غياب الناقد “السمرة” ومظالم الجغرافيا الأدبية

0

 

مما يؤسَف له شيوع ظاهرة عدم الاهتمام بأعلام الأدب لأسباب لها علاقة وثيقة بمسقط رأس الأديب، فقبل شهرين تقريبا ارتحل عنا علم من أعلام الأدب والفكر والنقد، ولم يحرك المثقفون في الأردن ساكنا لا في كتابات تنشر ولا في ندوة تقام، ولا في تأبين ينظم، هذا الأديب هو الراحل محمود السمرة (1923- 2018) أحد مؤسسي مجلة «العربي» في الكويت، وأحد مؤسسي الجامعة الأردنية في عمان، ومجمع اللغة العربية الأردني، وأول من كتب ونشر كتابا عن أدباء الجيل الغاضب في إنكلترا، ومترجم كتاب «القصة السيكولوجية لليون إيدل»، ومؤلف الكثير من الكتب التي دُرِّست أو تدرس في الجامعات. وفي هذا المقال القصير لا نريد أن نستوفي جهوده في الأدب ونقده، بل سنكتفي بإشارت لواحد من كتبه التي تتضمن نموذجا يحتذى في دراسة التراث الأدبي العربي.

الكتاب هو «القاضي الجرجاني الأديب الناقد» (بيروت 1966) الذي يتناول فيه، النظرية النقدية لدى مؤلف الوساطة بين المتنبي وخصومه، خلافًا لما هو سائد عن افتقار التراث العربي لنظرية في النقد تتصف بالحد الأدنى من الترابط والتماسُك والاتساق. فالراحل يحاول أنْ يستخرج من الوساطة ما يعده ـ من باب التسامح- نظرية، وبصفة خاصة من المرتكزات التي أوضحها القاضي الجرجاني في مقدمة كتابه، ومن هذه المرتكزات ألا يكون تقويم الشعر خاضعًا للاعتبارات الزمنية، فليست جودَةُ الشعر مقصورةً على القديم، مثلما هي ليست مقصورة على الحديث. وإنما المعيار الحاسم في تقويم الشعر هو ما فيه من دلالاتٍ على الطبع، والبعد عن التكلف والتصنع، وقرب التناول، وسهولة المآخذ، فالصنعة تهَجِّن الشعر، واللبْسَ يعيق التلقي، وركاكة اللغة تحولُ بين النظْم والتطْريب.

والنقدُ عند القاضي يعتمدُ على ركيزة أخرى هي الذوق، فالذين تصدوا لنقد الشعر، وهم يفتقرون إلى الذوق المرهف، أساءوا إلى الشعر، وأساءوا إلى النقد، لذا يجيز الجرجاني كغيره من النقَدَة ألا يفسر الناقد أحكامه بالضرورة، فأنتَ ترى الصورة، وما فيها من شرائط الاستحسان، ثم إنك لا تعلم، وإن قاسيتَ وفكرتَ ونظرتَ، لهذه المزية سبَبًا، إلا أنَّ هذه الصورة لها في القلب مواضعُ لطف».

المعيار الحاسم في تقويم الشعر هو ما فيه من دلالاتٍ على الطبع، والبعد عن التكلف والتصنع، وقرب التناول، وسهولة المآخذ، فالصنعة تهَجِّن الشعر، واللبْسَ يعيق التلقي، وركاكة اللغة تحولُ بين النظْم والتطْريب.

