكبرى مِن روحٍ قلقة مُلْتاعة لا مُسْتَقِرِّة ولا مُسْتَكِينة للعالَم، كتابٌ يُعْمِل مَعاولَ النَّقض والتفكيك والهدم في صُروح الأنساب النّقِية وادعاءاتِ الأصلانية الخالِصة، فلا وجود لأصلٍ صافٍ خالِصٍ، أما الشرفُ فهو استحقاقٌ فردي لا جمعي، هو الأصالة الفردية والنِّتاج الذاتي من قِيَمٍ شخصية ضِمْنَ العيش الإنساني المُشترَك، لا تلك الادعاءاتُ التَّصْنيفية التراتُبية بين الجماعات.

والكاتِبُ، بهذه الأطروحة النقيضة، يَنسِفُ الهيْمنةَ والأحَقِّيَّة والأفضليّة القائمة على فَرادة النسَب والشرَف والأصل، وما يَتِّصل بها من سُلطةِ الهيْمنة على الآخرين وتَمَلُّكِهم بسطوة ميتافيزيقية الأصل، ومُصادَرة وجُودِهم باسم تلك السلطة المُخاتِلة.

ومَهْمَا يَتِّضِحُ من عقلانيةٍ وعِلمَوِيّة صارمة، ومَعرفة تاريخانية، فإن كيمياء ولَمحاتٍ إشراقية تُضَوِّعَ النصَّ، تَتَخَلَّل طبقاتِه وتُفْصِح عن نفسْها في ومَضات حانِية تُعيد للذهن المُتَّقد رَوْنَقه وماءَه الذي به ومنه نَشأ أولَ مَرّة.


ضفة ثالثة

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى