“أفعال الكلام” عند “جون أوستين”: التأسيس التداولي للفعل اللغوي
شكّل تحليل أفعال الكلام منعطفا حاسما في فلسفة اللغة واللسانيات التداولية، ويُعدّ الفيلسوف البريطاني جون لانغشو أوستين (J. L. Austin) المؤسس الأول لهذا التصور الذي انتقل باللغة من كونها أداة لوصف الواقع إلى كونها وسيلة لإنجاز الأفعال داخل السياق الاجتماعي والمؤسساتي. وقد انطلق أوستين من ملاحظة جوهرية مفادها أن القول ليس مجرد نقلٍ لمعنى، بل هو فعل يُنجَز بالكلام نفسه.
- فعل القول (Locutionary Act):
يُقصد بـ فعل القول التلفّظ بجملة لغوية صحيحة من حيث البنية النحوية والدلالة المعجمية، أي إنتاج ملفوظ يستوفي شروط اللغة من أصوات منظَّمة في تركيب سليم ينتج عنه معنى محدد. ويمثّل هذا الفعل المستوى الأولي في العملية الكلامية، حيث يقتصر على الجانب اللفظي والدلالي المباشر للجملة.
ويذهب محمود أحمد نخلة إلى أن فعل القول يتأسس على ثلاثة عناصر متلازمة:
الصوت اللغوي، والتركيب النحوي، والدلالة المرجعية؛ بحيث يُحال المعنى الناتج إلى مرجع واضح داخل السياق. وعليه، فإن هذا الفعل لا يتجاوز حدود المعنى الأصلي الظاهر، ولا يتضمن بالضرورة قصدا تداوليا خاصا.
- الفعل المتضمَّن في القول (Illocutionary Act):
يمثل الفعل المتضمَّن في القول جوهر نظرية أوستين، ويُعرف بوصفه الفعل الذي يُنجَز بمجرد التلفّظ بالجملة داخل مقام تواصلي محدد. فالقول هنا لا يقتصر على إنتاج معنى، بل يحقق فعلا اجتماعيا أو تداوليا مثل: السؤال، والأمر، والوعد، والتحذير، والتأكيد.
ويتميّز هذا المستوى بوجود ما يُعرف بـ القوة الإنجازية، وهي العنصر الذي يمنح القول وظيفته الفعلية داخل السياق. فالجملة الواحدة قد تؤدي أفعالا إنجازية مختلفة تبعا للمقام التداولي. فعلى سبيل المثال، قد تُستعمل الجملة: «إنها ستمطر» بوصفها إخبارا محايدا في سياق، أو تحذيرا ضمنيا في سياق آخر، أو حتى دعوة غير مباشرة لاتخاذ إجراء معين.
ومن هنا، يتبيّن أن الفعل المتضمَّن في القول هو فعل القول مضافا إليه بُعد تداولي يحدده السياق، والعلاقة بين المتكلم والمخاطب، والغاية التواصلية.
- الفعل الناتج عن القول (Perlocutionary Act):
أما الفعل الناتج عن القول، فيتجاوز حدود الإنجاز التداولي ليصل إلى الأثر الذي يُحدثه القول في المتلقي. وقد أطلق عليه محمود أحمد نخلة مصطلح الفعل التأثيري، بينما يسميه محمد محمد يونس علي الفعل المترتب عن النطق. ويشمل هذا الفعل النتائج النفسية أو السلوكية التي يخلّفها الحدث الكلامي، مثل الامتثال للأمر، أو الاقتناع بالحجة، أو تصديق المتكلم، أو رفض قوله.
ولا يُعدّ هذا المستوى ملازما لكل الأفعال الكلامية، إذ قد ينجز المتكلم فعله الإنجازي دون أن يترتب عليه بالضرورة أثر مباشر في المتلقي.
- مركزية الفعل الإنجازي في نظرية أوستين:
على الرغم من هذا التقسيم الثلاثي، فإن اهتمام أوستين انصبّ أساسا على الفعل الإنجازي، بوصفه القلب النابض للعمل الكلامي، إذ يمثّل النقطة التي تتحول فيها اللغة إلى ممارسة اجتماعية فاعلة. ومن خلال هذا التصور، انتقل البحث اللغوي من دراسة البنية والمعنى إلى تحليل الاستعمال والسياق، ممّا مهّد لظهور اللسانيات التداولية وتطوير نظرية الأفعال الكلامية لاحقا على يد جون سيرل.