وهذا القولُ- في رأي أستاذنا – يثبت أن الجرجاني لا يُقصي الذوق بصفته أداةً من أدوات الناقد. وعلاوة على ما سبق، لا يَشْترط الجرجاني في الناقد أن يكون شاعرًا تماشيًا مع القول المأثور الذي يحتج به بعضهم، وهو «لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها» ففي رأيه قد يفْضُلُ الناقِدُ الشاعر الناقدَ غير الشاعر، إلا أنه لم يشر في كتابه للشعراء النقاد إلا قليلا. وتفسير أستاذنا لذلك أنَّ القاضي أدرك بموهبته، ونفاذ بصيرته، أن الإجادة في ميدان النقد تختلف عن الإجادة في ميدان الإبداع والنظْم. فقد يكون الشاعر متفوِّقا في شِعْره، عاجزًا عن نقده، وعن نقْدِ أشعار غيره. علاوة على هذا، يضيف إلى ما سبق إلحاحَ القاضي على خطأ الاعتقاد بأنَّ علماءَ اللغة من أمثال الأصمعي والمبرد وغيرهما، مؤهلون للحكم على الشعر حُكمًا جيدأ. ولا يسوغ أن يعتمد الحكم على الشعر بمعايير وقيَم غير شعريّة، كالاعتماد على الدين، أو الأخلاق. فإنْ كانتْ بعض أبيات المتنبي تنمُّ على وهَن العقيدة، فذلك ينبغي له أن لا يكون سببًا للحَطِّ من قَدْره. فالشعرُ يُنقدُ بمعزل عن الدين وعن الأخلاق. وهذا الرأيُ الصادرُ عن قاضٍ، شغل في طور من أطواره منْصبَ قاضي القضاة، رأيٌ ينم على جرأة، يقول «وليست الفحاشة في المعنى مما يزيل جودة الشعر فيه، كما لا يعيبُ جودة النجارة في الخشب رداءَته لذاته» وتقوم نظريته على بعْد آخرَ يصفه بالموضوعية. وقد أراد بذلك ما أراده الغربيون في حديثهم عن النقد المحايد؛ فالحيادُ – ها هنا – يشمل استبعاد الميْل والهوى، واستبعاد التحامل الشخصي، واستبعاد التحيُّز لمذهب أو فكرةٍ أو عقيدة، فالناقدُ عند الجرجاني، وسيط بين الشاعر الناظم والمتلقين، سواء أكانوا من النَقَدة، أو من المتذوقين.

فالحكم على الشعر استنابة لما يغلبُ على النفْس، وهو في موقفه هذا متأثر، بلا ريب، بما عرف عنه، واتَّصفَ به، من عدْل في قضائه، يقول: «واعلم أنني رسولٌ مبلّغٌ، وسامعٌ مؤدٍّ، وكما أناظركَ أناظر عنكَ، وكما أخاصمُك أخاصمُ لك، ولا أبرِّئ نفسي من غفلة، ولا أدعي السلامة من خطأ، والمدعي أشَدُّ اهتمامًا بما يُحقّقُ دعواهُ من المتوسِّط، وعناية الخصم بشهوده أتمُّ من عناية الحاكِم».

يضافُ إلى ذلك تأكيده أن الشعر مصدرهُ الوجدان، وليس الفلسفة، التي هي نشاط عقليٌ، لا وجداني. فالفلسفة عند القاضي تهجِّن الشعْر، وتفسده. وشيء آخر هو الغلوّ، فالقاضي الجرجاني لم يعترض على المبالغة في الشعر، بيد أنه يلح على ضرورة الاعتدال في ذلك، فالإفراط والغلوُّ، يَعْدلان بالنظم إلى الانتقاص، والذم، بدلا من الاستجادة والاستِحْسان. وهو ـ أي القاضي- يعد الغلوَّ من عيوب الشعر، ويُؤثر التوسُّط، والاجتزاء بما قَرُبَ وعُرف، والاقتصار منه على ما ظهَر وَوَضح. ولا يحبِّذ الغموضَ والإيغال فيه، وإن وجدناهُ يدافع عن بعض غموض المتنبي. ويعرضُ، في نقده، لركيزة أخرى، يمكن عزْوُها إلى محاسن التوليف، كجودة المطلع، وحسن التخلص، والانتقال السلس من غرض لآخر، وأن تنتهي القصيدةُ بما يشبه الخاتمة في الرسائل، فهي التي تعْلقُ بالذهن، وتدوم في ذاكرة المتلقي. وعن سُؤال الأصالة يجيبنا بالتوقف عند إشكالية السرقة الشعرية. وكعادته، لا يفتأ يضعُ القارئ في المناخ المواتي لفَهْم الموضوع. فما السرَقُ في الشعر؟ وما قضيته؟ ومن هم الذين ألفوا في السرقات؟ وما هي أنواع السرقة؟ ما المقبول منها وما المرفوض؟ وما المصطلحات التي أطْلقتْ على هذا وذاك؟

