نظرية أفعال الكلام في التداولية المعاصرة:  «جون روجر سيرل» أنموذجا

0

 

 شهدت الفلسفة في القرن العشرين توجها لافتا، وهو التوجه الذي أصبح يوصف بالمنعطف اللغوي. مما يجعل تصورنا العام في هذا العمل، هو المناخ الفكري الذي أسهم في تجديد فلسفة اللغة على يد فلاسفة معاصرين، اصطبغت توجهاتهم بالفلسفة التحليلية. وقد اعتبرت مجموعة أعمالهم ومحاضراتهم ثورة في مجال تجديد الفكر اللساني بوجه عام.

وما دام فهم الإنسان لذاته ولعالمه يرتكز في المقام الأول على اللغة فهي مجال التعبير عن هذا الفهم. وهو ما اعترفت به جميع تيارات الفلسفة التحليلية، وإن كان موضوع التحليل اللغوي هو ما يشمله الاهتمام الفلسفي الجديد مرورا بالوضعية المنطقية مع كار ناب (R.Carnap ) إلى الظاهراتية اللغوية، التي حمل لواءها هوسرل (Hussert.E) وصولا إلى أهم فروعها وهو فلسفة اللغة العادية مع فیدجنشتين (Wittgenstein .L) كمؤسس لتيار فلسفة اللغة العادية.

وعليه، سيضم هذا التيار ظاهرة أفعال الكلام من جهة وبشكل أوسع ستبرز التداولية كتیار لغوي، والتي ستجد لها موقعا داخل اللسانيات المعاصرة. وهنا بالذات تدعونا الحاجة إلى الكتابة في هذا الموضوع للإشارة ولو بشكل وجيز إلى موضوع التداولية، دون الغوص في المفهوم الذي يعبر في معناه العام عن توجه النظرية اللسانية إلى ما يسمى الواقع اليومي.

إن التداوليات التي نشأت في حضن الفلسفة؛ هي قبل كل شيء محاولة للإجابة عن أسئلة من قبيل ماذا نفعل حين نتكلم؟ ماذا نقول بالضبط؟ كيف يمكننا قول شيء آخر غير ما كنا نريد قوله؟(1) وهكذا يبدو الأول وهلة، أن العمل الذي فتحه هذا الاختصاص العلمي المسمى تداولية ضخم وتلقي عموما بوصفه کیانا غامضا(2). وغموض التداولية يتحدد من وجهتين: أولها وهي أنها مرتبطة بتخصصات عديدة.

أما ثانيها فيتعلق بتعذر مناهجها بل وتعذر الوقوف عند أهدافها. لهذا علينا أن نعترف بأن استعراض منشأ اللسانيات التداولية وتطورها، ليس بالأمر الهين؛ لأنها في نظرنا مدينة لعدد من التيارات الفلسفية. إذ يصبح من الضروري الإحاطة بهذا التخصص من وجهة نظر الدراسات التي خاضت في أهم ظواهره؛ ونقصد بذلك ظاهرة أفعال الكلام، فالنظرية التداولية تستلهم وجودها من المنطق، ومنطلقاتها من فلسفة اللغة العادية بشكل عام، ونظرية أفعال الكلام ہوجه خاص. وكذلك من ضروب تحليل الحوار، ومن الاختلافات الثقافية في كل تفاعل كلامي، كما هو ملاحظ في العلوم الاجتماعية(3).

وما سنهتم به في عملنا هذا والمتعلق بالتداولية المعاصرة :هو إمكانية تحليل عملية الكلام، وعملية التواصل وخصائصها من خلال وصف وظائف الأقوال اللغوية داخل نظرية أفعال الكلام ؛محاولين الإجابة عن السؤال: ما هي صور التحليل التي انطلقت منها هذه النظرية وكيف مثلت بتوجهاتها ومنهجها صلب التحليل اللغوي عنده فلاسفة أكسفورد؟ فكان عنوان هذا البحث هو أفعال الكلام في التداولية المعاصرة عند الفيلسوف الأمريكي «جون روجر سيرل (1932, Searl. J.R) ولا بأس في هذا المقام أن نشير ولو بالصورة التي تلزمها علينا عملية الاختصار، إذ وسعيا لإعطاء عملنا وزنه الفلسفي لابد علينا أن نقف عند جنيالوجيا مفهوم «فعل الكلام» بدءا بماهية «الفعل» ثم ماهية «الكلام» فإذا تتبعنا كلمة «فعل» فهي من الكلمة اليونانية «Actus» والتي ارتبطت بمعاني كثيرة سنذكر أهمها مع ما يتناسب مع عنوان مقالنا ففي الجو الروماني لا تعود هذه الكلمة إلا لما هو حركي ويترك الباقي لكي يكون غير ما هو(4)

