ترجمة

الترجمة عمل شاق ليديا ديفيس تحوله إلى عمل مشوّق

- مولي يونغ  Molly Young -

  • ترجمة: أماني لازار 

تعلمت ليديا ديفيس اللغة الألمانية بعد أن ألقي بها في فصل دراسي في غراز في النمسا وكانت تبلغ من العمر سبعة أعوام. بدأ انغماسها في البيت مع وجبة الفطور: إذا استيقظت في وقت مبكر، حصلت على Schokolade mit Schlag (الشوكولا الساخنة مع الكريمة المخفوقة)، وإذا تأخرت في النوم حصلت على Schokolade ohne Schlag (الشوكولا الساخنة دون الكريمة المخفوقة).

بعد فترة وجيزة لدى عودتها إلى الولايات المتحدة، درست الفرنسية، واللاتينية، والإيطالية. تبع ذلك عمر من العمل كمترجمة (وروائية وقاصة وكاتبة مقالات).

كتابها الجديد، “مقالات اثنان”، منظم حول الترجمة. تشير ديفيس في مقدمة الكتاب إلى كونه أكثر تركيزًا في مادته مما كانت مجموعتها السَّابقة “مقالات واحد”. في المجموعة “اثنان”، من المفيد أن يكون لديك اهتمام مسبق بالترجمة، أو على الأقل فضولاً عاماً تجاه اللغة، في حين كي تستمتع بالمجموعة السابقة لست بحاجة سوى إلى أن تمتلك اهتماماً مسبقًا بـ”الأشياء”. لكن أياً كان الموضوع، ديفيس دومًا صحبة بديعة: مثقفة ومغامرة ومدهشة.

بالإضافة إلى ترجمة بروست وفلوبير، تناولت “كتبًا تتباين في درجات تميزها أو عدمه، أهميتها أو قلة أهميتها”- من بينها سيرة ذاتية وجدانية لماري كوري، كتالوجات فنية، مقالات عن السَّفر، وتاريخ الصِّين. أيًا كان المصدر، فإن ديفيس تجد أفراحًا لا تحصى في تحويله. تعدد المقالة الأولى هنا 21 من هذه الملذات.

تلاحظ أن الترجمة تربط الشَّخص بصلة حميمة مع الكاتب، تزيل قلق الابتكار الذي يصاحب معظم الأعمال الكتابية وتقدم ألغازًا لا تنتهي (لكن غالبًا قابلة للحل). تقدم أيضًا شكلاً من أشكال السَّفر في المكان: الإرباك عبر كتاب “مدام بوفاري” أن تنطلق عبر ثقب دودي من أمريكا القرن الواحد والعشرين إلى فرنسا القرن التاسع عشر.

في مقالة حول ترجمة رسائل بروست، تسافر ديفيس إلى الشَّقة التي كتب فيها قسطًا كبيرًا من “البحث عن الزمن المفقود”. لم يتم الحفاظ على الشَّقة سليمة كما تركها بروست، مع أثاثه وأدواته، لكن بدلاً من ذلك كانت قد أصبحت موقعًا لأحد المصارف. يعرض على ديفيس القيام بجولة في شقة الكاتب السابقة من موظف يضطر بين الحين والآخر المغادرة والتعامل مع مسائل مصرفية. 

تعقد اجتماعات العملاء في غرفة نوم بروست، وغرفة الانتظار في المصرف هي الغرفة التي سبق أن اختزن فيها الكاتب وكوَّم ممتلكات موروثة.  تكتب ديفيس: “قد يكون ممول واسع الخيال مع القليل من المعلومات مسكونًا، جالسًا بجوار النبتة الوحيدة المزروعة في أصيص، بالحضور الشبحي المتباطئ لتراكم محتشد من أثاث ثقيل ينتمي إلى نهاية القرن، وتحف ثمينة قديمة، مشبعة بصلات بروست الشخصية”.

على الرغم من أنها تعلمت اللغة الألمانية عن طريق الانغماس، فإن منهج ديفيس المفضل لاكتساب اللغة مختلف تمامًا، وبالنسبة لمراقب خارجي فإنه يمثل تحديًا شيطانيًا: تعثر على كتاب منشور بلغة لا تفهمها سواء بشكل تام أو جزئي ثم تحاول فهم معناه.

لتحسين لغتها الاسبانية تبحث في نسخة من “مغامرات توم سوير”. يثبت فك الرموز سهولته في بعض الحالات. كلمات مثل “plan” هي ذاتها في الإنكليزية والاسبانية. في حالات أخرى تستنتج معنى كلمة بعد ملاحظتها في سياقات مختلفة. Hoja في الأصل تسبب الإرباك عندما تظهر في عبارة hoja de papel –”هويا الورق”.

لاحقًا في الكتاب، تبرز في سياق شجرة. أخيرًا، يلف هاك الهويا الجافة حول شيء ما لصنع سيجارة، وتدرك ديفيس أن معنى واحد فقط قد يتفق مع ورق كما هو الحال مع شجرة أو سيجارة: وهو “ورقة شجر”. بالطبع قد يكون ممكنًا أن تحل أحجية الهويا في ثانيتين بإدراج الكلمة في محرك البحث جوجل، لكن ذلك قد يفسد المتعة.

حالة اللغة النرويجية أصعب. من أجل هذه تختار ديفيس ملحمة عائلية صعبة بشكل جائر للكاتب داغ سولستاد. عند الصفحة 426 تتكون الرواية من كتل غير منقطعة تقريبًا، دون فصول وبعض فواصل الفقرات”. تقرأ ديفيس بسرعة حلزون وفي يدها قلم حاد تخربش قوائم المفردات.

تزودها كلمة sarkastisk (ساخر، sarcastic) بحيلة لتحل سواها: تجد ديفيس أنها لو تستبدل ذهنيًا حروف k بحروف c ، تفك شيفرة كلمات أجنبية محددة بسهولة أكبر: kusine الآن مقروءة “مطبخ،cousin“، و kom “تعال، come“.

محاولة تعلم لغة من الصِّفر بقراءة كتاب تشبه محاولة تدوين وصفة معقدة لتحضير كعكة بالجلوس والتحديق بكعكة جاهزة لمئات الساعات. هل هو الشكل الأكثر كفاءة من علم أصول التدريس؟ لا، لكن ديفيس تستخلص إثارة لا متناهية من العملية المضنية.

تؤدي مقالاتها عملاً رائعًا من بث ذلك الرضا إلى القارئ، على الرغم من أني كنت بين الحين والآخر أميل إلى التصفح بصورة سريعة في الأماكن التي تغوص فيها عميقًا في أمور سيئة. التصفح السريع بأية حال قد يكون الخطوة الخاطئة في كتاب يحتوي على قدر لا يصدق من فتات تعزز الحياة، من مثل حقيقة أن صوت عطسة في اللغة النرويجية يهجأ آتشوو.

في مقالة عن مدينة آرل الفرنسية نعلم أن آرل ليست فقط تستقبل رياح الميسترال الجليدية الشمالية الغربية التي يشاع أنها تدفع الناس إلى الجنون، لكن أن هناك مخططات قديمة تدعى “ورود الرياح” تشتمل على ما يصل إلى 32 ريح مسماة كل منها تهب من اتجاه معين.

ما لم تكن شخصًا تنطوي نشاطاته بشكل كبير على الريح- ملاح، راكب أمواج، متحمس للطائرات الورقية- من غير المرجح أنك ستفكر بمثل هذه الفروقات الدقيقة في حركة الهواء في حياتك اليومية.  “ليس من السابق لأوانه أبدًا أن تبدأ!” قد تفكر، آخذًا في الاعتبار ما إذا كنت ستكون قادرًا على رسم وردة رياح مصممة خصيصًا لحيك.


تزخر مقالات ديفيس بنوافذ الفرص هذه للتفكير بشكل أعمق أو في الحقيقة حول العديد من المواضيع. تشتمل مقالات أخرى على أحجار رصف، حكايات غاسكون الشَّعبية، إردافات، علامات ترقيم، كلمات مترادفة، عمارة القرون الوسطى، وكلاب الراعي.

استمتعت بوفرة الكتاب كثيرًا فلم يصرف انتباهي حجمه الثخين وإنه لأمر ظريف أن تحمله لكنه مصمم بطريقة تجعل الكتاب ينغلق أثناء القراءة. ومهما حاولت أن تشق بعنف عموده الفقري فإنك لن تستطيع كسر مقاومة الغرض، ونحو الصفحة 300 تجاوزت هذه الصعوبة وافتتنت بتركيبه العدائي. حذرت نسختي من كتاب “مقالات اثنان” قائلة، سوف أقرأك وسوف يعجبك ذلك، ويا للعجب، أعجبني أيضًا.


المصدر:


مجلة فكر الثقافية

close

مرحبا 👋

قم بالتسجيل في النشرة البريدية لتتوصل بجديد مقالات منصة "بالعربية"، كل أسبوع.

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

أماني لازار

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات