سرديات

المتعذّر ترجمته – إشكاليّة ترجمة الحكاية الشعبية

  • مقدّمة

يُعتبر الولوج إلى عالم الحكاية الشعبيّة كجزء من التراث الشعبيّ لأيّة جماعة معيّنة، بمنزلة الولوج إلى ذاكرتها وذاكرة أفرادها؛ لما فيها من تكريس لجماعيّة أيّة جماعة بشريّة؛ فقد أجمع أغلب الدراسات على أنّ الحكاية الشعبيّة تبقى من أهمّ الأشكال التعبيريّة الّتي تصوّر لنا المجتمع وتنظر إليه من الداخل.


غير أنّ هذا الولوج لا يخلو من التساؤلات الّتي يثيرها هذا العالم، بدءًا من ماهيّة هذا الشكل التعبيريّ والمتنازع عليه بين الشفاهة والكتابة، مرورًا بخصوصيّته ومكامن فردانيّته، ووصولًا إلى دور التجربة اللغويّة نفسها مع هذا الشكل العابر للحدود، لعوامل زمكانيّة وأخرى لسانيّة واجتماعيّة.


يتطلّب تفكيك هذه الممارسة لغويًّا الأخذ بعين الاعتبار بعدها الأنثروبولوجي أيضًا؛ فدراسة الموروث الشعبيّ الحكائيّ تضعنا أمام عمل إنسانيّ أوّلًا وأدبيّ ثانيًا، والبحث في الحمولة اللغويّة للحكاية الشعبيّة يضعنا أمام مفاهيم أخرى ذات صلة بها، فلا يمكن البحث في هذا الفنّ دون الإحاطة بتلك المفاهيم الّتي تشمل ’الأسطورة‘ و’الخرافة‘؛ ممّا يضعنا أمام إشكاليّات متعدّدة.

تأخذ في عين الاعتبار كلّ هذه الجوانب الّتي تشكّل ماهيّة الحكاية الشعبيّة، إن كان زمن الكتابة يختزل زمن الظاهرة ولغة الظاهرة، فهل يجرّد العمل المترجم العمل الأصليّ من زمانيّته؟ وهل يعتبر التفكير في مفردات العمل بلغة جديدة خيانة للغة الّتي كتب بها؟ وماذا إن كان الحديث عن نصّ شفاهيّ؟ هل يُعَدّ تدوينه ترجمة؟ وإن كانت كلّ الشعوب تمتلك حكاياتها الشعبيّة الّتي تميّزها فما الّذي يحدّد فردانيّة هذه الحكايات؟ وما تمظهرات خصوصيّتها؟


  • الحكاية الشعبيّة

يمكن النظر إلى الحكاية الشعبيّة كمرحلة من مراحل حياة الإنسان القصصيّة، ترجم بها واقعه بأداء لغويّ يعبّر عنه، ولعلّ المثير في الحكاية الشعبيّة هو ارتباطها في أغلب الدراسات والبحوث بالجانب الاجتماعيّ؛ أي بما تحتويه من حمولة ثقافيّة واجتماعيّة تبرز جماعيّة الجماعة الّتي صدرت منه الحكاية.

لذا؛ فقد ارتبطت أغلب التعريفات الاصطلاحيّة بهذا الجانب، في الوقت الّذي تقلّ فيه الدراسات اللغويّة ذات الصلة بهذا الفنّ النثريّ، ولعلّ السبب الرئيسيّ يعود لارتباطها بالتراث الشفهيّ، وكذا للمواضيع الّتي عالجتها هذه الحكايات، والخطوة الأولى لدراسة هذا الفنّ هي محاولة تعرّفه لغة واصطلاحًا، والتقرّب من مفهومه.

فالحكاية لغةً، إذن، هي من حكى، كأن نقول “حكيت فلانًا وحاكيته؛ أي فعلت مثل فعله أو قلت مثل قوله، وحكيت عنه الحديث حكاية”[1]، ويقال “حكيت الشيء أحكيته، وذلك أنّ مثل الأوّل يقال في المهموز أحكأت العقدة إذ أحكمتها، ويقال أحكأت ظهري بإزاري إذ شددته”[2]، فالمعنى اللغويّ، إذن، ذو شقّين: الأوّل هو المحاكاة والثاني هو الإحكام؛ فالمحاكاة هي النسج على منوال الواقع.

وهو ما تترجمه موضوعات الحكايات الشعبيّة الّتي تعتبر محاكاة فطريّة لحياة الجماعة، أمّا الإحكام فيمكننا النظر إليه للتعبير عن بنية الحكاية وتسلسلها وترابط أحداثها؛ الأمر الّذي يمكن أن تؤكّده التعريفات الاصطلاحيّة، فالحكاية الشعبيّة كما عرّفها عبد الحميد بورايو هي “أثر قصصيّ ينتقل مشافهة، أساسًا يكون نثريًّا، يروي أحداثًا خياليّة لا يعتقد راويها ومتلقّيها في حدوثها الفعليّ، وتُنسب عادة إلى بشر، وحيوانات، وكائنات خارقة، تهدف إلى التسلية وتزجية الوقت والعبرة”[3].

 نبيلة إبراهيم الّتي اعتمدت في دراستها للحكاية على المعاجم الأجنبيّة، وإن كانت لا تختلف عن التعريف السابق، فتعرّفها – بالعودة إلى المعجم الألمانيّ – أنّها “الخبر الّذي يتّصل بحدث قديم ينتقل عن طريق الرواية الشفويّة من جيل إلى آخر، أو هي خلق حرّ للخيال الشعبيّ ينسجه حول حوادث مهمّة وشخوص ومواقع تاريخيّة”[4].

من الأشياء الّتي نستخلصها من التعريفات السابقة أنّ الحكاية الشعبيّة ترتبط بالخيال أوّلًا والمخيال الشعبيّ ثانيًا، كما أنّها فنّ يعتمد على الشفاهة كما يمكن اعتبارها خزّانًا ثقافيًّا تودع فيه الجماعات تاريخها، وأهمّ قصصها، وكلّ ما مرّ بها من أحداث، فنحن هنا نتحدّث عن فنّ موغل في القدم.

ارتبطت الحكايات في بداية نشأتها بالأساطير، مع أنّه ليس من الهيّن الجزم بكون الحكاية شكلًا من أشكال تطوّر الأسطورة، إلّا أنّ كثيرين ذهبوا إلى هذا الطرح نظرًا إلى قدم الحكاية وارتباطها بوجود الإنسان، إضافة إلى كون بعض الحكايات تحتوي على ملامح أسطوريّة، وهو ما يذهب إليه عبد الحميد يونس في قوله “الأسطورة هي عند الإنسان البدائيّ عقيدة لها طقوسها.

فإذا ما تعرّض المجتمع الّذي تتفاعل معه الأسطورة لعوامل التغيير تطوّرت الأسطورة بتطوّره، وقد تتبدّد وطأة عناصر ثقافيّة أقوى فتنفرط عقدتها، وتنحدر إلى سفح الكيان الاجتماعيّ أو ترسب في اللاشعور، وتظلّ على الحالين عقيدة ثانويّة، أو ضربًا من ضروب السحر، أو ممارسة غير معقولة، أو شعيرة اجتماعيّة، وكثيرًا ما تتحوّل إلى محاور رئيسيّة تعاد صياغتها في حكايات شعبيّة”[5]، ولعلّ وجود بعض التمظهرات الأسطوريّة في بعض الحكايات القديمة يرجّح هذا الطرح.

 أمّا عن منشأ الحكاية الشعبيّة فاختلف الباحثون في هذا، غير أنّه ومن أهمّ الدراسات الّتي تركت أثرًا في التراث الشعبيّ العالميّ، والحكاية الشعبيّة على وجه الخصوص، نجد جهود ’الأخوين جريم‘، وتكمن أهمّيّة جهودهما في قضيّة تشابه الحكايات الشعبيّة وتشابكها لدى الشعوب المختلفة، الّذي اكتشفاه من خلال عملهما على عدد من النصوص؛ إذ “كان اهتمامهما الأوّل هو الدراسات الفيلولوجيّة.

وقد جرّتهما هذه الأبحاث الفيلولوجيّة في الأدب المكتوب إلى الأدب المرويّ، وبدآ أعمالهما بالمقارنة بين النصوص الشعبيّة الألمانيّة المدوّنة والمرويّة، وغيرها من النصوص الّتي عثرا عليها مدوّنة عن الشعوب الّتي تشترك مع الشعب الألمانيّ في الأصل الهندوجرمانيّ، وقد كان التشابه بين حكايات هذه الشعوب والحكايات الألمانيّة مفاجأة كبرى للأخوين”[6]، ولو أنّنا لسنا بصدد دراسة تاريخ هذا الفنّ بالتفصيل، إلّا أنّ هذه الجزئيّة تستحقّ الوقوف عندها.

فإن كان لكلّ الشعوب حكاياتها وتاريخها القصصيّ وإرثها الشفهيّ، فلعلّ هذا التشابه يرجع إلى عوامل عدّة، من أهمّها ما تحدّثنا عنه سابقًا حول المحاكاة الفطريّة الّتي تعبّر عنها الحكاية، ولعلّ دراسة ’فريدريش فون ديرلاين‘، الّتي خصّص لها كتابه «الحكاية الخرافيّة» دليل على ذلك؛ إذ “قدّم عرضًا شاملًا لأهمّ الأبحاث الخاصّة بالحكاية الخرافيّة منها الأنثروبولوجي؛ النفسيّ؛ التاريخيّ، والأدبيّ”[7].

كما تناول “نماذج متعدّدة للأشكال الأولى للحكاية، ويرى بأنّها نتاج أدبيّ”[8]، فأفرد فصولًا كاملة للحديث عن الحكاية عند شعوب حضارات البحر الأبيض المتوسّط، مركّزًا على «ملحمة جلجامش»؛ إذ رجّح أن “تكون الحكايات الخرافيّة الّتي نشأت في العصور المتأخّرة قد استمدّت من ملحمة جلجامش”[9]، لينتقل إلى مصر وبلاد الإغريق والرومان، وحتّى الحكايات الهنديّة والصينيّة.

من الّذين تحدّثوا عن الحكاية الشعبيّة، نجد رولان بارت الّذي يقول “إنّ الحكايات المنتشرة في العالم لا تُحصى، أجناسها الأدبيّة من أنواع شتّى، حتّى أنّ كلّ مادّة جديرة بأن يجعل الإنسان منها قصصًا، فيتاح للقصّ أن يؤدّى بواسطة لغة مبنيّة، شفاهيّة كانت أو كتابيّة، أو بواسطة الصورة، ثابتة أو متحرّكة، أو بواسطة جميع هذه الوسائل متناسقة في تمازجها.

إنّ الحكاية قائمة في الأسطورة والخرافة، والأمثولة والقصّة والأقصوصة والملحمة، والتاريخ والمأساة والدراما، والملهاة والتمثيل بالإيماء واللوحة المرسومة، وفي الزجاج المزخرف، والسينما (…) إنّ القصّة بهذه الأشكال الّتي لا نهاية لها حاضرة في كلّ زمان ومكان، وفي كلّ مجتمع. إنّ القصّة نشأت مع بداية تاريخ الإنسانيّة رأسًا، فلا يوجد اليوم شعب، وما وُجد بالأمس قطّ شعب في أيّ مكان بغير قصّ.

