سرديات: جون بروكمان.. الثقافة الثالثة والإنسانيون الجُدد!

0

 

مصطلح «الثقافة الثالثة» من المصطلحات النقدية المعرفيّة التي بدأتْ تروج مؤخرًا في الأوساط الثقافيّة وتحظى بانتشار لافت. وهذا المصطلح يعني انهيار الحواجز بين ثقافتين؛ ثقافة المشتغلين بالفنون والآداب والإنسانيات، في مقابل ثقافة المشتغلين بالعلوم الطبيعية مثل الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا والرياضيات.

ويُعنى مصطلح «الثقافة الثالثة» بضرورة توفّر المعرفة بآليات الاشتغال في مجال العلوم الطبيعيّة بالنسبة إلى المشتغلين بالفنون والآداب والإنسانيات، في مقابل توفّر المعرفة بآليات الاشتغال بالإنسانيات لدى المتخصصين في العلوم الطبيعيّة.

ويُعد جون بروكمان أبرز منظري هذا المصطلح في السنوات الأخيرة؛ رغم كون هذا المصطلح في مضامينه الحقيقيّة يعود عمره إلى قرون عدة ربّما نستطيع تأريخها بكتاب «فن الشعر» لأرسطو، وهو الكتاب التأسيسيّ الملهم لقواعد الدراما الإغريقيّة وفق قوالب كونية.

لقد اشتغل أرسطو في هذا الكتاب بروح العالم المجرّد من أيّ مرجعيات مسبقة ووفقًا لقواعد منطقية وعلمية صارمة للوصول إلى القوالب التي لا تعني نتائجها النهائية أنَّها يقينية محضة. وهذا يعني أنه قارب موضوعًا أدبيا بحتًا من خلال مقاربة منطقيّة عقلانيّة للشعر اليونانيّ ممتزجة بروح العالِم.

لقد ساد منظور ثقافيّ موسوعيّ في عصر النهضة الأوروبيّة مع ظهور بعض المثقفين الموسوعيين من أمثال دافنشي ومايكل أنجلو لهم إبداعاتهم الفنية والعلميّة في آن واحد. إنَّ جون بروكمان أراد أن يُنظر إلى مفهوم الثقافة الثالثة بقوله «إنَّ بزوغ هذه الثقافة الجديدة فيه برهان على جوع ثقافيّ شديد، والتوق إلى الأفكار الجديدة المهمة التي تقود زماننا: تطورات ثورية في البيولوجيا الجزئية، والهندسة الوراثية، والنانو تكنولوجيا، والذكاء الاصطناعيّ، والحياة الاصطناعيّة، ونظرية الشواش، والتوازي المكثف، والشبكات العصبّية، والكون التضخميّ (الانتفاخيّ)، والتشكّلات، والنظم التكيفيّة المركبة واللسانيات والأوتار الفائقة والتنوع الحيويّ، والجينوم البشريّ والنظم الخبيرة والتوازن المتقطع، (…) والفضاء السيبيريّ (المعلوماتيّ)…»

إنَّ «الثقافة الثالثة» عند بروكمان تعني أنَّ الباحثين في الإنسانيات يفكرون بطريقة تفكير العلماء، وهم مثل زملائهم في العلوم يؤمنون بأنَّ هناك عالمًا حقيقيا وأنَّ مهمتهم هي فهمه وتفسيره، وهم يختبرون أفكارهم بلغة من التماسك المنطقيّ، والقدرة التفسيرية، والاتساق مع الحقائق الإمبيريقيّة. وهم لا يذعنون لسلطات ثقافيّة، وهم لا يختزلون الإنسانيات إلى مبادئ بيولوجية وفيزيائية، ولكنهم يعتقدون بالفعل بضرورة انتباه الإنسانيات إلى مجالات اشتغال العلوم الطبيعية. لقد جمع جون بروكمان في كتاب «الإنسانيون الجدد، العلم عند الحافة» علماء ينتمون إلى مرجعيات معرفيّة متعددة في البيولوجيا التطورية والفلسفة وعلم الجغرافيا الحيوية والتكنولوجيا والانثربولوجيا البيولوجيّة والكومبيوتر وعلم الإدراك وعلم النفس والفيزياء. وهؤلاء جميعهم يسألون موضوعًا واحدًا هو الكون ومعرفته.

أشار بروكمان إلى جماعة «الحافة»، وهي جماعة تأسَّست «في تسعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية، وهم جماعة غير رسمية ويُعرفون باسم «نادي الواقع». ويشتغلون على تلك التقاطعات الثرية والتداخلات بين مجالي العلوم الطبيعية والإنسانية. في مقال عنوانه «تركيب علميّ جديد لتاريخ الإنسان» لجيرد دياموند يحاول هذا الباحث الاشتغال بآليات العلوم الطبيعيّة في تفكيك بعض التواريخ البشرية. يقول الباحث: «أخذتُ على عاتقي المهمة المتواضعة بأن أحاول أن أفسر النمط العريض لتاريخ الإنسان فوق كلِّ القارات طوال ثلاثة عشر ألفا من السنين الأخيرة. ويتساءل الباحث: لماذا اتبع التاريخ سياقات تطورية مختلفة هكذا لشعوب القارات المختلفة؟ وتأتي محاولة تفسير الباحث لهذا السؤال الإشكاليّ من خلال تفكيكه لأحداث تاريخيّة مفصليّة في تاريخ العالم موظّفا آليات (البيولوجيا الجزئية ووراثيات النبات والحيوان والجغرافيا البيولوجيّة والآثار واللسانيات). وهو يُسائل بهذه الآليات المتضافرة بعض الحوادث التاريخيّة الكبرى، ومنها استيلاء الإسبان رغم قلة عددهم على القارة الأمريكيّة ورغم الكثافة العددية الهائلة للهنود الحمر.

إنَّ «الثقافة الثالثة» نحتاجها جميعًا ليس فقط في الدوائر الأكاديمية والبحثية والنقدية وإنّما حتى أيضًا في مجال معرفة الإنسان العادي في عصر حدثت فيه ثورات علمية تكنولوجية هائلة جدًا. إذن «الإنسانيون الجُدد» هم النقاد «الجُدد» الآن، وهذا يعني أنَّ النقاد والباحثين لا بد لهم من تطوير معارفهم ودراساتهم البينيّة التي ستحقّق فتوحات معرفية مغايرة للمألوف، علينا فقط أن نخرج من «الصندوق» كي نحصل على معرفة حقيقيّة مغايرة واستثنائية!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدكتورة ضياء عبد الله خميس الكعبي: أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.