الشعر مصدرهُ الوجدان، وليس الفلسفة، التي هي نشاط عقليٌ، لا وجداني. فالفلسفة عند القاضي تهجِّن الشعْر، وتفسده.

لذا يتتبَّعُ محمود السمرة هذه الظاهرة مبتدئا بابن سلام، منتهيًا بالقاضي، وما جاء به من حديث عنها في «الوساطة» فالقاضي يؤكد أنَّ السرقة في الشعر بابٌ لا ينهضُ به إلا الناقدُ البصير، والعالم المبرِّز الخبير. وهي داءٌ قديمٌ، وعيب عتيق. وفرَّق بين المعاني المشتركة كاستحسان القمر، أو الشمس، أو استجادة الغيث، أو نعت السيف بالمضاء، وبأنه صارم قاطع، وغيرها من المبتكر، فالمشترك، وإن تكرر، لا يعد من السَرَق. علاوة على أنَّ المعاني المخترعة كتشبيه الفتاة بالظبي، أو الطلل بالكتاب المنمَّق، التي جعل التداولُ منها معانيَ عامة، لا يعد تكريرُها من السرقة في شيء. ولا تكون السرقة جديرةً بالثلْبِ، خليقة بالذم، إلا إذا كانت في المعنى المبتكر الذي لم يَشعْ. وفي هذا الباب للقاضي رأيٌ آخر، فإذا أخذ الشاعرُ أحد هذه المعاني المبتكرة، والنادرة، ثم زاد عليه زيادة تضيف إليه مزيةً لم تكنْ فيه، كان مثالُ هذه السرقة مستحسنًا، وقد استوفى السمرة الأمثلة على هذا الضرب مما فيه زيادةٌ، أو اختصارٌ، أو قلبٌ، أو نقلٌ، مما لا يستحق أن يسمى سرقة، بل هو إلى الإبداع أقرَب، وبالاختراع أحْرى وأنسب. فالقاضي الجرجاني، لمنْ يقرأ هذا الكتاب، ناقدٌ من القرن الرابع، ذو نظر ثاقبٍ في الشِعْر، يقوم على ركائز منها ما يتعلق بالأصالة، ومنها ما يتعلق بالتوليف، والترتيب النسقي، ومنها ما يتعلق بالحياد، والانصراف عن النقد المَذْهبي، وعن المعيار الديني، والأخلاقي، والاكتفاء بالمعيار الفني، أي: الشكلي، ومنها ما يختصّ بصدْق الشاعر، وبعده عن الغلوّ الذي لا يتواءم مع الصدق الفني. ولا تفوتنا الإشارة ها هنا إلى نهْج الراحل المتميز في دراسته للنقد القديم دراسةً تقومُ على الانتفاع بما لديه من الاطلاع على النقد الغربي، فهو لا يفتأ يوازنُ بين آراء الجرجاني وبعض آراء النقاد الغربيين من أمثال: إليوت، وريتشاردز، وهربرت ريد، ولاسال أبركرومبي، فضلا عن أنه يسلط على نقدنا القديم أضواءَ جديدة – مما يعود على الدارسين لهذا التراث بفوائد منهجيَّة تجعل من الكتاب قدوة تقتدى، وطريقة في البحث حريةً أنْ تُقلَّدَ وتحتَذى.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.