النظرية التداولية: المفهوم والتصور (1)

0

 

تعد اللغة ظاهرة اجتماعية، مرتبطة أشد الارتباط بثقافة مستعمليها، هذه الثقافة التي يمكن تحليلها بحصر المواقف الاجتماعية المختلفة والمسماة سياقات مقامية، ففكرة المقام هذه هي الأساس الذي ينبني عليه الشق أو الوجه الاجتماعي للغة، وهو الوجه الذي تتمثل فيه الأحداث والظروف والعلاقات التي تسود ساعة أداء المقال.

وعلى هذا الأساس يعتبر السياق أحد المحاور الأساسية، التي أفضى الحوار بصددها إلى تثوير الدراسات اللغوية التي تمخظت؛ فأنجبت درس التداوليات، الذي لا يمكن اعتباره إلا دراسة للأقوال، باعتبار السياق كما يذهب إلى ذلك ستالناكر Stalnaker وفرانسيس جاك. ولذلك فللسياق أهمية كبيرة وضرورة لا غنى عنها لمحلل الخطاب، خاصة عندما يتعلق الأمر بالبحث عن الدلالة والمعنى.

وبهذا فالسياق يمثل خاصية أساس من بين الخصائص التي يقوم عليها أي استعمال، لأية لغة طبيعية، ذلك” أنه يوجد على الأقل في كل موقف تواصلي، شخصان أحدهما فاعل حقيقي، والأخر على جهة الإمكان، أي المتكلم أو المخاطب على التوالي، وكلاهما على الأقل ينتميان إلى جماعة لسانية، أي طائفة من الأشخاص لها نفس اللغة، وترابط ضروب الاتفاق والتواطئ للقيام بالفعل المشترك الانجاز. داخل سياق مقامي محدد.

تقوم النظرية التداولية للنص على مفهوم مقام الخطاب، لهذا كانت البلاغة العربية تختار كنقطة انطلاق لها هنا مقام الخطاب، حيث كان الخطيب يقف في الموقف المخصص له، ويسعى إلى كسب انتباه المستمعين مراعيا بذلك أقدارهم وحالاتهم حسب تعبير الجاحظ، وهذا ما نلمسه بدقة في صحيفة بشر بن المعتمر، التي تعد منطلقا أساسيا للتفكير البلاغي المراعي لمختلف العناصر التداولية في عملية التواصل.

ونقصد بالنظرة التداولية؛ تلك النظرة التي تقوم على البحث في العلاقات التفاعلية بين النص وبين منتجه من جهة، وبينه وبين متلقيه من جهة أخرى، مع مراعاة مختلف العناصر المقامية المؤثرة في هذه العلاقات.

وهكذا استطاعت النظرية التداولية؛ أن تعيد النظر في مجموعة من القضايا التي كان يرتكز عليها البحث اللساني، وهي من بين هذه المناهج التي نبهت على ضرورة أخذ الاستعمال اللغوي بعين الاعتبار، وبعبارة أخرى أرادت تجاوز القدرة على الانجاز، أي تجاوز البنية الصورية إلى الكلام في كل حيويته وعفويته، والى المتكلم بكل ما له من اعتقادات ونوايا معرفية، والى المخاطَب بكل ما له من فهم وقدرة على التأويل.


د- رضوان الرقبي.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.