كلّ الفئات الاجتماعيّة، وكلّ المجموعات البشريّة لها حكاياتها، وكثيرًا ما يجتمع المثقّفون على اختلاف طبقاتهم وتباين مستوياتهم لتذوّق هذه الحكايات؛ ذلك أنّ الحكاية ليست قضيّتها أن يكون الأدب جيّدًا أو رديئًا، وسواء أمام موضوعها عالميًّا أو مشتقًّا من عهود التاريخ، أو نابعًا خلال الثقافات فهي ماثلة هنا، شأنها شأن الحياة”[10].

أمّا عن قيمة الحكاية الشعبيّة عند كلّ الشعوب على اختلافها، فيقول الباحث عبد الحميد يونس “إنّ مجال الحكاية الشعبيّة قديم وشامل، فقد دلّت جميع الدراسات المتخصّصة في الجماعات البدائيّة، على أنّ الناس في كلّ مكان، ومهما تنوّعت أنماط ثقافاتهم، يسردون الحكايات، وإن تفاوتت هذه الحكاية كمًّا ونوعًا بين مختلف الجماعات الإنسانيّة”[11].

لكنّ السؤال هنا: أهذا التشابه يعني أنّنا أمام نفس القصص ونفس البنية اللغويّة، ونفس التقاليد والطقوس المرتبطة بهذا الفنّ، أم أنّ التفكير في هذه الممارسة يقتضي منّا التفكير فيها بغير لغة، حتّى لو كانت في ظاهرها متشابهة؟


  • اللغة والحكاية، كيف وماذا يقول ’القوّال‘؟

للحكاية طقوس خاصّة، ولغة خاصّة، وقيم جماليّة تميّزها وتعطيها نوعًا من الفردانيّة والخصوصيّة، ومن تلك القيم نجد استخدام اللهجات المحلّيّة، وغلبة الجمل الخبريّة على الإنشائيّة والجمل الفعليّة على الاسميّة، إضافة إلى اعتماد الجملة الشعبيّة على الإيقاع والموسيقى. فعندما يحكي الحكّاء يترتّب على ذلك في أحيان عديدة الخروج عن قسم من الأحكام المطّردة في اللغة.

فيقال إنّ الحكاية يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، فقد يغيّر الحكّاء في حركات الإعراب، كما قد يغيّر مواضع الكلم، كما قد يخرج عن بعض المقتضيات؛ فيستخدم اللهجة العامّيّة مع الفصحى تارة، وقد يستخدم اللهجة فقط. كما يتجلّى البُعد المحلّيّ في الحكاية الشعبيّة، ويمتزج البعد الدينيّ في بعضها مع البعد الأسطوريّ دون إهمال البعد الإنسانيّ، وارتباط خواتم الحكايات بالمواعظ والنصح والإرشاد.

وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ فهناك أجواء معيّنة وطقوس محدّدة ترتبط بعمليّة سرد الحكاية الشعبيّة الجزائريّة، فالراوي يُطلق عليه محلّيًّا اسم ’القوّال‘، ولهذه الكلمة دلالة خاصّة ومكانة مميّزة لدى كلّ سكّان المنطقة، فتطلق على من توفّرت فيه ملكة القول السديد وابتداع الجديد؛ فنجاح الحكاية يتوقّف على راويها.

عن هذا الدور يقول عبد الحميد بورايو: “الرواة في رحلتهم مع الرواية يتفاوتون فيما بينهم فيما يخصّ اتّساع حصيلتهم من التراث القصصيّ، ومواهبهم الفيزيولوجيّة الّتي تتعلّق بالهيئة والصوت وملامح الوجه، وبسيطرتهم على أدواتهم الفنّيّة في عمليّة القصّ، وقوّة ذاكرتهم وقدرتهم وجرأتهم على الخلق والإبداع والتجديد”[12].