فما نلمسه من هذا المعنى هو اقتران كلمة «فعل» بالقدرة على التغيير ونزوعه للانتقال من حالة إلى أخرى، يشترط ألا تكون هي بذاتها، وفي هذا الشرط يتحدد معنی «فعل». وما يلاحظ أيضا، أن معناها عند الإغريق قد تحدد بالحركة، حيث نفهم من الحركة فكرة أسبقية الفعل على القوة؛ وأن «فعل» في صميمه الحركة، التي تؤدي إلى النهاية.(5)

وهنا كشف عن المعنى الذي هو بمثابة رسم صورة عامة لنشاط «فعل»، والتي يعبر عنها الفعل اللاتيني «Agere» حيث يعني حسب أغنوت مويي (E.Meillet) ادفع إلى الأمام لكي تعبر عن النشاط المستمر.(6) وعندما تحدد المعنى الأول لكلمة «فعل» بالحركة هو ما رد به أرسطو (Aristote)على برمنيدس (Partmenides) الذي جعل الحركة والصيرورة مستحيلة وكنتيجة مبدئية ربط الفعل بالحركة يجعل «فعل» تابعا لها في معناه لطبيعة الحركة من حيث هي إما داخلية؛ كفعل الإحساس والشعور والإرادة. ومن حيث اتجاه هذه الحركة نحو العام الخارجي فيكون في هذه الحالة تأثير وتغيير في ما هو خارج الإنسان ومستقل عنه. فينتج أن معنى «فعل» له منحيين:

◘ المنحى الأول: فعل إنسانية أو إنساني؛ أي الجانب الداخلي في الإنسان، كأن نقول فعل الفهم وفعل الإرادة.
◘ المنحى الثاني: وهو ما يقوم به الإنسان؛ كحركات تغيير وتأثير في العالم الخارجي بطريقة إرادية أو غير إرادية.(7)

أما البحث في ماهية الكلام في الحقل التداولي بشكل عام، والغربي المعاصر بشكل خاص، فإننا ننطلق فيها من اقتران كلمة «فعل» بكلمة «كلام» فتتشكل قوة للكلام لأنها مقترنة بالفعل. لأن الفعل يفهم بأنه الحركة المرتبطة بالقوة فلا يوجد قوة إلا إذا كان هناك «فعل» وإذا لم يوجد فعل لا توجد قوة.(8) هكذا سيرتبط الكلام بالقوة. لأنه أصبح ضمن المصطلح اللغوي الجديد، وهو «فعل الكلام». وقد حاولت فلسفة الفعل الإجابة عن هذه التساؤلات والتي أصبحت تمثل نزوعا جديدا للفلسفة القائمة على اللغة. وكما أصبحت تعبر عنه البراجماتيقا Pragmatic فهي دراسة الأستعمال اللغوي.(9)

وقد حدث الانتقال من مبحث الدلالة عندما ترتبط الكلمات بالأشياء.(10) إلى القول أن الكلمة لا يتضح معناها إلا من خلال الاستعمال. فمعنى الكلمة هو مجموع استعمالاتها.(11) حيث أن كارناب Carnap يرى أنه إذا ابتعدنا عن المعنى وحللنا العلاقات بين التعابير نكون أمام مجال النحو syntaxe أما إذا استبعدنا مستخدم اللغة واقتصر عملنا على تحليل التعابير ومعانيها، نكون داخل مجال علم الدلالة Sematic أما إذا ذكرنا مستخدم اللغة، أو أشير إليه صراحة تدرج المادة عندها تحت مجال التداولية.(12).


