من حُلم المدينة الفاضلة إلى بشرية مريضة

1

 

تعدُّ رواية الخيال العلمي جنساً أدبياً خفيفاً، موضوعه ما هو غير مألوف، يتعامل مع الغريب العجيب، ولا ينصاع إلى ما يعيشه البشر في حياتهم اليومية، يركن إلى الفضاء، ويهرب إلى المستقبل، ولا يعبأ بقواعد العقل المتعارف عليها، ويرسل إلينا، في الحالات جميعاً، رعباً متعدداً لم نتعوّد عليه.

بعد وفود كورونا إلى عالم البشر، تبدو تخيّلات “الرواية العلمية” قريبة منا، ولا ننظر باستهتار إلى مسرح اللامعقول. فما لم نكن نعرفه أصبح جزءاً من حياتنا اليومية. فالشوارع التي دورها احتضان المارة غدت خاوية، وأماكن اللهو التي يسرّي فيها البشر عن أنفسهم صارت… تثير الخشية، وزيارة الأصدقاء المعتادة حُذفت من عادات الأصدقاء، وتحوّل تراب الأرض المحايد مؤذياً، يحمل جرثومة كورونا.

لم تعد رواية نجيب محفوظ الواقعية مرجعاً للكتابة الروائية، بعد أن غيّر الواقع المريض ملامحه، ولا رواية إرنست هيمنغواي المحدثة عن الحرب والسلاح مكتملة الإجابات. جاءت معركة جديدة بين ضحايا كورونا والوباء الذي سقط عليهم، وما عادت كلمة السلاح، في عرفها القديم، كافية. جاء المرض بسلاح غير معروف، وأجبر البشر على اللجوء إلى ذخائر غير مسبوقة. لكأن الواقع البشري اليوم في حاجة إلى ما قبل وما بعد جديدين: ما قبل كورونا الذي كان له أعراف قديمة، وما بعد كورونا الذي أخضع البشرية لاختبار جديد لن تخرج منه سالمة. يفصح الاختبار، في وجهيه، عن بشرية خدعت نفسها، اكتست بالأوهام، وبغرور لا يحتمل، ووزعت البشر إلى أقوياء وضعفاء، إلى “دولة عظمى أولى في كل شيء”، ودول لاحقة،

“لكأن الواقع البشري اليوم في حاجة إلى ما قبل وما بعد جديدين: ما قبل كورونا الذي كان له أعراف قديمة، وما بعد كورونا الذي أخضع البشرية لاختبار جديد لن تخرج منه سالمة”

متباينة القوة والاستطاعة، دولة متغطرسة تفعل ما تريد، تنهب وتضع اليد وتوزّع وتعاقب، وآخرين يحتجّون كما يريدون، ولا يظفرون بحقوقهم، ولا بما يشبهها.

لم يكن في قواميس اللغات ما يحتفي كثيراً بالكلمات المربكة: الاحتمال، اللامتوقع، الممكن، اللامعقول… ذهب الاهتمام المتأمل، كما التأمل القوي البنيان إلى مفردات لا شكوك فيها: الحقيقة، اليقين، المفهوم العلمي، إذ الحقيقة تفصح عن معرفة كاملة، واليقين يخبر عمّا لا حاجة إلى تجريبه، والمفهوم العلمي يربّع الدائرة ويخرج منتصراً. جاء هذا التصوّر الإيماني، المحصّن بالغطرسة والغرور، عن تاريخ العلم وتاريخ الفلسفة ومنطق الانتصارات السلطوية المتواترة.

تشخصن كل شيء في إنسان امتلك معرفة شفافة، في مجالي المجتمع والطبيعة، حذف من قاموسه كلمتي السر والغموض. كان الفرنسي ديكارت، فارس الأزمنة الحديثة كما يقال، قد وعد بترويض الطبيعة، و”بطبيعة جديدة” يخترعها الإنسان المتمكّن من العلوم الحديثة.

ولعل إعادة اختراع العالم، أرضاً وثروات وبشراً وأنظمة، أخرج لنا وقائع لغوية مسلّحة: الاستعمار، وتحضير الشعوب، والإمبريالية، وتقسيم العالم، و”دولة إسرائيل”، وحماية “السلم في الشرق الأوسط”… وإذا كان الاشتراكي الإنكليزي الطوباوي هـ. ج. ويلز كتب رواية عن “حرب العوالم”، بين عالم البشر وشعوب فضائية، وصولاً إلى “حرب النجوم”، في زمن الرئيس الأميركي الراحل، رونالد ريغن، فإن منطق الأقوياء جاء بحروب مفتوحة في العالم الأرضي، امتلكت المدافع والأساطيل ومخزوناً نووياً يكفي تدمير الأرض خمسين مرة.

