الأدب النسويسرديات

التصوف وصورة المرأة في رواية “قواعد العشق الأربعون”

• مقدمة

لقد سبق ظهور التصوف بالعالم الإسلامي، ظهور حركة الزهد. وأصل طريقة أصحابه العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله، والتخلي عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة، ومال، وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، استنادا إلى قوله عز وجل:” قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير وأبقى ولا تظلمون فتيلا “سورة النساء، آية 77.

اختلف عدد من الدارسين حول مسألة أصول التصوف، إذ منهم من أرجعها إلى الرهبانية المسيحية باعتبار أن الإسلام دين جاف أمثال أسين بلاثيوس، فأصل التصوف في نظره ليس إلا تقليدا واعيا للرهبانية المسيحية الشرقية، والزُّهاد الأوائل هم جماعة من الرجال المنقطعين، والمتقشفين الذين قلدوا حياة الندم والحرمان التي عاشها الرهبان المسيحيون الشرقيون. في المقابل يؤكد محمود علي مكي أن الاتجاهات الزهدية لم تكن في حاجة إلى أي تأثير خارجي.

ومرد هذا التضارب في الآراء، افتقارنا لأدب تراجم مكرس للزهاد والنساك في الفترة ما قبل القرن الرابع الهجري، إذ تطالعنا أخبار تعود إلى العصور الإسلامية الأولى تقول بوجود زهاد اجتهدوا في تعذيب أبدانهم، وحرمان أنفسهم من اللذات، وآثروا الفقر عن طواعية … يقطعون العمر متوحدين بأنفسهم في عزلة وتأمل ، غير أن هذا الأمر كان يأخذ شكلا فرديا، ليخرجوا بعد ذلك من عزلتهم يدعون لسلوك طريقتهم، فبات لهم أتباع ومريدون، فبدأت حركة الزهد تتسع، وتطورت إلى أن بلغت مرحلة النضج المتمثل في التصوف الفلسفي في القرن السابع الهجري ، وقد تم ذلك بفعل تأثير الاتصال بحركة التصوف في ديار الإسلام، حيث كانت حركة العلماء لا تنقطع.

ورغم ما اعترض الزهاد والمتصوفة من عوائق وصعوبات من اجل إثبات طريقتهم وسلوكهم، إلا انه وباستقرائنا لتاريخهم وتاريخ نشأة وتطور التصوف منذ مرحلته الجينينية، نجد أن هذا الأخير، مر بمرحلتين تمهيديتين أساسيتين قبل أن يبلغ مرحلة الاكتمال والنضج في القرن السابع الهجري، تملثت المرحلة الأولى والممتدة ما بين القرن الثاني الهجري والقرن الرابع الهجري في سيادة حياة الزهد، والمجاهدة، وقد تميزت بتواجد أهم مدرسة صوفية وهي مدرسة ابن مسرة الجبلي ، أما المرحلة الثانية والممتدة من منتصف القرن الخامس الهجري إلى منتصف القرن السادس الهجري فقد تميزت بكون التصوف طبع معها بسمات فلسفية أهمها” وحدة الوجود ” مع ابن برجان، وابن العريف، وابن قسي … ليبلغ التصوف الفلسفي ذروة نضجه في المرحلة الثالثة خلال القرن السابع الهجري .

يقول ابن خلدون:” التصوف رعاية حسن الآداب مع الله في الأعمال الباطنية والظاهرة بالوقوف عند حدوده مقدما الاهتمام بأفعال القلوب، مراقبا لخفاياها، حريصا بذلك على النجاة” ، يبدو من خلال هذه المقولة أن ابن خلدون يميز بين التصوف المرتبط بالشريعة قرآنا وسنة، وبين التصوف الفلسفي أو ما يسمى بالفلسفة الباطنية الإشراقية.

إن طبيعة الاختلاف بين التصوفين تتجلى في الخطاب الذي يتم عبره تمرير المصطلحات الفلسفية، والفقهية، والكلامية منذ تشكل التصوف إلى نضجه، حيث تطورت قضاياه، وباتت تناقش موضوعات تتعلق بمسألة المعرفة، وعلة التكوين، ووحدة الوجود، والروح، والبدن.. غير أن أهم المسائل التي تداولها المتصوفة في القرن 7 هجري محاولين من خلالها وضع نظريات متناسقة في الوجود والمعرفة والقيم، نجد هناك علم المجاهدة، وعلم الكشف أو التجلي، وعلم الأسماء والحروف ثم الشطح او ما يسمى عند البعض بالرقص الدراويشي.

يبدو أن عددا من الكتاب المعاصرين وُلِعوا بسير الكثيرين من المتصوفة، وبرؤاهم إزاء العشق الإلاهي، ولعل منهم من تملكه هذا التيار الديني فألف فيهم وفي طريقتهم. ومن بين هؤلاء إليف شافاق، الكاتبة التركية. هذه الأخيرة أنتجت رواية بعنوان (قواعد العشق الأربعون عن جلال الدين الرومي في علاقته بشمس التبريزي). ونفترض أنها قد تناولت شخصية جلال الدين الرومي في صراعه مع المجتمع والمعتقدات من أجل إرساء أسس الطريقة المولوية (رقصة العشق الإلاهي) من خلال العلاقة التي جمعته بشمس التبريزي. وهو ما يدعونا إلى التساؤل حول أحداث الرواية وشخصياتها؟ وكيف تمثلت إليف شافاق صورة المرأة في روايتها قواعد العشق الأربعون؟


• أحداث الرواية:

تتشكل رواية قواعد العشق الأربعون من 512 صفة، وقد ضمت بين دفتيها خمسة فصول، توزعت بين الارض – الاشياء التي تكون صلبة متشربة وساكنة، والماء – الاشياء السائلة تتغير ولا يمكن التنبؤ بها، والريح – الاشياء التي تتحرك، تتطور، وتتحدي، والنار – الاشياء التي تدمر وتتحطم، والعدم – الاشياء الموجودة من خلال غيابها.

إن قارئ هذه رواية سرعان ما سيجد نفسه أمام روايتين متوازيتين، إحداهما، رواية الكفر الحلو، تؤرخ لأحداث وقعت في القرن السابع الهجري، وهي رواية باطنية تاريخية عن العلاقة الرائعة بين جلال الدين الرومي أفضل شاعر وأعظم زعيم روحي في التاريخ الإسلامي وبين شمس التبريزي الدرويش المميز والمجهول، المليء بالفضائح والمفاجآت.

أما الثانية فهي رواية معاصرة، وبطلاها امرأة تدعى إيلا روبنشتاين، هذه الأخيرة في عقدها الرابع، متزوجة من طبيب أسنان منذ عشرين سنة، لا تشعر معه بالسعادة رغم أنها انجبت منه فتاة تدعى جانيت طالبة في الجامعة، وتوأمان مراهقان أورلي وآفي. وكاتب رواية الكفر الحلو عزيز زهارا، وهو رجل صوفي روحاني عانى جملة من الانكسارات، خاصة بعد الوفاة المفاجئة لزوجته ماغو.

جميع هاته الشخصيات سواء في الرواية الأولى أو الثانية، سعت إلى التعريف بالعشق الإلاهي والوجودي، وهو ما يدل على أن رواية (قواعد العشق الأربعون) في عمقها تخاطب العقل الباطن للإنسان، ودرجة إيمانه واعتقاده بوجود الله في دواخله بعيدا عن كل التشريعات، وما تنص عليه الديانات.

هذه المحبة الإلهية ترجمتها الرواية في كونها استعرضت أربعين قاعدة للعشق، توصل إليها جلال الدين الرومي وشمس التبريزي بعد لقائهما بقونية، واختلائهما لمدة أربعين يوما. وقد وردت في الرواية بالشكل التالي:

1) إن الطريقة التي نرى فيها الله ما هي إلا انعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا، فإذا لم يكن الله يجلب لنا سوى الخوف والملامة فهذا يعنى أن قدرً كبيرًا من الخوف والملامة يتدفق لقلوبنا، أما إذا رأينا الله مُفعمًا بالمحبة والرحمة فإننا نكون كذلك.

2) إن الطريق إلى الحقيقة يمر من القلب لا من الرأس، فاجعل قلبك، لا عقلك، دليلك الرئيسي. واجه، تحدَّ، وتغلب في نهاية المطاف على “النفس” بقلبك. إن معرفتك بنفسك ستقودك إلى معرفة الله.

3) إنه يمكنك أن تدرس الله من خلال كل شيء وكل شخص في هذا الكون، لأن وجود الله لا ينحصر في المسجد أو في الكنيسة. لكنك إذا كنت لا تزال تريد أن تعرف أين يقع عرشه بالتحديد، يوجد مكان واحد فقط تستطيع رؤيته وهو قلب عاشق حقيقي، فلم يعش أحد بعد رؤيته ولم يمت أحد بعد رؤيته. فمن يجده يبقى معه إلى الأبد.

4) يتكون الفِكر والحب من مواد مختلفة. فالفكر يربط البشر في عُقَد لكن الحب يذيب جميع العُقَد. إن الفِكر حذرٌ على الدوام وهو يقول ناصحًا “إحذر الكثير من النشوة” بينما الحب يقول “لا تكترث أقدم على هذه المجازفة” وفي حين أن الفكر لا يُمكن أن يتلاشى بسهولة، فإن الحب يتهدم بسهولة ويصبح ركامًا من تلقاء نفسه. لكن الكنوز تتوارى بين الأنقاض، والقلب الكسير يخبئ كنوزًا.

5) تنبع مُعظم مشاكل العالم من أخطاء لغوية ومن سوء فهم بسيط. لا تأخذ الكلمات بمعناها الظاهري مُطلقا وعندما تلج دائرة الحب تكون اللغة التي نعرفها قد عفي عليها الزمن. فالشيء الذي لا يمكن التعبير عنه بكلمات لا يمكن إدراكُه إلا بالصمت.

6) الوحدة والخُلوة شيئان مختلفان فعندما تكون وحيدًا من السهل أن تخدع نفسك ويخيَل إليك أنك تسير على الطريق القويم. أما الخُلوة فهي أفضل لنا، لأنها تعني أن تكون وحدك من دون أن تشعر بأنك وحيد. لكن في نهاية الأمر من الأفضل لك أن تبحث عن شخص، شخص يكون بمثابة مرآة لك. تذكر أنك لا تستطيع أن ترى نفسك حقًا إلا في قلب شخصٍ آخر، وبوجود الله في داخلك.

