تجديد العلاقات المؤسسية

0

 

أبان الربيع العربي عن علة خطيرة ومستدامة أصيب بها الجسد العربي منذ أمد طويل. ولم يجئ الربيع مطالبا إلا بإعلان المرض، وبحد أدنى من العلاج: نسمة “حرية”، ولقمة “عيش”. لكن المسؤولين عن العلة، وقد “سكنوا” الجسد، وتسببوا في إطالة أمد علته، تعاملوا مع تلك المطالبة بالتهرب من المسؤولية، وادعاء السلامة، وكان أن رفضوا مطلقا وجود مرض بله الاعتراف بضرورة معالجته. ولم يجد المطالبون أمام هذا التعنت سوى المطالبة بـ”الرحيل”، والخروج من الجسد. لكن “الجني” الساكن أبى الخروج، ولوح بهلاك كل المطالبين بخروجه، ولم تجد العزائم والتعاويذ في وضع حد للجني الذي سكن الجسد، ولوّث الروح. وحتى عندما استسلم بعض الجن، وولى هاربا، أو صريعا، سكن جن آخر حل محله باسم آخر، ونعت مختلف. واستمرت العلة قائمة، وتبين ضعف الطالب والمطلوب، فانكشف الغطاء عن العجز المطلق عن إيجاد حل للعلة ـ المعضلة، وصار الكل مقرا بها، أو مستسلما لقضاء لا مفر منه، أو منتظرا ما سيقدمه الزمن.

تباينت الآراء والتصورات، وتضاربت الأهواء حول العلة، وأسبابها، وطرق الشفاء منها. وتكشّف مع طولها أن المسؤولية مشتركة بين كل مقومات الجسد: الساكن الذي خرّب، وسبّب العلة، والمسكون الذي عجز عن إيجاد الحل منذ زمان مما أدى إلى إطالة المرض.

إذا تعاملنا مع الجسد المعلول باعتباره مؤسسة، سنجد أن العلاقة بين مكوناتها المتعددة والمختلفة سبب العلة. فالحاكم يرى نفسه فوق الشعب لأنه مفوض من سلطة ما: تبدأ من القبيلة، وتنتهي في ثكنة عسكرية. والمحكوم مسلم بذلك التفويض على مضض، أو يؤهل لنفسه للحكم، بحثا عن تفويض مثيل ليحل محل السابق. فكان التجاذب أو التوافق بين طرفي المؤسسة. ولما كان الطرف الأول يرى أن إطالة التفويض تستدعي ممارسة السلطة بالقوة جسّدها من خلال الترغيب الممل أو الترهيب المزعج. وكلاهما يتطلب الإفساد، ومراكمة الفساد. فالترغيب لأنه مبني على الاستمالة يعنى بإعطاء المسؤوليات، وإسناد المهام لمن لا يستحقها، ولا يقدرها حق قدرها لأنها مهداة له من ولي الأمر. أما الترغيب فيتجلى في إشاعة العسف، والتوجس، والتخويف.

هذه العلاقة المؤسسية العامة ستسري في أوصال الجسد برمته، فيصاب كله بأوصاب وأوبئة لا حصر لها. وحين يحل الفساد في كل العلاقات تصبح الانتهازية، والنفاق، والكذب، وتعطيل المصالح، والثراء غير المشروع ديدن الجميع، وكل من أتيحت له فرصة ينتهزها لصالحه، وضدا على غيره. وبعد عدة عقود من المعاناة جاء الربيع العربي، ليقول: لا لاستمرار كل هذه العلاقات التي لا تسهم إلا في إطالة العلة.

كثيرون ممن انتقدوا الربيع العربي توهموه عصا سحرية، ستوقف النزيف الأبدي. وصاروا يشمتون في الربيعيين بدعوى أنهم أخطأوا حين خرجوا. وكأن عليهم استمراء العلة والقبول بها أبد الدهر. فالفتنة نائمة، ولعنة الله على من يوقظها؟ إن من كان يتصور أن خروج مارد ليبيا أو تونس، مثلا، من القمقم سيؤدي إلى الانتقال إلى جسد بديل واهم أشد ما يكون الوهم. لقد ترك كل منهما مجتمعا مشلولا قوامه الخوف والهلع. لم يسهم الأول إلا في تدمير كل المؤسسات، بل كان يعتبر تأسيس الحزب خيانة، وهو وحده المؤسسة. أما الثاني فقد وصل التخويف في عصره إلى حد الشعور بالإحساس، لدى المواطن العادي بينه وبين نفسه، بعدم الرضى دليلا على الإدانة! وقس على ذلك باقي مكونات الجسد العربي. فكيف في غياب المؤسسات المبنية على أسس سليمة، وفي نظام يجرم الالتزام بالعمل الجماعي أن يولد فيه بديل يمكن أن يحل محله ويقدم صورة مختلفة عما كان. وحتى عندما تبدلت الوجوه بسقوط بعض الأنظمة العتيقة، تبين أن النظام الجديد ليس سوى صورة عن البائد.

لقد شمل الفساد كل شيء، واتسع نطاقه ليشمل التربية، والإدارة، والسياسة والثقافة، والاقتصاد والاجتماع. أخطبوط متعدد الرؤوس والشبكات، تجذر في التربة، وصار مستعصيا على الاقتلاع. تربى الناس عليه حتى صار عاديا ومألوفا، بل إن العجب والغرابة يتجليان في نقيضه. كان الوطنيون، وهم يناضلون من أجل الوطن مستعدين للتضحية بأرواحهم من أجله، فصار غير الوطنيين، لأن حتى كلمة الوطني أصبحت غير متداولة في الاستعمال اليومي، مؤهلين لبيع الوطن، ومستعدين للتضحية به من أجل إدامة المصلحة الخاصة. كان التلميذ والطالب والمناضل يحلم بأن يلعب دورا في تطوير المجتمع، وتحقيق رفاهية الشعب. تحول الحلم إلى كابوس مرعب، وبات الكل يحلم بأن يحتل موقعا في السلطة يمكنه من ممارسة العسف، ومراكمة الثروات، ونيل تقاعد مريح.

لا يمكن أن يؤدي تنامي الفساد، وازدهاره إلا إلى تعقد العلة مع الزمن، وانسداد أفق العلاج. فكيف يمكن ادعاء أن الربيع العربي كان وراء كل العلة، وأنه المسؤول عما آلت إليه الأوضاع؟ من يرجع كل البلاوي التي نعاني منها منذ اندلاع أحداث الياسمين إلى الآن واهم. ومن يرى أن الربيع العربي يمكنه أن يقدم مجتمعا نقيضا لما كان أكثر وهما. وكلاهما، بوجه أو بآخر، يدافع عما كان، واعيا بذلك أم لا. لقد لوث النظام الذي كان سائدا الأرض، وأفسد المياه، وخرب القنوات، وأدى بالمزارع إلى الكسل أو الموت، وأتى على الأخضر واليابس. فكيف يمكن استصلاح أرض شوهت معالمها، ودرست آثارها؟ وكم من الوقت المطلوب لإصلاح ما أفسده دهر المفسدين؟ وبأي إرادة، وإدارة يمكن تحقيق الحلم البسيط والعفوي الذي فرض على الشباب للخروج إلى الشوارع بعد أن ضاقت بهم الأرض بما رحبت؟ وأي الأحزاب والنقابات والجمعيات بقي لها تصور لإصلاح الأوضاع وقد صارت كلها هجينة، وعاجزة عن الفكر بله العمل. أتعجب ممن يبسطون الأمور، وكأنهم ولدوا بالأمس، ولم يروا بأم أعينهم تاريخا طويلا من العسف الذي لا يبقي ولا يذر.

وماذا بعد هذا التوصيف “العدمي” لكل هذا التاريخ؟ ومن أين يمكننا البدء باقتراح آلية للتفكير في العلة المستدامة؟ ومن يمكنه أن يضطلع بهذا الأمر؟ أرى أن الذين تواروا منعزلين، وتركوا المجال للانتهازيين ليحتلوا المشهد، ويتصدروا الموقع، لكونهم رفضوا الانخراط في تزكية العلة أن يتحملوا مسؤوليتهم في إشاعة الفكر النقدي، ويمارسوا الحوار الإيجابي. إنهم المثقفون الذين طالما تم التقليل من دورهم الاجتماعي بزعم أنهم لم يؤطروا الحدث الربيعي، ولم يساهموا فيه، وكأنهم بذلك يحملونهم، سلبا وإيجابا، مسؤولية ما وقع. والمثقفون أول ضحايا العلة المستدامة.

لقد لعب المثقفون العرب، والأحزاب والجمعيات والنقابات، دورا كبيرا في العمل من أجل التطوير، والارتقاء بالوعي الجماعي إلى مستوى يؤهله للإصلاح منذ عصر النهضة إلى الآن. لكن إكراهات كثيرة ساهمت في تراجع دورهم. ولعل المؤسسة بالطريقة التي فرضت نفسها في مجرى التطور أدت على تكريس علاقات جعلت جزءا منهم يسهم في النفخ في العلة، بدل التفكير في علاجها. وبدون قراءة نقدية، وممارسة النقد الذاتي لا يمكن فهم ما جرى وتفسيره.

إن تجديد العلاقات المؤسسية هو المدخل الطبيعي للتطور. كما أن نشر قيم العمل الجاد، وطرح الأسئلة، وقبول الرأي والرأي الآخر، وتشييد المؤسسات المختلفة على أساس الالتزام والعمل الجماعي، وليس على خلفية المصلحة الخاصة، والانتهازية، هو ما يساعد على فهم العلة، واقتراح العلاج.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.