والسؤال الساخر اليوم: لماذا يقف حلف الأقوياء عاجزاً أمام مرض يشبه “الحمى”، ولماذا يتحدث رئيس أقوى دولة في العالم عن ضحايا قد تصل إلى مليون، من دون قنابل ذريّة، ولا نشر للأساطيل والصواريخ؟ الجواب، ربما، بسبب هوس القوة العسكرية المدمّرة، الذي كلّف

“السؤال الساخر اليوم: لماذا يقف حلف الأقوياء عاجزاً أمام مرض يشبه “الحمى”، ولماذا يتحدث رئيس أقوى دولة في العالم عن ضحايا قد تصل إلى مليون، من دون قنابل ذريّة، ولا نشر للأساطيل والصواريخ؟”

ثروات لا حصر لها، ونسيان أمر بسيط الحروف: النظام الصحي الإنساني، الذي كان في إمكانه أن يكون أكثر مناعة لو أنفق عليه ما تم إنفاقه على صناعة الموت العسكرية التي أرادت أن تزيد “القوي” قوة والضعيف ضعفاً، بلا وازع أخلاقي، ولا محاكمة عادلة للقتلة والمغتصبين.

في العقد الأخير من القرن الماضي، أصدر باحث مغربي يعيش في فرنسا، عن دار نشر شهيرة، كتاباً عنوانه: “العلم ضد العالم الثالث”، تناول صناعة الأوبئة التي توجّه إلى الشعوب الفقيرة. لو كان “سادة العالم” أكثر أخلاقية لاجتهدوا في عنوان آخر: “العلم لصالح الإنسانية”، الذي لا يستوي إلا بعنوان آخر: نحو مجتمع إنساني عادل، حق الشعوب في التصرّف في حقوقها، ونحو مجتمعات بلا جوع ولا جهل ومستبدين، توزع القتل وتستبيح الكرامة.

أراد ديكارت أن يعهد إلى الإنسان بتصنيع ما تخلقه الطبيعة. نسي ربما أن يضيف الأخلاق إلى العلم، ولم يقتصد في غطرسة “الإنسان الأبيض”، الذي اعتقد أنه امتلك، أو سيمتلك، أسرار الكون كله، وسيصل إلى إنسان مطلق الحرية يقول: “العالم بين يديه”، دون أن يدري أن العالم لا يسيطر عليه أحد.

سرد محفوظ واقعة حصلت معه لا جواب لها. وحين سُئل عن السبب أجاب: إنه السر، معترفاً أن العالم مسكون بنقاط عمياء، لا يمكن محوها، ولا التعرّف عليها. أليس في مرض الكورونا شيء من هذا “السر المفترض”؟ أليس فيه ما يعترف بأن الطبيعة كتاب مفتوح لا يروضه “علم الطبيعة”، وأن علوماً كثيرة لا تزال متأبيّة على الإنسان؟

ليس المطلوب السعي إلى “علم ضد العالم الثالث”، ولا الانفاق على الحرب الجرثومية، إنما المنشود إنسانية جديدة تؤمن بالمساواة، وتكافل الجهود، لمحاربة الأمراض المنتشرة، والاعتراف بما هو جلي وواضح وحزين، وبذلك “السر” الذي تأمله محفوظ طويلاً، وسأل عن إجابة.

انتسب الفارابي إلى الفلسفة العربية المستنيرة، وكتب عن “المدينة الفاضلة”، القائمة على العدل والحرية، وكتب توماس مور، الذي مات قتيلاً، عن “اليوتوبيا”، مدينة صالحة مجهولة المكان. وصلت الإنسانية الظالمة المخفقة إلى “يوتوبيا” مضادة، لا عدل فيها، ولا مساواة، يعبث فيها مرض هالك يدعى: كورونا.


فيصل دراج

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

تعليق 1
  1. حكيم عباس يقول

    حشد من الأسئلة و نقاط التّواجه، تكشف بعض أوجه الزيف في الوعي والتحضّر البشري على حد سواء، بل أكثر من ذلك ، إنّها تمسّ النظام القيمي المعياري الذي ترسّب في الوعي البشري، و الذي على أساسه نصدر أحكامنا و نصنّف الصالح من الطالح و الخير من الشر ، أي وحدة القياس (المعيار) التي نقيس بها الأشياء. رائعة بنية هذا المقال أستاذ فيصل و هذا التغلغل نحو بنية “الأفهوم” .

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.