7) مهما حدث في حياتك ومهما بدت الأشياء مزعجة فلا تدخل ربوع اليأس. وحتى لو ظلت جميع الابواب موصدة فإن الله سيفتح دربا جديدًا لك. إحمد ربك! من السهل عليك أن تحمد الله عندما يكون كل شيء على ما يرام. فالصوفي لا يحمد الله على ما منحه الله إياه فحسب! بل يحمده أيضًا على كل ما حرمه منه.

8) لا يعني الصّبر أن تتحمل المصاعب سلبًا، بل يعني أن تكون بعيد النظر بحيث تثق بالنتيجة النهائية التي ستتمخض عن أي عملية. ماذا يعنى الصبر؟ أنه يعني أن تنظر إلى الشوكة وترى الوردة، أن تنظر إلى الليل وترى الفجر. أما نفاد الصبر فيعني أن تكون قصير النظر ولا تتمكن من رؤية النتيجة. إن عشاق الله لا ينفد صَّبرهم مطلقًا، لأنهم يعرفون أنه لكي يُصبح الهلال بدرًا فهو يحتاج إلى وقت. لقد خلق الله المعاناة حتى تظهر السعادة من خلال نقيضها. فالأشياء تظهر من خلال أضدادها، وبما أنه لا يوجد نقيض لله فإنه يظل مخفيًا.

9) لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله، فلكل إمرئٍ طريقته وصلاته الخاصة إن الله لا يأخذنا بكلمتنا، بل ينظر في أعماق قلوبنا. وليست المناسك أو الطقوس هي التي تجعلنا مؤمنين، بل إن كانت قلوبنا صافية أم لا.

10) لا يوجد فرق كبير بين الشرق والغرب والجنوب والشمال. فمهما كانت وجهتك، يجب أن تجعل الرحلة التي تقوم بها رحلة في داخلك. فإذا سافرت في داخلك فسيكون بوسعك اجتياز العالم الشاسع وما وراءه.

11) عندما تجد القابلة أن الحُبلى لا تتألم أثناء المخاض، فإنها تعرف أن الطريق ليس سالكًا بعد لوليدها. فلن تضع وليدها إذًا. ولكي تولد نفس جديدة يجب أن يكون ألم. وكما يحتاج الصلصال إلى حرارة عالية ليشتد فالحب لا يكتمل إلا بالألم.

12) إن السعي وراء الحبّ يغيّرنا. فما من أحد يسعى وراء الحبّ إلا وينضج أثناء رحلته. فما إن تبدأ رحلة البحث عن الحبّ، حتى تبدأ تتغيّر من الداخل ومن الخارج.

13) يوجد مُعلمون مُزيفون وأساتذة مُزيفون في هذا العالم أكثر عددًا من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السُلطة وبين المعلمين الحقيقيين. فالمعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مُطلقة أو إعجابًا تامًا مِنك. بل يساعدك على أن تُقدر نفسك الداخلية وتحترمها. إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يَعبر نور الله من خلالهم.

14) لا تحاول أن تقاوم التغييرات التي تعترض سبيلك. بل دَع الحياة تعيش فيك. ولا تقلق إذا قلَبت حياتك رأسًا على عقب. فكيف يمكنك أن تعرف أن الجانب الذي اعتدتَ عليه أفضل من الجانب الذي سيأتي؟

15) إن الله مُنهمك في إكمال صُنعك من الخارج ومن الداخل. إنه مُنهمك بك تمامًا. فكُل إنسان هو عمل متواصل يتحرك ببطء لكن بثبات نحو الكمال. فكُل واحدٍ مِنا هو عبارة عن عمل فني غير مُكتمل يسعى جاهدًا للاكتمال. إن الله يتعامل مع كل واحد مِنا على حِدة لأن البشرية لوحةٌ جميلة رسمها خطاطٌ ماهر تتساوى فيها جميع النقاط من حيث الأهمية لإكمال الصورة.

16) من السهل أن تُحب إلاهًا يتصف بالكمال، النقاء، والعظمة، لكن الأصعب من ذلك أن تُحب إخوانك البشر بكل نقائصهم وعيوبهم. تذكر! إن المرء لا يعرف إلا ما هو قادر على أن يُحبُه. فلا حكمة من دون حبّ. وما لم نتعلم كيف نُحب خلق الله، فلن نستطيع أن نُحب حقًا ولن نعرف الله حقًا.

17) إن القذارة الحقيقية تقبع في الداخل. أما القذارة الأخرى فهي تزول بغسلها. ويوجد نوع واحد من القذارة لا يُمكن تطهيرها بالماء النقي وهو لوثة الكراهية والتعصب التي تلوث الروح. نستطيع أن نُطهر أجسامنا بالزُهد والصّيام. لكن الحبّ وحده هو الذي يطهر قلوبنا.

18) يقبع الكون كُله داخل كل إنسان في داخلك. كل شيء تراه حولك بما في ذلك الأشياء التي قد لا تُحبها. حتى الأشخاص الذين قد نحتقرهم أو نمقتهم يقبعون في داخلك بدرجات متفاوتة. لا تبحث عن الشيطان خارج نفسك أيضًا. فالشيطان ليس قوة خارقة تُهاجمك من الخارج، بل هو صوت عادي ينبعث من داخلك. فإذا تعرفت على نفسك تمامًا وواجهت بصدق وقسوة جانبيك المظلم والمشرق. عندها تبلغ أرقى أشكال الوعي وعندما تعرف نفسك فإنك ستعرف الله.

