على خطى الرائي

سعيد يقطين وتجديد الفكر النقدي العربي الحديث - مقاربات - حوارات - شهادات

 

التقديم بقلم الدكتور :  سعد بن عبد العزيز مصلوح

 


حِيْنَمَا يَصْدُقُ الرَّائِدُ أَهْلَهُ

أُريدَ لكلمتي هذه أن تحل في هذا المقام الكريم ؛ لتكون فاتحة سفرٍ جليل نرفعه إلى “سعيد يقطين”-نحن محبيه، والعارفين بفضله-؛حفايةً بمسيرته الدؤوب وبمنجزه المقدور الذي اغترق عقوداً أربعة في خدمة العلم، ولا يزال نبعا بجيسا كثير الوُرّاد للباحثين وطلاب المعرفة.

وإني لأَعُدُّ ذلك داعية شكر لرفاق الدرب المعرفي في المغرب العظيم، كما أراه من النعم السوابغ التي لا تستقل بشكرها الكلمات؛ فلعلي أكون واحداً من مراصد الاطلاع المشرقية الحريصة التي تراقب بالعَجَب والإعجاب تنزلات الأقمار من أعلام العلم والثقافة والأدب في سماوات العُدوة المغاربية المباركة، وأستهدي إشراقاتها في ما أقرأ وما أكتب، ولا غَرْوَ أن يكون المنجز اليقطيني اللافت واحداً من أسخى مصادر الإلهام والهداية.                


    والحق أن ثمة الكثير مما يستيقظ النظر المنصف في المسيرة الإنجازية للأستاذ يقطين؛ فراصدوها لا يرون فيها إلا انتقالا بصيرًا سلسًا بريئًا من النتوءات والقفزات التي لا يكاد يُعرفُ لها مسوغ ظاهر. ومنذ انطلاقه الأول صادرا عن المنظور البنيوي، ثم احتفاؤه وتَعَقُّله للمنظور البنيوي التكويني في دراسة الرواية، وجدنا الرواية تفضي به إلى عالم السرديات، ثم إنه يستحضر التراث لِيَشِجَ ما بينه وبين السرد والرواية، ثم يحمله حافز الانتماء والأصالة على أن يفتش للعربية وتراثها عن موقع لائق وفاعل في عالم النص المترابط وسرديات ما بعد الكلاسيكية؛ محتملا في ذلك أعباء الريادة في الكشف عن المجهول واستشراف المستقبل، وهو في كل ذلك لا يفارقه وقار الأكاديمي العليم بخفيّ المسالك والدروب، ورصانة الباحث التي تتجافى عن التعلق الساذج العَجول بأذيال ما تضجّ به السُّوح المذهبية في الغرب، إلا أن يَفْلِيَها ويروزها ويضعها على محك التعقل والانفهام.

والأستاذ يقطين يثني صدره معرضا عن طريق الذين استغشوا ثيابهم، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، كما أنه يتنكب سبيل من مَرَدُوا على الانبهار عن غير بصيرة بكل ما هو وافد مستورد، ومن كانت أعينهم في غطاء عن كنوز تراثهم، لا يغرُّه في ذلك عَرَضٌ قريبٌ ولا سَفَرٌ قاصد، ولَشَدّ ما فُتِنْتُ بتمييزه الفائق الرائق بين مفهومين مختلفين متكاملين ويعني بهما :”الناقد الأدبي” و”العالِم الأدبي“، وجَزْمَه بأن هذا التمييز لا يمنح أفضلية لأحدهما على الآخر؛ إذ لا غنى لأيٍّ عن أيٍّ، وتبشيره بمفهوم ما سماه “المهندس الأدبي” في معالجة النص العربي المترابط، ومَلْحَظَه النافذ في شأن ازدحام الساحات الجامعية بناقد الأدب دون العالِم به، في حين أن التوازن بين القبيلين مطلب مُلِحّ. ومرجوعُ الأمر ومَرَدُّه في افتتاني بهذا التمييز إلى أن علمية الدرس الأدبي -على تباين في المناحي والتفاصيل- كانت دائما غاية مطلوبة ومكونا ثابتا في عقيدتي العلمية.                                                                                    

وما بي أن أتحين سانحة التقدمة التي تاحت لي على يد الأصدقاء القائمين على أمر هذا الكتاب بأن أطيل الخياض بكلام شديد التحصيل والتفصيل في ما تضمنه من قضايا العلم ومسائله. وحسبي أن أؤكد حَقِّيَّة سعادتي وأنا أقدم هذا السفر الرائع بما يضمه بين دفتيه من إسهامات بحثية جادة، وشهادات صوادق، وحوارات هي على درجة راقية من المهنية والاحتراف، وقد قام على إنجازها ثلة ونخبة مصطفاة من أعلام الدارسين، كلهم يحتفي ويتدارس ويحاور منجز الأستاذ سعيد يقطين؛ بما هو عالم رائد مؤسس، فَرَقَ بنا بحرَ السرد، فضرب للباحثين فيه طريقا يَبَسًا لا خوف فيه على العابرين، ولا عائق يعتاق ما يصدر عنهم من التأمل والمعالجة والدرس على اختلاف المنظورات والمنهج يأتوا لإجراءات.

ولست أشك في أن الباحثين في قضايا السرد خاصةً والنص العربي عامةً، على اختلاف منازعهم ومنطلقاتهم  وقصودهم، وعلى تنائي بلدانهم وأصقاعهم في مشارق الأرض العربية ومغاربها، بل في كل مكان يكون فيه النص العربي موضوعا للدرس، مدينون للأستاذ سعيد يقطين ولمنجزه الرصين بالكثير في هذا المجال الذي أخلص له- ولايزال -جهده وعمره المعرفي، وكان فيه مثلا طيبا للرائي والرائد  الذي يصدق أهله.                                                           

 هذا؛ وإنا في الختام لَنَسْتَوهِبُ اللهَ لعالمنا الجليل بركة الوقت، ونعمة الصحة، وسكينة النفس، وهناءة البال، وأن يُصْحِبَه التوفيق أبدا، ويُقِيمَهُ على صراط التجويد والإتقان.                  

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.