من أجل فاصلة

0

 

جاء في أخلاق الوزيرين لأبي حيان التوحيدي ما يلي: «خرج ابن عباد من عندنا، يعني الري، متوجهاً إلى أصفهان ومنزله ورامين، فجاوزها إلى قرية غامرة على ماء ملح، لا لشيء إلا ليكتب إلينا: (كتابي هذا من النوبهار، يوم السبت نصف النهار)». غيّر الصاحب بن عباد مقصد توجهه وآثر أن يتكبد مشقات جمة في بلاد كريهة، لا لشيء إلا لمناسبة كلمة «النوبهار» لكلمة «النهار». مدد طريقه جرياً وراء لفظة غريبة، ابتعد عن هدفه اقتراباً من هدف أسمى: مناسبة السجع. من الناس من يموت من أجل فكرة أو عقيدة، أما هو، وكما يؤكد التوحيدي، فإنه لن يستنكف إطلاقاً من استعمال سجعة من السجعات، حتى ولو أدى الأمر أن «تنحل بموقعها عروة الملك، ويضطرب بها حبل الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غرم ثقيل وكلفة صعبة وتجشم أمور وركوب أهوال».

أورد التوحيدي هذه الحكاية في معرض السخرية والتهكم، ولربما اختلقها – ونحن نعلم ولعه بإضافة الكلام إلى غير أهله وإلى من لم يتلفظوا به قط – كراهية للصاحب وشماتة به. إلا أنها، وعلى الرغم من طابعها الكاريكاتوري، تحيل إلى فعل الكتابة الأدبية، أو بالأحرى إلى صنف منها. فمن المؤلفين من يرى أن شرفه رهين بجزئيات وتفاصيل إنشائية، بل بفاصلة! غوستاف فلوبير لم يتورع أن يقول: «بالنسبة لي، أجمل امرأة في العالم لا تساوي فاصلة موضوعة في محلها».

يذكرني تحول الصاحب بن عباد عن مقصده من أجل أن يستقيم له السجع، بمقطع من رواية التربية العاطفية لغوستاف فلوبير، وبالضبط بمستهلها الذي يصف سفر فريدريك مورو من باريس إلى نوجان، مسقط رأسه. لم يستقل البطل الشاب عربة برية سريعة وإنما فضل السفر على متن سفينة، أي أنه عوض الطريق القصير، اختار الطريق الأطول عبر منعرجات نهر السين ومنعطفاته. والمثير أننا نلحظ الموضوعة نفسها في نهاية الرواية حيث يتجاذب فريدريك أطراف الحديث مع ديلوريي، صديق العمر: في سياق إحباطهما وانهيار أوهامهما، يقوم كلاهما بتفسير فشله وفشل جيله، فيقول ديلوريي (الذي اشتهى السلطة) إن إخفاقه ربما كان نتيجة «مبالغة في الاستقامة»، بينما يعزو فريدريك خيبته في سائر أحواله إلى «انعدام الخط المستقيم».

وهنا لا مفر من طرح سؤال: هل يعنّ لأديب أن يستنكر قولة فلوبير سابقة الذكر؟ هل يجرؤ حتى أن يدعي أن فيها مبالغة؟ يبدو لي أنه إن فعل، سيحكم على نفسه بالخروج تواً من دائرة الأدب. وما تجدر ملاحظته أنه حتى لو استهزأ بالصاحب بن عباد وازدراه، فإنه – إذا أدخلنا المقارنة في اعتبارنا – لن يسمح لنفسه بالسخرية من صاحب مدام بوفاري، بل سيستحسن قوله ويثني عليه (ولعمرك ما أدري وإن كنت داريا، كما يقول الشاعر، دواعي التمييز بين المؤلفين).

في معنى مماثل كتب شيوران في قياسات المرارة: «لم نعد نريد أن نتحمل ثقل «الحقائق»، ولا أن ننخدع بها أو نتواطأ معها. إنني أحلم بعالم قد نقبل فيه الموت من أجل فاصلة. ويضيف: «لا أسلوب مع غياب الشك وسيادة اليقين: إن الحرص على جمال اللفظ وقف على الذين ليس بمقدورهم أن يركنوا إلى اعتقاد راسخ. ففي غياب سند متين، لا يتبقى لهم إلا التشبث بالكلمات، – أشباه واقع، أما الآخرون، الواثقون بقناعاتهم، فإنهم يستخفون بمظهر الكلمات وينعمون براحة الارتجال». من جهة، يقين راسخ واقتناع مؤكد واحتقار للفظ، ومن جهة أخرى، ارتياب مزمن وتردد دائم. من جهة، ارتجال قد لا يخلو من كبرياء وغطرسة، ومن جهة، عمل مضن بحثاً عن موضع ملائم لفاصلة من الفواصل. أن تفقد لذة النوم بسبب فاصلة: هوس مرضي بالشكل؟ أم عجرفة من نوع آخر؟ سؤال قديم قدم الأدب. فهل هناك أدب لا يخضع لإكراهات طوعية وقسرية في آن؟ ألا يشكل لزوم ما لا يلزم، حسب تعبير ضرير المعرة، تعريفاً للأدب؟ وإلا، فأي تعريف سيتبقى لنا يا ترى؟

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.