من الطقوس التقليديّة الشائعة أيضًا في بعض المناطق أنّ الجدّات هنّ من يروين الحكايات الشعبيّة، ولهنّ طقوس خاصّة في ذلك، كأن ينصحن بعدم تداول الحكاية في النهار بحجّة أنّ من يتداولها نهارًا يصاب بمرض الجرب، وكأنّ الليل هو مستودع الحكايات؛ إذ يقول هيردر: “إنّ الحكايات الشعبيّة بأسرها، ومثلها الحكايات الخرافيّة والأساطير، هي بكلّ تأكيد بقايا المعتقدات الشعبيّة كما أنّها بقايا تأمّلات الشعب الخلفيّة، وبقايا قواه وخبراته حينما كان يحلم لأنّه لم يعرف، وحينما كان يعتقد لأنّه لم يكن يرى، وحينما كان يؤثّر في ما حوله بروح ساذجة غير منقسمة على نفسها”[13].

المثير في الحكاية الشعبيّة أيضًا هو كونها مجهولة المؤلّف، على اعتبار أنّ مبدعه الأوّل سرعان ما يذوب في ذات الجماعة الّتي ينتمي إليها، والّتي ألهمته وزوّدته بالمادّة، كما أنّها مرنة؛ إذ كلّما تداولتها الألسن بمرور الزمن أضيفت إليها أشياء جديدة وحُذفت أخرى؛ ممّا يجعل من تدوينها وتحريرها أمرًا صعبًا يجب العودة من أجله لمنطلق الحكاية، وهو تلك الظروف الاجتماعيّة والنفسيّة الّتي وُلدت فيها؛ “فالحكاية الشعبيّة هي أحدوثة يسردها راوٍ في جماعة من المتلقّين، وهو يحفظها مشافهة عن راوٍ آخر، ولكنّه يؤدّيها بلغته، غير متقيّد بألفاظ الحكاية وإن كان يتقيّد بشخصيّاتها ومجمل بنائها العامّ”[14].


  • بين الشفاهيّة والنصّيّة وتعذّر الترجمة

عطفًا على المميّزات والخصائص الّتي ذكرناها، الّتي تجعل من هذه الممارسة ذات خصوصيّة تطرح إشكاليّة إمكانيّة الترجمة، نجد أيضًا ارتباط هذا الفنّ بالشفاهة؛ فالحكاية نصّ شفويّ ذو بنية لغويّة معقّدة تدخل فيها العامّيّة مشكّلةً إيقاعًا خاصًّا بها، تمتزج فيه جماعيّة الجماعة بفردانيّة العمل، فبذلك الإيقاع رسخت في الذاكرة، وحافظت على بقائها، فحياة هذه الحكايات مرتبطة بنسقها اللغويّ،

وهذا ما تؤكّده نبيلة إبراهيم “بأن يُبقي الدارس نصّ الحكاية على حاله دون تغيير، تمامًا كما يحافظ على الدين الّذي هو توثيق من عند الله”[15]، وفي هذا إشارة ليس للكلام الشفهيّ فقط بل حتّى للتعبيرات الّتي ترتبط بالحكاية ارتباطًا وثيقًا. فهل يجعل هذا من الحكاية الشعبيّة سجينة لغة واحدة؟

ما يجعل من عمليّة ترجمة الحكاية الشعبيّة عمليّة معقّدة هو كونها نصًّا شفهيًّا، فتدوينه في حدّ ذاته يُعَدّ ترجمة وفعلًا تأويليًّا إضافة إلى حمولته الثقافيّة، والاجتماعيّة، حتّى الدينيّة أيضًا، وارتباطه بحقل الأنثروبولوجيا؛ ممّا يجعل من الحكاية واقعة أدبيّة وظاهرة اجتماعيّة؛ بمعنى أنّها نتاج لسياق ثقافيّ يكرّس لجماعيّة أيّة جماعة؛ ممّا يجعلنا نفكّر في تعذّر ترجمة هذا الشكل الأدبيّ، واصطدامها بكثير من العقبات.

غير أنّ ’إيميلي آبتر‘، تشير إلى مسألة مهمّة تتّصل بنظريّة الترجمة والمعجم في آن واحد، في ما يتعلّق بمفهوم عدم القابليّة للترجمة، إذ تقول: “يصبح مضلّلًا إن هو أدّى إلى تصوّر أنّ الترجمة ينبغي أن تكون مثاليّة؛ أي قادرة على نقل كلّ الدلالات في مفردات أو تراكيب لغة ما إلى لغة أخرى؛ لتكون عدم القابليّة بذلك أصلًا للترجمة وليس حالة استثنائيّة.

الواقع هو أنّ الترجمة ممكنة لمعظم مفردات أيّة لغة، وهذا هو الأصل، لكنّ تصوّر وجود مثال أعلى يعني النزول الحتميّ عنه إلى القول باستحالة الترجمة هو تصوّر خاطئ”[16].

كأنّ المطلوب هنا هو ليس إيجاد لغة جديدة، وإنّما التفكير في المفردات بلغة جديدة، مع الأخذ بعين الاعتبار كلّ الخلفيّات والسياقات التاريخيّة والثقافيّة، وكذا الاجتماعيّة، لكلّ تلك المفردات والتراكيب. كما تضيف آبتر “هو ذلك الشعور الخاصّ والغامر بالألم الّذي لا نستطيع الفكاك منه حين يواجهنا نصّ لا نريد ترجمته ولا أن نراه مترجمًا، كثافة أو ثراء أو لونًا أو نغمة في اللغة الأصل.

تبدو كأنّها تتحدّى النقل إلى لغة أخرى، إلى حدّ أنّنا نفضّل ألّا نغامر بترجمتها: الفقر الناتج عن ذلك مؤلم، نفتقد أمامه اللغة الأصل مثلما نفتقد طفلًا لنا أو صديقًا. ذلك الشعور يحدث أحيانًا”[17]، تقول آبتر “لكن بإمكاننا أن نجعل من الاختلاف الّذي يتبيّن مكسبًا”[18]؛ أي أنّنا نستطيع على أيّة حال أن نستفيد ممّا نفتقد، وذلك هو مدار الكثير ممّا في هذا الكتاب.

وهو ما نحاول الوصول إليه؛ من خلال تبيان تلك الخصوصيّة الّتي تتميّز بها الحكاية الشعبيّة وتوضيحها، كفنّ نثريّ يرتبط بشكل وثيق ومباشر بالثقافة والمخيال الجمعيّ، لجماعات بشريّة قد لا ترغب في أن تذوب في ثقافات أخرى، عن طريق لغات تُحسب على المركز مثلًا.

باربرا كاسان هي الأخرى ترى أنّ “الاهتمام بما يتعذّر ترجمته هو الاهتمام بالنقاط الصعبة من الترجمة، بالعلامات الأساسيّة في الاختلاف بين الألسنة، هذا لا يعني عدم الترجمة وإنّما عدم الكفّ عن الترجمة، وهذه الصعوبات المترابطة هي في الواقع مكاسب وفتوحات نعمل على تحريك معرفتنا بالنصوص الأصليّة، وبلساننا بوصفه لغة الوصول، طريقة في الفهم، فهْم أفضل وشعور أمثل باللغات”[19].

لعلّ هذه المفاهيم والقناعات الّتي جاءت في المعجم تتّفق – إلى حدّ بعيد – مع ما تودّ الحكايات الشعبيّة على اختلافها وتنوّعها من جماعة إلى أخرى، تكريسه وتقديس ذلك الاختلاف واحترامه قبل الخوض في عمليّة التدوين أوّلًا والترجمة ثانيًا.


  • خاتمة

ختامًا، وفي مجمل القول، تبدو عمليّة التطرّق للحكاية الشعبيّة أمرًا في غاية التعقيد والصعوبة؛ نظرًا إلى تشعّب المفهوم وارتباطه بحقول كثيرة، ومنها الحقل اللغويّ الّذي ما زال ليومنا هذا محلّ دراسة ونقاش؛ لارتباطه بمسائل مثيرة للجدل، من بينها ثنائيّة الشفاهيّة والنصّيّة من جهة، وثنائيّة العامّيّة والفصحى من جهة أخرى، وكذا حمولته الاجتماعيّة والإنسانيّة الّتي حاولنا إظهارها ولو بشكل مقتضب في عرضنا، إضافة إلى عاملَي الزمان والمكان.

 كلّ هذا يجعل من عمليّة الترجمة إشكاليّة حقيقيّة رأينا في مفهوم ’المتعذّر ترجمته‘ حلًّا لها. في هذا الشأن يقول جاك دريدا: “بمعنًى ما، ليس هنالك شيء غير قابل للترجمة، لكن في نفس الآن كلّ شيء غير قابل للترجمة، إنّ الترجمة اسم آخر للمستحيل”[20].

لعلّ هذه المفارقة هي أساس إشكاليّة مقاومة النصوص للترجمة، فلئن كانت الكتابة عمليّة إخفاء مستمرّة للصوت، فإنّ الترجمة هي السعي الّذي لا ينفكّ يحاول امتلاك هذا الصوت، بجعله يتكلّم غير لغة، بالرغم من كونها تسقط أحيانًا في فقدان صوتها، في اللحظة الّتي تنزلق الأدلّة إلى مناطق اللبس، ويصبح فيها المترجم متعذّر الفهم، ولربّما لنا في ترجمة الحكاية الشعبيّة مثال على ذلك.


  • إحالات

[1] ابن منظور، لسان العرب (القاهرة: دار المعارف) مجلد2، ص 954.

[2] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1997) جزء 2، ص 92.

[3] عبد الحميد بورايو، الأدب الشعبيّ الجزائريّ (الجزائر: دار القصية للنشر، 2007) ص 185.

[4] نبيلة إبراهيم، أشكال التعبير في الأدب الشفهيّ (القاهرة، دار المعارف، 1981) ص 91.

[5] عبد الحميد يونس، الحكاية الشعبيّة (القاهرة، المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والنشر، المكتبة الثقافيّة، 1968) ص 20.

[6] نبيلة إبراهيم، عالميّة التعبير الشفهيّ، مجلّة فصول، الهيئة المصريّة العامّة، العدد 4، 1983، ص 24.

[7] فريديريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافيّة نشأتها مناهج دراستها فنّيّتها، ترجمة نبيلة إبراهيم (القاهرة، دار غريب للطباعة، 1973) ص 5.

[8] المرجع نفسه، ص 6.

[9] المرجع نفسه، ص 166.

[10] Roland Barthes, Introduction à l’analyse structurale des récits, Paris, éditions du Seuil, 1981, p 7. 

[11] عبد الحميد يونس، الحكاية الشعبيّة، ص 7.

[12] عبد الحميد بورايو، القصص الشعبيّ في منطقة بسكرة (الجزائر: المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، 1986) ص 35.

[13] فريديريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافيّة نشأتها مناهج دراستها فنّيّتها، ترجمة نبيلة إبراهيم (القاهرة: دار غريب للطباعة، 1973) ص 23-24.

[14] محمّد سعيدي، الأدب الشعبيّ بين النظريّة والتطبيق (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعيّة، 1991) ص 61.

[15] نبيلة إبراهيم، أشكال التعبير في الأدب الشفهيّ (القاهرة: دار المعارف، 1981) ص 69.

[16] Barbara Cassin, edit, Dictionary of Untranslatable (Princeton University Press, 2004).

[17] Ibid.

[18] Ibid.

[19] كوليت بريفار وباربارا كاسان، الترجمة بوصفها ثقافة، حوار مع باربارا كاسان، ترجمة محمّد شوقي الزين (مؤمنون بلا حدود، 2017) ص 9.

[20] Jacques Dérida, Le monolinguisme de l’autre, Paris, Editions Galilée, 1996, p 103.


عرب 48

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى