تداعيات الحرب في اليمن, وداع المكتبة أو الزفرة الأخيرة

0

 

في وجود مكتبة يختلف الأمر للذين تجبرهم الحرب على ترك بيوتهم، بما أنها الجزء الأثير الذي يصعب حمله. يمنيون ودَّعوا مكتباتهم من دون عودة، وآخرون أودعوا فيها أمل الرجوع. إنها الجزء الحيّ الذي تركوه بين جدران أو أغلفة ميتة. لا يمرّ يوم من دون أن تفكر إلهام الوجيه (صحافية) بمكتبة تركتها في اليمن، لم يكن فراقها سهلًا؛ قالت: «كان ظلمًا فادحًا».

ثمانية أشهر منذ ألقت إيمان عامر (طبيبة أطفال) نظرتها الأخيرة على مكتبتها المنزلية، هي عمر الحرب في اليمن. على مدار سبع سنوات شاركت أخاها في ملء رفوفها حين تتوافر لهما السيولة. تقول: إن حجمها ليس بالكبير، لكنها الإضافة الأجمل في البيت. يمكن لتلك الإضافة أن تتعرض إلى الفناء أو الدمار؛ لوقوع إحدى القذائف التي تلقيها الميليشيا وسط المدنيين في تعز. كان يوم جمعة، وفي ساعتين قرروا ترتيب أمر السفر والنزوح إلى القرية. «ماذا يمكن لعقلك التفكير في أخذه أو تركه في أثناء حرب الفجأة؟» تساءلت.

كل فرد من أفراد أسرتها ذهب ليجمع أكثر أوراقه خصوصية: جوازات سفر، ووثائق ملكية، وشهادات، وأوراق عمرها عشرون عامًا، وملابس، وغذاء. ربما بعض الأشياء الثمينة. تذكَّرتْ إيمان عوالم مكتبتها؛ الماضي الذي يحمل حكاية للمستقبل. كان بوق السيارة في الخارج يُطلِق تنبيهًا إيذانًا بالرحيل العاجل.

ما زالت إلهام الوجيه تتساءل من منفاها الحالي في إسطنبول، عن الشجاعة التي امتلكتها لترك مكتبتها ذات الألف ومئتي عنوان؛ ذات يوم استيقظتْ من النوم يُغلفها الرعبُ؛ لم تكن فقط مستعدةً أو متحمسةً لما بعد الفراق. غير أن عاطفة غامضة أثارتها الرفوف. فوراء كل كتاب تجلس حكاية وأسرار تخصُّهما فقط.

yamen-booksاستطردت: أكثر من ملايين الأفكار والمشاعر والذكريات والتداعيات الرُّوحيه كنت أظن أني سأتركها ورائي، بكت وهي تخبر أسرتها عن ذلك الفراق. فالمكتبة كانت لها، حسب ما قالته: «الغرفة السرية، وسدرة المنتهى وغيمتها الماطرة» أمام الرفوف وقفتْ تفكر: ماذا الذي ستأخذه؟ وما الذي ستتركه؟ «أنا غير مسموح لي أن آخذ سوى حمولة قليلة من حياة دامت سنوات عمري السابقة!» تقول إلهام وهي تتذكر تلك اللحظة المؤثرة: لو أنها محض كتب، أو رفوف، كان فراقها سيكون سهلًا، ليس فقط القراءة؛ لأن بمقدورها اللجوء إلى الكتب الإلكترونية، لكنها تورَّطت معها في علاقة عاطفية. لم تكن علاقة عادية. فحين لم تكن تتوافر لها سيولة، قالت: إنها باعت من ذهبها لشراء كتب. أَخْفَتِ الأمرَ كأنه جريمة؛ بسبب تقاليد مادية في وعي محيطها؛ أن ينظروا لها كخرقاء تتخلى عن الذهب من أجل كتاب.

يروي الجاحظ في كتابه: «الحيوان» فضائل الكتاب، بوصفه لا يخون صاحبه أبدًا، لكنه أحيانًا يتعرض لخيانة صاحبه. هل يبدو الأمر خيانة لأولئك الذين أجبرتهم الحرب على هجر مكتباتهم؟ لم تجد إلهام سوى البكاء؛ بكت مجددًا وهي تُودِعها أمانةً لدى شقيقتها ندى التي تُقدر القراءة. قالت: إنها على دراية كبيرة وليست كاملة برحلتي مع كل كتاب.

نحو ألف كتاب دفنها وضاح الجليل (كاتب وناشط) في عشرين صندوقًا بأحجام مختلفة؛ استعدادًا لطارئ الرحيل. سيضعها أمانة لدى أحد أصدقائه في مكان مأمون. يرتبط مصير مكتبته بوضع البلد، ووضعه الشخصيّ. يبحث عن مخبأ لثروته الوحيدة. كان يشتري الكتب حسب احتياجاته.

ظلمتُ نفسي في نفقات الأكل واللبس؛ من أجل شراء الكتب. قال: في أثناء الرحيل المفاجئ والطارئ وخز إيمان عامر جوعٌ غير مسبوق للقراءة. أخذتْ من المكتبة ما وقع عليه نظرها. كانت السيارة تلحُّ ببوقها مُحذِّرة، بينما الحرب تتوعَّد بانفلات وحشيّ فوق المدنيين. غادرت الغرفة، لكن ما أخذته لم يكن كافيًا عادت إليها مرة أخرى لتأخذ المزيد: آنا كارنينا لتلستوي، والجذور لإيلكس هيلي، وأحدب نوتردام لهيجو، ومختارات قصصية لتشيخوف، وأربعة كتب أخرى، دسَّتْها بين أوراقها الخاصة.

يرى منير المعمري (مبرمج كمبيوتر) بقاء المكتبة في منزله، على أمل العودة إليها. ليس أملًا شخصيًّا، إنما للبلد أن تعود من رحلة الحرب المدمرة. أخذ معه إلى ماليزيا، مَهْجَره المؤقَّت، أربعة كتب: تقرير إلى غريكو، والهوية والعنف، والشعب يريد، وانتقام الجغرافيا. محض تذكار من مكتبته، جزء من تاريخه في القراءة، وفق تعبيره. في الأغلب يفضل الناس أخذ كتب قرؤوها بشغف؛ ليحتفظوا بأثر من تلك المكتبة في البيت. يضيف منير أن الكتب لم تجعل منه مفكِّرًا أو كاتبًا، لكنها جعلت منه إنسانًا. أن يترك شخص مكتبته، أن يتخلى عن شيء عزيز: أسرة، أو أب أو صديق.

وَقَعتْ يد إلهام أولًا على رواية «لعبة الكريات الزجاجية» لهرمان هسه، ثم راحت تحتضن هنا وهناك: كتاب الضحك والنسيان لكونديرا، وقصائد الخيام، والهوية والعنف، ورائعة دون كيخوتة. قليلًا تلتقط أنفاسها، تستعيد وعيها وتقول، لمن سأترك ديستوفيسكي ونيتشه من سيقرؤهما؟ كان واقعًا مشحونًا ومربكًا.

لهفة شرهة؛ قالت: إنها بدأت خجولة لتنتهي برغبة مجنونة في أخذ كل الكتب. وأخيرًا توقفت يدها يائسة من دون حمل شيء. أقنعت نفسها أنها ستتبعها حيث تكون، وغادرت فارغة اليد، تحمل صورة الحنين إلى مكتبة مهجورة، وذِكرى عن وطن تراجيديّ. بكت مع نفسها وهي تُودِع كُتبَها في صناديق محكمة، لديها أمل أن تلتقي بها عبر شحن متلاحق حين تستقر.

لحظة وداع المكتبة للذين يهجرون أوطانهم تشبه الزفرة الأخيرة، مربط الحسرة والحزن. الحرب تقتل، لكنها –أيضًا– تنزع الإنسان من مكتبته. هناك بيوت قليلة في اليمن تزينها رفوف مملوءة بالكتب، هذا الجزء المضيء مهدَّد بظلام تلقيه أفواه البارود والضغائن الطائفية.


جمال حسن – صحافي يمني

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.