19) إذا أراد المرء أن يُغير الطريقة التي يُعامله فيها الناس. فيجب أن يُغير أولًا الطريقة التي يُعامل بها نفسهُ. وإذا لم يتعلم كيف يُحب نَفسهُ حبًا كاملًا صادقًا، فلا توجد وسيلة يمكنه فيها أن يحب. لكنه عندما يبلغ تلك المرحلة، سيشكر كل شوكة يلقيها عليها الآخرون. فهذا يدل على أن الورود ستنهمر عليه قريبًا.

كيف يمكن للمرء أن يلوم الآخرين لأنهم لا يحترمونه إذا لم يكن يعتبر نفسه جديرًا بالاحترام؟

20) لا تهتم إلى أين سيقودك الطريق، بل ركز على الخطوة الأولى. فهي أصعب خطوة يجب أن تتحمل مسؤولياتها. وما أن تتخذ تلك الخطوة دَع كل شيء يجري بشكل طبيعي وسيأتي ما تبقى من تلقاء نفسه. لا تسير مع التيار، بل كن أنت التيار.

21) لقد خلقنا جميعًا على صورته. ومع ذلك فإننا جميعًا مخلوقات مُختلفة ومميزة. لا يوجد شخصان متشابهان. ولا يخفق قلبان لهما الإيقاع ذاته. ولو أراد الله أن نكون مُتشابهين لخلقنا متشابهين. لذلك فإن عدم احترام الاختلافات وفرض أفكارك على الآخرين يعني عدم احترام النظام المقدس الذي أرساه الله.

22) عندما يدخل عاشق حقيقي لله إلى حانة فإنها تُصبح غرفة صلاته. لكن عندما يدخل شارب الخمر إلى الغرفة نفسها فإنها تُصبح خمارته. ففي كل شيء نفعله قلوبنا هي المهمة لا مظاهرنا الخارجية. فالصوفيون لا يحكمون على الآخرين من مظهرهم أو من هُم. وعندما يُحدق صوفي في شخص ما فإنه يغمض عينيه ويفتح عين ثالثة، العينُ التي ترى العالم الداخلي.

23) ما الحياة إلا دين مؤقت وما هذا العالم إلا تقليد هزيل للحقيقة. والأطفال فقط هم الذين يخلطون بين اللعبة والشيء الحقيقي. ومع ذلك فإما أن يفتتن البشر باللعبة أو يكسِروها بازدراء ويرموها جانبًا. في هذه الحياة تحاشى التطرف بجميع أنواعه لأنه سيحطم إتزانك الداخلي. فالصوفي لا يتصَرف بتطرف بل يظل مُتسامحًا ومعتدلًا على الدوام.

24) يتبوأ الإنسان مكانة فريدة بين خلق الله. إذ يقول الله “ونفختُ فيه من روحي” فقد خُلقنا جميعًا من دون إستثناء لكي نكون خلفاء الله على الارض. فاسأل نفسك كم مرة تصرفت كخليفة له، هذا إن فعلت ذلك؟ تذكر أنه يقع على عاتق كل مِنا اكتشاف الروح الإلهية في داخله حتى يعيش وفقها.

25) إن جهنم تقبع هنا والآن، وكذلك الجنة. توقفوا عن التفكير بجهنم بخوف أو الحُلم بالجنة، لأنهما موجدتان في هذه اللحظة بالذات. ففي كل مرة نُحب، نصعد إلى السماء. وفي كل مرة نكره أو نحسد أو نحارب أحدًا فإننا نسقط مباشرةً في نار جهنم.

26) لا ضرر ولا ضرار. كن رحيمًا. لا تكن نمامًا، حتى لو كانت كلمات بريئة. لأن الكلمات التي تنبعث من أفواهنا لا تتلاشى، بل تظل في الفضاء اللانهائي إلى ما لا نهاية، وستعود إلينا في الوقت المناسب. إن معاناة إنسان واحد تؤذينا جميعًا. وبهجة إنسان واحد تجعلنا جميعًا نبتسم.

27) يُشبه هذا العالم جبلًا مكسوًا بالثلج يردد صدى صوتك. فكل ما تقوله سواء أكان جيدًا أم سيئًا، سيعود إليك على نحو ما. لذلك إذا كان هناك شخص يتحدث بالسوء عنك فإن التحدث عنه بالسوء بالطريقة نفسها يزيد الأمر سوءً. وستجد نفسك حبيس حلقة مُفرغة من طاقة حقودة. لذلك إنطق وفكر طوال أربعين يوما وليلة بأشياء لطيفة عن ذلك الشخص. إن كل شيء سيصبح مختلفًا في النهاية لأنك سَتصبح مُختلفًا في داخلك.

28) إن الماضي تفسير، والمستقبل وهم. إن العالم لا يتحرك عبر الزمن وكأنه خط مستقيم، يمضي من الماضي إلى المستقبل. بل إن الزمن يتحرك من خلالنا وفي داخلنا في لوالب لا نهاية لها. إن السرمدية لا تعني الزمن المطلق، بل تعني الخلود.

29) لا يعني القدر أن حياتك محددة بقدر محتوم. لذلك فإن ترك كل شئ للقدر وعدم المشاركة في عزف موسيقى الكون دليل على جهل مُطلق. إن موسيقى الكون تَعُم كل مكان وتتألف من أربعين مستوى مُختلفًا. إن قَدرك هو المستوى الذي تَعزفين فِيه لحنك. فقد لا تغيرين آلتُكِ الموسيقية بل تُبدلين الدرجة التي تجيدين فيها العزف.

30) إن الصوفي الحق هو الذي يَتَحمل الصّبر، حتى لو اتهم باطلًا. وتعرض للهجوم من جميع الجهات ولا يوجِه كلمة نابية واحدة إلى أي مُنتقديه. فالصوفي لا ينحي باللائمة على أحد. فكيف يمكن أن يوجد خصوم أو منافسون أو حتى “آخرون” في حين لا توجد “نفس” في المقام الأول؟ كيف يمكن أن يوجد أحد يلومه في الوقت الذي لا يوجد فيه إلا “واحدًا”؟

31) إذا أردت أن تُقوي إيمانك فيجب أن تكون ليّنًا في داخِلك. لأنه لكي يشتد إيمانك ويصبح صلبًا كالصخرة يجب أن يكون قلبك خفيفًا كالريشة. فإذا أُصِبنا بمرض أو وقعت لنا حادثة أو تعرضنا لخسارة أو أصابنا خوف بطريقة أو بأخرى، فإننا نواجه جميعًا الحوادث التي تُعلمنا كيف نصبح أقل أنانية وأكثر حكمة وأكثر عطفًا وأكثر كرمًا.

ومع أن بعضنا يتعلم الدرس ويزداد رِقة واعتدالًا، يزداد آخرون قسوة. إن الوسيلة التي تمكنك من الاقتراب من الحقيقة أكثر تكمن في أن يتسع قلبك لاستيعاب البشرية كلها، وأن يظل فيه مُتسع لمزيد من الحب.

32) يجب ألا يحول شيء بين نفسك وبين الله، لا ائمة، ولا قساوسة، ولا أحبار، ولا أي وصي آخر على الزعامة الأخلاقية أو الدينية، ولا السادة الروحيون، ولا حتى إيمانك. آمن بقيمك ومبادئك لكن لا تفرضها على الآخرين.

وإذا كنت تحطم قلوب الآخرين فمهما كانت العقيدة التي تعتنقها فهي ليست عقيدة جيدة. ابتعد عن عبادة الأصنام بجميع أنواعها لأنها تشوه رؤيتك. ليكن الله والله وحده دليلك. تعلم الحقيقة، لكن إحرص على ألا تصنع من الحقائق التي تتكون لديك أوثانًا.

33) على الرغم من أن المرء في هذا العالم يُجاهد ليحقق شيئًا ويُصبح شخصًا مهمًا، فإنه سَيُخلف كل شيء بعد موته. إنك تهدف إلى بلوغ المرحلة العليا من العدم. عِش هذه الدنيا خفيفة وفارغة مثل الرقم صفر. إننا لا نختلف عن أصيص الزرع، فليست الزينة في الخارج، بل الفراغ في داخلنا هو الذي يجعلنا نقف منتصبى القامة. فالوعي بالعدم وليس ما نتطلع إلى تحقيقه هو الذي يُبقينا نواصل الحياة.

34) لا يعني الاستسلام أن يكون المرء ضعيفًا أو سلبيًا، ولا يؤدي إلى الإيمان بالقضاء والقدر أو الاستسلام، بل على العكس تمامًا. إذ تكمن القوة الحقيقية في الاستسلام – القوة المنبعثة من الداخل. فالذين يستسلمون للجوهر الإلهي في الحياة يعيشون بطمأنينة وسلام حتى عندما يتعرض العالم برمته إلى اضطراب تلو الاضطراب.

35) في هذا العالم، ليست الأشياء المتشابهة أو المنتظمة، بل المتناقضات الصارخة، هي ما يجعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام. ففي داخل كل منا توجد جميع المتناقضات في الكون، لذلك يجب على المؤمن أن يلتقي بالكافر القابع في داخله؛ وعلى الشخص الكافر أن يتعرف على المؤمن الصامت في داخله. وإلى أن نصل إلى اليوم الذي يبلغ فيه المرء مرحلة الكمال، مرحلة الإنسان المثالي، فإن الإيمان ليس إلا عملية تدريجية، ويستلزم وجود نظيره: الكفر.

36) لقد خُلق هذا العالم على مبدأ التبادل؛ فكلّ امرئ يُكافأ على كلّ ذرة خير يفعلها، ويعاقب على كلّ ذرة شرّ يفعلها. لا تخف من المؤامرات، أو المكر، أو المكائد التي يحيكها الآخرون؛ وتذكّر أنه إذا نصب لك أحدهم شركًا، فإن الله يكون قد فعل ذلك. فهو المخطط الأكبر. إذ لا تتحرك ورقة شجرة من دون عِلمه. آمن بذلك ببساطة وبصورة تامة. فكلّ ما يفعله الله يفعله بشكل جميل

37) إن الله ميقاتي دقيق. إنه دقيق إلى حد أن ترتيبه وتنظيمه يجعلان كل شيء على وجه الارض يتم في حينه. لا قبل دقيقة ولا بعد دقيقة. والساعة تمشي بدقة شديدة بالنسبة للجميع بلا استثناء. فلكل شخص وقت للحب ووقت للموت.

38) ليس من المتأخر مطلقًا أن تسأل نفسك، هل أنا مستعد لتغيير الحياة التي أحياها؟ هل أنا مستعد لتغيير نفسي من الداخل؟ وحتى ولو كان قد تبقى من حياتك يوم واحد يشبه اليوم الذي سبقه، ففي كل لحظة ومع كل نفس جديد، يجب على المرء أن يتجدد ويتجدد ثانية. ولا توجد إلا وسيلة واحدة حتى يولد المرء في حياة جديدة وهي أن يموت قبل الموت.

39) مع أن الأجزاء تتغير فإن الكل يظل ذاته. لأنه عندما يغادر لص هذا العالم، يولد لص جديد، وعندما يموت شخص شريف، يحل مكانه شخص شريف آخر. وبهذه الطريقة لا يبقى شيء من دون تغيير، بل لا يتغير شيء أبدًا أيضًا.

لأنه مقابل كل صوفي يموت يولد صوفي آخر في مكان ما في هذا العالم. إن ديننا هو دين العشق وجميع البشر مرتبطون بسلسلة من القلوب فإذا إنفصلت حلقة منها حلت محلها حلقة أخرى في مكان آخر. إن الأسماء تتغير تأتي وتذهب لكن الجوهر يبقى ذاته.

40) لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تُريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي. فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنه كما هو، نقى وبسيط. “العشق ماء الحياة والعشيق هو روح من النار”، يُصبح الكون مختلفًا عندما تعشق النار الماء.

بالعودة إلى أحداث الرواية نجد أنها تدور حول إيلا التي حصلت على عمل كناقدة في دار نشر، وقد طلبت منها الكاتبة أن تنجز تقريرا تنتقد فيه رواية بعنوان (الكفر الحلو) من تأليف عزيز زاهارا. ركزت رواية الكفر الحلو على لقاء جلال الدين الرومي بشمس التبريزي.

ويبدو أن إيلا قد استهواها دور الدرويش شمس التبريزي في القصة، هذا الأخير سعى جاهدا إلى اللقاء بالرومي، متحديا كل العراقيل والصعوبات التي واجهته في انتقاله من أجل تحقيق الوصال عبر أفضية متعددة وأزمنة متقلبة. شرعت إيلا تتبادل الرسائل مع الكاتب عزيز، وهو ما سيؤدي إلى تحول عميق في حياتها، حيث ستكتشف أن حياتها تعكس حياة جلال الدين الرومي قبل لقائه بشمس، وأن عزيز ربما هو نفسه شمس الذي سيدخل إلى حياتها،وسيقلبها رأسا على عقب.

وستنتهي حياته كما انتهت حياة شمس، فالأول (عزيز) مات وحيدا على فراشه في المستشفى بعد معاناة مع مرض السرطان، تقول الكاتبة: (عندما عادت بعد نصف ساعة، وجدت طبيبا وممرضة … وقد غطت ملاءة السرير وجه عزيز. لقد مات). أما الثاني (شمس) فقد مات مقتولا وظل مجهولا.

الجميل في الرواية أن جلال الدين الرومي تحول من خطيب إلى أهم شاعر صوفي في التاريخ الإسلامي، أسس لرقصة “سما” في العشق الإلاهي، وتحولت إيلا روبنشتاين إلى عاشقة مجنونة تضحي بكل شيء من أجل الحب بعد أن كانت مجرد امرأة عادية شبيهة ببركة مياهها راكدة.


• صورة المرأة في رواية قواعد العشق الأربعون:

استنادا الى ماسبق اتضح ان اليف معلوم أن المرأة عانت الكثير من التهميش حتى على مستوى الكتابة الإبداعية، حيث استحضرتها بطريقة سلبية، مرتبطة في الغالب بفكر طائفي يكرس الصورة النمطية للمرأة باعتبارها تابعة، إذ غالبا ما تطالعنا الكتب بصورة المرأة مقرونة بالرجل في مقارنة غير عادلة.

ولعل مرد ذلك إلى ما هو نوعي ومجتمعي. والحقيقة أننا في حاجة ملحة إلى المزيد من الإسهامات التي تنير جوانب ظلت غامضة منها، وتلقي الضوء على قضايا نسائية في محاولة لمعالجتها.
لقد كان حضور المرأة في رواية قواعد العشق الأربعون ملفتا للنظر، تدل عليه الشذرات التي تناولته عبر

فصول الروايةـ حيث وردت المرأة عبر ألقاب مولدوفية توثق لنسبها وشخصيتها ومظهرها. هذه الأخيرة كان لها دور في تفعيل أحداث الرواية ونموها. وسنعرضها بالشكل التالي:

– إيلا روبنشتاين، هذه المرأة الأمريكة ذات الأصول اليهودية. أظهرتها الرواية في مظهر العابد المتنسك، حيث كرست عشرين سنة من عمرها لخدمة زوجها ديفد وأبنائها الثلاثة. دأبت على روتين يومي تؤمن من خلاله بأن العلاقات التقليدية هي الأكثر استقراراً وأن الحب شيء ثانوي في الحياة الثابتة.

شخصية إيلاَّ ستعيش تجربة فريدة بعد أن تقرأ رواية (الكفر الحلو)، وتنجز تقريرا حولها، هذه التجربة ستغير نظرتها للوجود، وستحول من دواخلها إلى درجة الثورة على حياتها السالفة بطلب الطلاق، وستنغمس في لذة العشق الإلاهي بعد أن التقت بصاحب الرواية، واقتنعت بأن الحب هو محور الحياة في تعاليه عن كل الزوائف.

حب يسمو بالذات الإنسانية إلى الوجود المتافيزيقي لله، لذلك ستختار طريق الانتشاء بالتصوف، حيث ستغادر مع عزيز، وستعمل بقاعدة: “حياتك حافلة، مليئة، كاملة، أو هكذا يخيل إليك، حتى يظهر فيها شخص يجعلك تدرك ما كنت تفتقده طوال هذا الوقت. مثل مرآة تعكس الغائب لا الحاضر، تريك الفراغ في روحك، الفراغ الذي كنت تقاوم رؤيته”.

– شخصية كيميا، وهي تلميذة غير عادية، ذكية ونجيبة، وموهوبة. من أسرة بسيطة من الفلاحين ، تركها والدها عند جلال الدين الرومي وهي في الثانية عشرة ،حتى تنهل من علومه. التحقت هذه الأخيرة ببيت الرومي، حيث عاشت بين أفراد أسرته، زوجته كيرا، وولديه سلطان ولد، وعلاء الدين. كانت لها قدرة على رؤية الأشباح من الموتى ومحادثتهم. ستنقلب حياتها بعد أن يلتحق شمس التبريزي بعائلة الرومي.

فتقع فريسة في حبه. بدأ هذا الإحساس يتملكها عندما كانت تسأله عن مستويات البصيرة والمعرفة … تقول في حوار داخلي مع نفسها: “عندما أقف إلى جانبه… أشعر بأنني امرأة على استعداد لإذكاء لهيب الحياة في رحمها …، ولتضمن بقاءه إلى جانب جلال الدين الرومي ، قررت ان تتزوجه، تقول: (سأمنحه الكثير من الحب وأجعله سعيداً، لذلك يجب أن يتغير، وسأعلمه كيف يكون زوجاً صالحاً وأباً صالحاً…” لم تنجح كيما في أن تغير شمس، ولا حتى أن تجعله يقترب منها، تقول: (… لقد مضى على زواجنا نحو سبعة أشهر، ولم ينم فيها معي كزوج ولو مرة واحدة) لأنه اختار العشق الإلاهي، وهو ما أثر عليها سلبا، ذلك أنها وقعت ضحية للصوفية كانت نهايتها مأساوية إذا ماتت قهرا وكمدا بعد رفضه لها
– شخصية كيرا، وهي الزوجة الثانية لجلال الدين الرومي بعد وفاة زوجته الأولى جوهر.

كيرا مسيحية المذهب غير أنها اعتنقت الإسلام بهد زواجها من الرومي، أحبته حبا شديدا، عاشت معه حياة هادئة قبل أن يلتحق شمس بالأسرة. لم تقبل به، بل تمنت أن يختفي، لأن وجوده بالنسبة إليها أثر سلبا على الجميع خاصة جلال الدين الرومي الذي لم يكن يفارقه، بل تحول عن خطبه وعن مجالس العلم والتدريس إلى الشعر والغناء والرقص.

لهذا السبب فكرت أن تشجع كيما على أن تتزوج من شمس وقد نجحت في يذلك، ظنا منها أن هذا سيجعل لرومي يعود إلى سالف عهده وإليها. كيرا هذه الشخصية التي لم تعتنق الصوفية، ولم تكن معنية بكلام شمس وقواعده (لا تحاول أن تقاوم التغييرات التي تعترض سبيلك. بل دَع الحياة تعيش فيك. ولا تقلق إذا قلَبت حياتك رأسًا على عقب.

فكيف يمكنك أن تعرف أن الجانب الذي اعتدتَ عليه أفضل من الجانب الذي سيأتي؟)، وأن التحدي الحقيقي يفرض على المرء أن يقبل الجيد والرديء، ليتقبل الحب الإهي وظلت في حنين مستمر إلى مريم العذراء، تقول:( وفجأة ومن دون أن أفكر بما أفعله، بدأت أشكل صورة لأمنا مريم من كرة العجين…)

– وردة الصحراء وهي شخصية منكسرة، قدمتها الرواية في أبشع صور استغلال الجسدي للمرأة. وجدت نفسها بسبب ظروف متعددة في وكر للدعارة، مجبرة على استعمال أنوثتها لغواية الرجال من أجل كسب المال. عرفت حياتها تبدلا بعد أن التقت بشمس التبريزي، هذا الأخير تنبأ لها بأنها ستنطلق في رحلة روحية للبحث عن الله، وأنها ستهجر هذا المكان ولن تعود إليه .

لذلك حرضها على أن تهجر هذا الوكر وأن تبحث عن نفسها خاصة وأن كل ما كانت تحلم به أن تحظى باحترام الناس، وأن تعيش في مأمن وسلام من شرور المتغطرسين الطغاة وعلى رأسهم بيبرس الذي مارس عليها التعذيب الجسدي والنفسي إلى درجة لم تعد تشعر بالألم ولا بالظلم ذاته. قررت أن تغادر بيت الدعارة بحثا عن الله، كان خروجها الأول لاكتشاف ذلك حين حضرت خطبة لجلال الدين الرومي بالمجسد وافتضح أمرها إذ كان ممنوعا على النساء والعاهرات حضور مثل هذه الأماكن.

ولولا تدخل شمس لكانت نهايتها في ذلك اليوم. استجمعت كل قواها الداخلية، وإيمانها بالخلاص امتثالا لإحدى قواعد شمس التي تقول: ( إذا أراد المرء أن يغير الطريقة التي يعامله فيها الناس، فيجب أن يغير أولًا الطريقة التي يعامل فيها نفسه) التحقت ببيت الرومي، وقد بقيت إلى جانب النساء اللواتي كن يحتمين به، كيرا وكيما.

تعلمت نكران الذات حيث رفضت في البداية أن تساعد كيما على أن تتبرج بهدف أن تغوي شمس، لولا إصرارها هذه الأخيرة، واعتقاد وردة الصحراء أن ما ستقوم به يخدم المصلحة العامة ويسير في اتجاه ذلك، ورغم ذلك اكتنفها شعور بالذنب إذ نجدها تبكي بألم وهي تزينها وتُبَرِّجها.

انطلاق من قواعد العشق الأربعون التي سنها شمس رفقة الرومي، والتي توحي لدارسها والمتعمق في دلالتها، أنها تعتمد الوسطية والاعتدال، وهو ما لم تتمكن الشخصيات النسائية في الرواية (إيلا، وكيرا، وكيما، ووردة الصحراء) من استيعابه، فبالعودة إلى هذه الشخصيات، والتدقيق في تركيبتها، نلفيها منخورة من الداخل، فاقدة لتوازنها الطبيعي، إذ تاهت كل واحدة منهن عن هويتها، وهي تبحث عنها، لم تتمكن من بلوغ أعلى درجات الصوفية في الحب الإلهي بقد ما وجدت فيها متنفسا يعيد إلى ذواتهن بعضا مما فقدته بفعل الظروف الاجتماعية لكل شخصية من هاته الشخوص.


•خاتمة:

استنادا الى ما سبق، يتضح ان إليف شافاق قد عالجت في روايتها قواعد العشق الاربعون تلك العلاقة الوجدانية الروحية غير العادية التي بين جمعت جلال الدين الرومي وشمس التبريزي في إطار علائقي صوفي وهو ما يثبت صحة الفرضية التي انطلقنا منها.

ثم إنه معلوم أن المرأة قد سجلت حضورها في صناعة التاريخ بمختلف مراحله، وتركت لنا إرثا فكريا ثقافيا يوازي ما أنتجه الرجل. ولعل الروائية إليف شافاق، قد فعلت حين وثقت لقواعد العشق الأربعون، فهي المرأة والكاتبة التي استحضرت في روايتها المرأة في صور مختلفة. صحيح أن تواجد الشخصية النسائية عبر صفحات الرواية كان ضئيلا (إيلا / كيرا/ كيما/ وردة الصحراء/ ماغو/ جوهر) بالمقارنة مع التواجد الذكوري، غير أن هذه الأخيرة أثرت بشكل كبير في سيرورة الأحداث، وأغنت السرد، وارتقت بالموضوع.

وظهرت بمظهر المصارع الذي يسعى إلى الارتقاء بوضعه، وتجاوز أزمة الاغتراب الداخلي، والانصهار في بوتقة الحب الصوفي. ولعل استحضار الكاتبة إليف شفاق لهذه الشخصيات كان بدافع كشف معاناة المرأة، وإماطة اللثام عن النظرة الدونية التي يحيطها بها الآخر، وهي في ذلك لا تبغي تقزيم دور الرجل بقدر ما تهدف إلى لفت الانتباه إلى هذا الكائن البشري الحساس الذي يعتبر بدوره جزء من العشق الإلهي خاصة وأن قواعد العشق تقر ضمنيا بالمساواة في الأهلية الروحية بين الرجل والمرأة، وأن جميع المقامات الروحية متاحة لكليهما بشكل متساو.

وبذلك تكون الكاتبة إليف شافاق قد أبدعت في تنزيل شخوصها بلغة وأسلوب سلسين واضحين، معتمدة عنصر التشويق عبر عمليتي الاسترجاع والاستباق.

عتيقة هاشمي

عتيقة هاشمي، أستاذة الثانوي التأهيلي بالرباط المغرب، حاصلة على شهادة الدكتوراه وحدة التكوين (الإنسان والمجال في العالم المتوسطي) تخصص : (قضايا وظواهر نقدية وأدبية في المغرب الأندلس ) جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية - الرباط، المغرب. حاصلة أيضا على ماستر في شعبة اللغة العربية، تخصص (التفاعل الثقافي الأندلسي المتوسطي) جامعة محمد الخامس كلية الآداب والعلوم الإنسانية-الرباط المغرب. عضوة الاتحاد الدولي للغة العربية، عضوة شباب الائتلاف من أجل اللغة العربية، عضوة المكتب الوطني لجمعية التنمية المغربية للقراءة (شبكة القراءة بالمغرب)، عضوة مجلس إدارة الاتحاد العربي للثقافة. عضوة مجلس إدارة مجموعة تغريدات نخلة العراقية ُنشرت لها الكثير من المقالات والدراسات النقدية في مجلات وجرائد مغربية وعربية ودولية ورقية وإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى