هيكل البنية السردية: القصة القصيرة أنموذجًا

0

 

من الأهمية بمكان معرفة عناصر بنية النص وتقنياته، ومعرفة وظائفه، لتفجير القدرة التامة في بناء نص مكتمل مدهش جذاب.

وهذه المعرفة منوطة بطرفين مهمين:

الطرف الأول: منتج النص (الكاتب)، أو السارد، وهو الأهم.

الطرف الثاني: القارئ الناقد، أو المتلقي.

وبالنظر إلى الطرف الثاني، وهو الناقد، الذي تلقى النص السردي بعد انفصال منتجه عنه، الذي ندعوه حينما يتناول روح النص فيقوم بتحليله وتفسيره وتبيان معناه، أن يقوم أيضًا بتحليل هيكله البنيوي، وذلك من مبدأ معرفته التامة بتلك التقنيات المستخدمة في إقامة ذلك الهيكل، ولإيمانه الكبير بأنه قادر على التعامل معها تعاملاً مميزًا، وأنه يستطيع كشف أسرار اللعبة الفنية للنص، وعبر معرفة الوظائف التي تساعد على كشف القول الذي تنهض به تلك الوظائف البنيوية.

ودعوتنا هذه لا تفرض تحويل النص إلى مجرد هيكل بلا معنى، ولا أن تجعل من الناقد ممارسًا نقديا مفضلاً هذا الفعل على التأويل والتفسير الذي يتعامل ومعاني النص ومحاورة أفكاره، بل هو إعانة المتلقي الآخر على التلذذ بفنيات الكتابة، وإلى جانب كشف الكاتب ما إذا كان عارفًا بعناصر البنية النصية أم لا؟ إعانته على الكتابة السليمة.

فالكثير اليوم من الذين يقرأون النصوص أو يستمعون إليها ممن يبدون آراءهم شفهيا أو كتابة لا يعرفون قوانين البناء السردي، بل ربما يكونون كتاب جنس آخر، أو متذوقين فحسب، فيستخدمون العبارات والكلمات المتشابهة لفظًا وصياغة وبخطوط عريضة عامة تتعاطف والكاتب فقط، لقولها وسحبها على مجمل الأنواع الأدبية، كعبارة (جميل، رائع، هذا في قمة الإبداع.. إلخ)، وهذا الرأي ربما انبنى على جمال ظاهر اللغة أو الوصف أو الخيال أو حسن العبارة.

ولذا تشريح جسد المنطوق السردي عبر الوظائف البنيوية سيكون مفقودًا تمامًا، وهو تشريح وتعامل يستبعد التعاطف مع النص أو كاتبه من منطلق التحيز لهما أو مجاملتها ومداراتها أو محاباتها، سواء كان ذلك التحيز بسبب أيديولوجيا النص أو الكاتب، والتركيز على مسألة التعاطف يشعر الكاتب بأنه فعلاً كاتب من الطراز الأول، فيتعالى ويكابر وهو في حضيض الخسارة، بل يزداد خسارة في حين يبني نصوصه اللاحقة على الأساس المنهار المتهاوي نفسِه، ومن خلفه الفاهم والعارف بهذه التقنيات الوظائف ينظر إليه نظرة إشفاق وسخرية.

وأكرر أن دعوتي إلى هذا الفعل النقدي الذي يسعى إلى بنية النص، ليقيني التام بأنه لا يتعارض والعمل النقدي حين ينهج نهج القراءة المُؤهلة أو يتعامل مع مادة الجسد النصية باحثًا عن دلالاته ومعانيه وعن روح الفكر الذي يحكمه. بل بإمكان الفعلين أن يقوما ويسيرا في خطٍ واحد متكاتف.

ولن أقول أكثر مما قلت في هذا الصدد، لأن المقال خصَّ بالكاتب السارد ذاته، الذي هو الأهم كما ذكرت.

إذن ماذا يجب على الطرف الأول، منتج النص؟

بالطبع هو الأمر السابق ذاته، الذي تم فرضه على الناقد أو القارئ، وهو معرفة الكاتب بالعناصر البنيوية للنص. إذ كيف يستطيع بناء صرح ما، من دون أن يعرف قواعده، أو تقنياته، أو عناصره، أو قوانينه، أو مقوماته، أو مواد بنائه، بل كيف يُتم البناء من دون أن يعرف طريقة تركيب تلك القواعد والعناصر؟

فمسألة معرفة شكل البناء، هي معرفة مقوماته وبنيته، وعدم معرفتها أو نقصان معرفتها فادحة كبرى في بناء النص وقد أشرنا سلفًا إلى هذا.

ولا نعني بالمعرفة هنا، أن يكون الكاتب قادرًا فقط على أن يعدد عن ظهر قلب تلك القواعد أو العناصر الأساسية، كأن يقول بنحو مجرد:

1- الفكرة.

2- اللغة.

3- الأسلوب.

4- الموضوع.

5- الحدث ومتعلقاته، الزمان، والمكان، والحوار، والشخوص.

6- العقدة ولحظة التأزم.

7- الاستدراج إلى النهاية.

8- النهاية.

لا، ليس كذلك، بل عليه أن يفهم ماذا يعني كل عنصر على حدة، ويعرف ما خصائصه؟ ويعرف كيف يستخدمه؟ وكيف يطوره؟ وكيف يخرجه مختلفًا عما أخرجه غيره، حيث إن الإبداع هو الإتيان بما لم يأت به الآخرون؟ ثم كيف يتميز به، فيصبح سمة خاصة به؟

سؤال: ماذا ينتج عن تلك المعرفة؟

أعتقد أنه ينتج عنها الكثير من الأمور، منها:

1- تحرر الكاتب من كابوس جهلها، فتكون له القدرة الكبيرة على النمو بها وتطويرها في العمل السردي.

2- إقامة سياق من التحول والاختلاف بينه وبين غيره وتصييره علامة فارقة له وبذرة متقدمة للمزيد من البحث.

3- ولادة كاتب ذي منجز مغاير قادر على مكافحة الزمن والبقاء فيه، حيث الاستنساخ والتكرار سقوط لوجوده بوصفه مبدعًا، وموت لمنجزه الذي لم تتفجر الحياة فيه.

4- تساعده على نقد نصه نقدًا بنيويا إلى جانب نقده معانيه ودلالاته التي يود ترحيلها إلى الآخر. والقدرة على نقد الكاتب نصه يجعله يتقدم به إلى تقليص نقد الآخر لنصه الذي يتتبع العثرات والسلبيات التي تطاله.

5- تمكنه من القدرة على إجابة الأسئلة المجهولة التي تهتم ببنية الشكل وتتدخل عن قصد لفهم كيفية الانبناء السردي وطريقة التحكم بالقول.

6- فهم السارد يعني محاولة إفهام آخر يفرض نفسه عليه، أو هاو جديد يود أن يكون كاتبًا آخر.

7- تجعل من السارد قادرًا على الدفاع عن نصه وثباته وجموده وبقاء سلطته الإبداعية المختلفة المستجدة عبر الزمن.

8- تمكن الكاتب من معرفة متى وكيف ولماذا ألغى عنصرًا ما في النص فيما لو تم ذلك؟

9- يجعل القراءة النقدية تنحني أمام النص وتقع موقع الحوار والجدل وصولاً إلى قناعة ما.

والكثير الكثير من المميزات الجليلة التي يكتسبها السارد فيما لو عرف تقنيات النص وفهم وظيفتها ووعي اللعبة الفنية التي تقوم بها وعليها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد الله النصر: قاص وروائي من المملكة العربية السعودية

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.