  •  نظرية أفعال الكلام المعاصرة: (نقطة البداية)

ظهرت مفاهيم جديدة غيرت مسار البحث اللغوي. وهذا بظهور القصور في المفاهيم الدلالية. وقد أدى التفكير في البحث عن بديل يتمثل في نظريات ذات أصول لسانية؛ تقدم أفكار تتلاءم مع ما حدث من مستجدات ونقصد بالمستجدات داخل الحقل اللساني؛ هو استحضار أبعاد أخرى في الخطاب. وكانت أول محطة في هذا التحول في أعمال «جون أوستن» G.L. Austin حيث ظهر تیار فلسفة اللغة العادية كنمط جديد داخل الفلسفة التحليلية.

والذي كانت نتائج أعماله هو التخلي عن النظرة السلبية للغة العادية.(13) أي الانتقال من معنى الاستعمال اللغوي إلى اعتبار القول هو ما يقيم علاقة بين المتكلمين بربطهم المعنى بالاستعمال؛ أي ما يستلزم الوقوف على ما قام به فلاسفة أكسفورد بربطهم المعني بالاستعمال. وهو ما يتطلب إيضاح الرابط بين المعنى والفعالية والسياق.(14) حيث انطلقت أعمال أوستن من الرد على الموقف الفلسفي التقليدي الذي يجعل من دور الجملة ينحصر في وصف حالة الأشياء، أو إقرار حدث ما .

ليقوم مفهوم التداولي عند أوستن على ما يسمى الإنجاز الذي ينتج عن الجملة؛ أو الكلمة فكان عمل الفصل الذي قام به أوستن وذلك بالتمييز بين ما هو إنجازي (أدائي)، وما هو وصفي (تبليغي)، وهو ما عبر عن مرحلة تفكير «أوستن» الأولى فكان هذا التمييز يصب في غاياته في بوتقة جعل القضايا التي لا تخضع لمعيار الصدق والكذب، والتي سماها الفلاسفة بأشباه القضايا بحيث لا يمكن دراستها. فالوقوف عند كنهها أصبح مطلبا ضروريا وذلك لما تؤديه من وظيفة تواصلية. فلاسفة لطالما توهموا بافتراضاتهم أن شأن الحكم في القضية إما أن يصف حالة شيء ما، وإما أن يثبت واقعة عينية، مما يعني أن حكم القضية إما أن يكون صادقا أو كاذبا.(15) وما ستؤول إليها الدراسة في مرحلة أوستن هو وجود قضايا غير قابلة لهذا المعيار (معیار الصدق والكذب).

ولكنها في الوقت نفسه، تمثل عبارات من نمط لم يختصة ولم تتحكم فيه أي قاعدة أو مقولة نحوية معينة، ومع هذا فإنها تحمل معنى. فما هو الأساس الذي يقوم عليه معناها؟ المعنى فيما يبدو مرتبط بالإنجاز وما يسبقه من ملابسات الوعد، المراهنة والتحذير..الخ فالنطق بالجملة هو إنجاز لفعل أو إنشاء لجزء منه.(16) غير أن عرض أعمال أوستن في هذا البحث ليست بشكل تفصيلي بشأن محاضراته ضمن نظريته بخصوص الأفعال الكلامية. بقدر ما سنعبر عنه بالقول بأنها مثلت بحق انتقالا من الظاهرة الكلامية إلى مستوى وضع القواعد والقوانين، التي تضبط ملابساته وحيثيات اللغة العادية، وتحدد ظاهرة الأفعال الكلامية في صورة: تقسيم فعل الكلام، تصنيف الفعل الإنجازي، وكثيرا من الأعمال التي يتطلب طرحها بحثا مستقلا.


  • نظرية أفعال الكلام: (مرحلة النضج)

عرفت هذه النظرية تناولا موسعا، رغم أهمية أعمال «أوستن» داخل الحقل التداولي يتمثل في إعادة صياغة نظرية أفعال الكلام عند تلميذه «جون سيرل» وهذا في كتابه أفعال الكلام act Speeche الصادر في عام 1969 والذي ترجم في سنة 1972 إلى اللغة الفرنسية فعلى أي مستوى تمت هذه الصياغة الجديدة؟

في الحقيقة أحتل «سيرل» مكانة متميزة في تداولية «أفعال الكلام». وهو من أبرز رواد هذه النظرية وقد وافق أستاذه «أوستن» في الكثير من مجالات الدرس التداولي. ولعل أهم مسألة كانت بمثابة القاسم المشترك بين الأستاذ وتلميذه هي الفعل الإنجازي لكن ما سيضيفه «سيرل» هو ما سيعبر عن نقطة تحول في تداولية «أوستن» وهو في مستويين مرتبطين بحيث أن أولهما نتيجة للآخر.

أولهما: هو ذلك الانتقال من فعل إنجازي حرفي إلى فعل إنجازي أولي. هذا الأخير؛ كان نتاج تقسیم آخر لمستويات الفعل الكلامي هو المحتوى القضوي.

المستوى الثاني: هو وضع القواعد التي تجعل من أفعال الكلام عبارة عن سلوك (فعل)، خاضع لقواعد تستدعي دراسة مستقلة؛ حيث أن نظرية للكلام هي نظرية الحركة؛ لأن التلفظ هو شكل من أشكال السلوك، محكوم بقواعد. وإذا كان كذلك فإنه يملك إذن خطوط شکلية وهو قابل لدراسة مستقلة.(17) حيث ستعرف نظرية أفعال الكلام مع «سيرل» محاولة الكشف عن قواعد أفعال الكلام الناجحة؛ أي القواعد المكونة لا المنظمة؛ مثل تلك القواعد الضمنية الأفعال الكلام التي تعتبر الشروط المكونة للفهم المتبادل في التفاعل اللغوي.(18)

فمنظومة التداولية عند «سيرل» حاولت الإجابة عن سؤال هام من وجهة نظره وهو لماذا تدرس أفعال الكلام؟ ومن جانب الصيغ الجديدة لمقترحات أوستن التي اقتصرت على أفعال الكلام المباشر وانتقالا إلى مستوى أفعال الكلام غير المباشرة كما أخذ بفكرة المعني على أنه نوع من «فعل» وأن دراسة اللغة جزء من نظرية الفعل.(19) إذ يقوم في نظريته على ربط أساسي بين المعاني والأفعال الإنجازية. والإجابة عن السؤال المطروح هي أن الغرض من هذه الدراسة التي تركزت حول أفعال الكلام هي بكل بساطة أن كل تواصل يحمل طابع لغوي يستلزم أفعال ذات طابع لغوي.(20)

• تصنیف «سيرل» للفعل الإنجازي:

ينطلق «سيرل» – كما أشرنا سابقا- مستفيدا من أعمال أستاذه في صياغة نظرية أفعال الكلام، ولكن بنوع من الهدم للنظرية «الأوستينية» معتبرا الضعف الكبير الذي عرفه التصنيف (تصنيف أوستن للفعل ألانجازي) يكمن بكل بساطة، في أنه ليس هناك مجموع مبادئ لهذا التصنيف. (21) ثم يطرح «سيرل» مسألة في غاية الأهمية وتخص التمييز بين مستويين داخل الفعل الإنجازي فیصرح بأول ملاحظة حول قائمة تصنيف «أوستن» على أنها ليست أعمال إنجازيه وإنما هي مجرد أفعال إنجازیه.(22) بحيث ظلت مقترحات «أوستن» مفتوحة، ومرنة. غير أن المشكل الأساسي تمثل في أنه لا يصنف أعمالا بل يصنف أفعالا.(23) وحتى نكشف عن إضافات «سيرل» في هذا المجال من التصنيفات، يقتضي عرض تصنيفه وفق الجدول الآتي: (24)

– { جدول تصنيف سيرل للفعل الإنجازي (لاحظ الصورة المرفقة)}

  • • تقسیم “سيرل” للفعل الكلامي:

يعد التقسيم الجديد الذي وضعه «سيرل» للفعل الكلامي مفصلياء داخل نظرية أفعال الكلام وذلك برغم التشابه بينه وبين تقسيم «أوستن» هذا الأخير جعله في:

– فعل كلامي Locutionnaire
– فعل إنجازي Illocutionnaire
– فعل تأثيري Perlocutionnaire

لكن «سيرل» اعتمد بشكل رئيسي على الفعل الإنجازي.(25) في هذا التقسيم؛ خاصة فيما يتعلق بالفعل الإنجازي والفعل التأثيري.(26) غير أن الاختلاف يكمن فيما يسمى بالفعل القضوي Acte Propotionitel والذي أصبح يشكل فعلا مستقلا، ومنعزلا وذلك انطلاقا من شقين هما:

1/ فعل الإحالة Acte de réference
2/ فعل الإسناد(27). Acte de predication

– الإحالة: تربط بين المتكلم والمخاطب فالعبارات الإحالية تبين أو تكشف على أشياء خاصة، ومحددة وهي تجيبة عن أسئلة من قبيل من هو؟ وهي تعرف بهذه الوظيفة.(28)

– الإسناد: يعبر عنه نسبة المحمول على الموضوع المحال عليه. وتوضيحا للفعل القضوي بشقيه الإحالي والحملي (الإسنادي) نطرح هذا المثال:

«جان» يدخن كثيرا
هل «جان» يدخن كثيرا؟
ما أكثر «جان» تدخينا.

الإحالة هنا على «جان» Reference
الإسناد: هو عبارة (جان يدخن كثيرا) Predication

– نتيجة: الجملة أو العبارة تتضمن نفس الإحالة ونفس الإسناد؛ ولكنها تؤدي أفعالا كلامية مختلفة.(29)

  •  القواعد الخاصة بأفعال الكلام:

إن الفلسفة التداولية تتلخص في حقيقة تداولية، وهي أنه لا حديث إلا بين اثنين؛ حتى ولو كان الكلام حادثا بين المتكلم وذاته. وفي هذه الحالة ستكون علاقة المتكلم بالمستمع ضمن علاقة العرض لفكرة، والمعترض عليها، ولا يكون الاعتراض إلا بدليل ولا معترض إلا لطلب صواب، ولا طلب للصواب إلا بجملة من القواعد.(30) هذه القواعد؛ هي ما يعبر عن عمق أبحاثه سيما أنه تجاوز فكرة قوة فعل الكلام إلى وضع قواعد خاصة بأفعال الكلام. وقد ميز داخل هذه القواعد بين ما يسمى قواعد تأسيسية وقواعد مكونة ليجعل الأخيرة مرتبطة بأفعال الكلام الناجحة دون القواعد المنظمة.(31)

وما يزيد أهمية لتداولية «سيرل»، هو إعطاء طبيعة تميز القواعد المكونة عن المنظمة من حيث السلوك التي تتحكم فيه كل واحد منها. وأنه داخل هذه القواعد الخاصة بأفعال الكلام منها ما يتحكم في أشكال سلوك مسبقة أو موجودة بطريقة مستقلة، وهي التي يسميها بالقواعد المعيارية ( المنظمة) أما القواعد التأسيسية (المكونة) فهي تتضمن نشاط الوجود، التابع للقواعد. فتكون قواعد الاحترام خاصة بما هو معیاري وقواعد لعبة الشطرنج ضمن القواعد المكونة.(32) وأن هذه القواعد تساهم في التمييز بين الوقائع الخام والوقائع المؤسساتية؛ باعتبار أن هذه الأخيرة لا توجد إلا في إطار أنظمة مثل هذه القواعد.(33) ومن الناحية العملية، يجدر بنا محاولة فهم القواعد المكونة مقاربتها بالقواعد المنظمة وهذا من الناحية المنطقية.

– القواعد المنظمة: صيغتها Si Y alors faite X (34) (یعد س افعل ع)
احترام قوانين السياقة
– القواعد المكونة: بصيغة X revieita Y dans la situation S (35)
(يعد س بوصفه ص في سياق ع)

ما ننتهي إليه مبدئيا؛ وقبل الإشارة إلى آفاق البحث التداولي وبعض تطبيقاته، هو أن في تداوليات أفعال الكلام كان فيها تولید قوة المنطوق الإنجازية. حيث برز الاختلاف بين «سيرل» و«أوستن» فالأخير جعلها مرتبطة بتحقيق مقصد المتكلم تحقیقا ناجحا. أما «سيرل» فجعلها ضمن تفسير المستمع للمنطوق.(36) وعلى ما يبدو أن مقصد المتكلم لا يمكن فحصه من وجهة نظر «سيرل» أما تفسير المستمع فإنه قابل للملاحظة من خلال تجليات الاستجابة وهذا في مقابل ما يتلقاه الفرد، من كلمات، أو جمل وعبارات ,فالتداولية أصبحت علما جديدا للتواصل؛ وهنا بدأ بإدراج بعض المشاريع المعرفية في تناول ودراسة التواصل اللغوي وتفسيره.(37)

◄المقاربة التداولية وتحليل الخطاب: (نماذج)

أمام تعدد المقاربات وتعدد، موضوعاتها ومناهجها في تحليل الخطاب، اخترنا المقاربة التداولية أنموذجا في تحليل بعض الكلمات والعبارات ضمن الخطاب السياسي، كنموذج يتفاعل فيه الملقي مع المتلقي. فضمن هذه المقاربة يتم الكشف عن هذا التفاعل في مجموعة من السياقات التي ينجز ضمنها الخطاب. وهي ذات طابع ثقافي عاطفي واجتماعي، كمناخ يتم فيه الحدث الكلامي. والتي منها الزمان والمكان، وكذا الحوادث التي لها علاقة بفهم المنطوق. ليصبح بهذا السياق هو الموجه الأفعال الكلام. كما أنه يفرض على المتكلم احترام مجموعة من القوانين أثناء مخاطبته لغيره.(38)

لهذا نجد الخطباء السياسيين ينحتون من جسد اللغة ، ليجعلوا منه محل تأويلات، ومحاولات فهم للقصد. فتكون الكلمة المنطوقة في سياق معين ، تتوجه بفعل نطقها إلى ما لم تستطع عليه الكلمة المكتوبة؛ ونقصد بذلك تأثير الصيغ التي يستعملها المتكلمون وهم يهدفون إلى أن يؤثر بعضهم في بعض.(39) وهذا ما نلمسه فعلا في استقراء أشواط التاريخ الإنساني، من وجهة سياسية. والذي طالما حددت أحداثه اللغة كحلقة وصل بين الإنسان وتاريخه، داخل سياقات متعددة. فالكلام السياسي خاضع هو بدوره لسياق استعمالي، فبين السياسة واللغة تعالقات تتعدد بتعدد السياقات، وبأصناف المواقف التي تمليها الأحداث على الأطراف أو يمليها الأطراف على تأويل الأحداث.(40).


  •  نماذج وتطبيقات:

بالنظر إلى مجالات وميادين الخطابات التي توقفت عليها لحظات حاسمة في حياة الشعوب، نجد عنصر التاريخ بأحداثه، وبقرارات زعمائه، هذه القرارات في صورتها العامة انطوت على خطابات يشهد لها التاريخ أنها لم تكن مجرد أقوال أو نصوص مجردة وخالية من القصد؛ بل وصفت بما يسمى بالمناورات الخطابية تحت تأثير من أفعال الكلام. ومن النماذج:

– نموذج الخطاب الذي ألقاه «شارل ديغول» Degaul Ch. الذي تغير بتغير المرسل إليه (المتلقي) فعندما توجه ديغول إلى الجزائر بتاريخ 04 جوان 1958، العبارة (يعيش ديغول) قابلها (أجبتهم بكلمات عفوية، مدروسة متوخيا بأن أبعث فيهم الحماسة، دون أن يجرفوني إلى أبعد مما قررت الوصول إليه).(41) ولكي يكون هذا العمل كله في اتجاه الفعل الكلامي (الخطابي) لخصه في مقولته الشهيرة (لقد فهمتكم).(42) هذه العبارة كان لها صداها في الوسط السياسي، والعسكري آنذاك. وكان لها فاعليتها في نجاح إستراتيجية هذه الخطابات في كسب أطراف الصراع (الجزائريون- الجيش – المعمرون).

– ومن النماذج أيضا بعض الجمل المنطوقة في سياقها السياسي على قلب الأحداث وتغيير مجراها، هذا النموذج من الموروث الثقافي الفرنسي وهو الأديب والروائي «إميل زولا» E.Zola الذي تخلد اسمه بعنوان المقال الذي يتركب من لفظين «فعل وفاعل»(43) بصيغة الفعل الكلامي التصريحي (الإعلانيات) «Declaration» يصرخ «إميل زولا» في صحيفة الفجر بتاريخ 13-01-1889 «إني أتهم»(44) « « J’accuse » وكان لهذا التصريح تأثيره في إنصاف «دریفوس»(45)

هكذا كان الفعل الكلامي حاضرا بأصنافه داخل نظرية أفعال الكلام، في كل مظاهر الخطاب السياسي وما يتبعه من أحداث. بل أن الكلمات هي الحدث، والفعل في الوقت نفسه. خاصة في صنف التصريحات التي تنفرد بكونها تحدث تغييرا في العالم بفضل الأداء الناجح لفعل الكلام.(46)

في الأخير، يمكن القول أن الدرس التداولي خاصة المعاصر منه، يمثل صميم الثراء والاتساع على مستوى النظريات والمحاور التي شكلت جهازه ألمفاهيمي. فكانت نظرية أفعال الكلام أحد أهم ركائزه على أن اتساعه هذا راجع إلى كونه منبثق من مخاضات معرفية مختلفة – لسانية، فلسفية وحتى بلاغية- وأمام هذا الاتساع حاولنا طرق باب التداولية المعاصرة من خلال نظرية أفعال الكلام.


  •  قائمة المصادر والمراجع

Abstract: John Roger Searle, one of the most prominent contemporary philosophers who belongs to stream analytical philosophy has emergence in the traditions and discussing it ranged between philosophy of language problems and which the work emerged in re-taking Austin own acts of speech. That the theory of language does not lie in the rules of engagement communicative sphere pure but beyond to the level of influence and in fact his heart. By selecting certain phrases acts of speech and also the philosophy of mind where he left a distinct imprint in the field of his active interest in the mind and mental awareness was the term meant. the most important additions « Searle » in this Field and forms the basis in deeds speak theory as Turn « Searle » attention to studying the characteristics of the buildings of social reality based on the unification of all research activities links between the philosophy of mind , philosophy of language and the institutional rules .
Keywords: Pragmatic- Anglo-Saxon – analytical philosophy- social reality- acts of speech.
(1)- عبد السلام اسماعیل علوي وآخرون (ما التداوليات)، التداوليات، عالم الكتب الحديثة، إربد، الأردن، ط1، 2011، ص17.
(2)- بلانشي فيليب، التداولية من أوستن إلى غوفمن، ترجمة صابر الحباشة، عبد الرزاق الجماعة، عام الكتب الحديث، إربد، الأردن، عطاء 2010، ص9
(3)- دايك فان، النص والسياق، ترجمة عبد القادر قنیني، افريقيا الشرق المغرب )، دطی، 2000، ص255.
(4)- Jean Michel Fontanier ,Le vocabulaire latin de la philosophie ,ellepse , ed ,01, 2005 ,p 08. (tra-c h)
(5)- Pierre Pellegrin ,Dictionnaire Aristote ,Ellepse ;Paris ,2007 ,p17. (tra-ch)
(6)- Jean Michel Fontanier ,Le vocabulaire latin de la philosophie ,op-cit, p08. (tra-ch)
(7)- Paul Foulquet ,Dictionnaire de la langue philosophique ,puf ,ed ,1 ,1962 ,P10. (tra-ch)
(8)- Blay Michel , Grand Dictionnaire de la philosophie ,I S B N , vuef , 2003 ,p41. (tra-ch)
(9)- Stephen c,.levinson, pragmatics, Cambridge, textbooks in linguistics,1983, P05 . (tra-ch)
(10)- George yule, pragmatic, oxford university, imp 04,1998 , P04. (tra-ch)
(11)- كلود جرمان، ريمون لوبلون، علم الدلالة، ترجمة نور الهدى الوشن، المكتب الجامعي الحديث، 2006، ص 44.
(12)- Stephen c,levinson, pragmatics,op-cit, p 03 . (tra-ch
(13)- أدراوي العياشي، استلزام الحواري في التداول اللساني، دار الأمان (الرباط)، منشورات الاختلاف، ط2011، 1، ص75.
(14)- نظير جاهل، تحریر الدلالة، المركز الثقافي العربي، ط 1، 2005، ص86.
(15)- أوستن جون، نظرية أفعال الكلام، ( کیف ننجز الأشياء بالكلام)، عبد القادر قنیني، إفريقيا الشرق، دطب، 1991، ص13.
(16)- المصدر نفسه، ص 16.
(17)- John R.Searle, les actes de langage, traduction Hélène pauchard Hermann, éditeurs des sciences et des arts Belgique troisième tirage, 1988.P53. (tra-ch)
(18)- غنار سكيوبك بنلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي، ترجمة حيدر حاج اسماعيل، المنظمة العربية للترجمة البنان طا، 2012 ص 905.
(19)- John R.Searle, les actes de langage, op-cit p52. (tra-ch)
(20)- bit p53 .(tra-ch)
(21)- John R. Searle ,Sens et expression, traduction Joëlle Proust, Cambridge , 1979 ,Ed Minuit, P49 (tra-ch).
(22)- Ibid, p18. (tra – Cht).
(23)- بلانشي فيليب، التداولية من أوستن إلى غوفمن، مرجع سابق، ص 45.
(24)- John R.Searle ,Sens et expression, op-cit, p53. (tra-ch).

(25)- آن روبول، جاك موشلار، التداولية اليوم، ترجمة سيف الدين الدغفومي، محمد الشيباني، دار الطليعة للطباعة والنشر، لبنان ط 1، 2012، ص33.
(26)- يحي بعيطش وآخرون، في الفعل اللغوي والنحو)، التداوليات، مرجع سابق، ص 103.
(27)- المرجع نفسه ص 102.
(28)- John R.Searle, les actes de langage, op-cit, p64. (tra-ch).
(29)- Ibid, p60.(tra-ch)
(30)- عبد الحق خليفي، ظاهرة الأفعال الكلامية عند الشاطبي (دراسة تحليلية في ضوء اللسانيات التداولية) رساله دکتراه علوم، إشراف صفية مطهري، كلية الآداب والفنون واللغات، جامعة وهران، 2012- 2013 ، ص 12.
(31)- غنار سكيريك ،نلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي، مرجع سابق، ص 906
(32)- John R.Searle, les actes de langage, op-cit p72. (tra-ch)
(33)- سيول جون، العقل واللغة والمجتمع، ترجمة سعيد الغانمي، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط1، 2006، ص 220.
(34)- John R.Searle, les actes de langage, op-cit,p74. (tra-ch).
(35)- Ibid , p74. (tra-ch).
(36)- محمد العبد، وآخرون، التداوليات، مرجع سابق، ص 315.
(37)- مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب، دار الطليعة، بيروت، ط1، 2005، ص 16.
(38)- عمر بلخير، مقالات في التداولية والخطاب، دار الأمل (تيزي وزو)، دط،2013، ص76۔
(39)- أوزفلد دیکرو، جون ماري شايفر، القاموس الموسوعي التداولي الجديد، ترجمة منذر عياشي، المركز الثقافي العربي، ط2، 2007، ص283.
(40)- عبد السلام المسدي والسياسة وسلطة اللغة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 2007، ص283.
(41)- ديغول شاول، (مذكرات الأمل)، ترجمة سموحي، منشورات عويدات، (د ط)، (د س) ، ص 56۔
(42)- المصدر نفسه، ص 56.
(43)- عبد السلام المسدي، السياسة وسلطة اللغة، مرجع سابق، ص99.
(44)- المرجع نفسه، ص99.
(45)- المرجع نفسه، ص 100.
(46)- سيول جون العقل واللغة والمجتمع، مصدر سابق مصدر، ص 220.


 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.