عن تمرحل ظاهرة التصوف وتطورها: – 6 –

0

 

  • التصوف فى طوره الفلسفي

1- نظرية المعرفة :

عرضنا فى المقال السابق لجملة العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية، التي شكلت مجتمعة، الأرضية الواقعية لظهور التصوف فى طوره الفلسفي.

والآن؛ نحن فى القرن الثالث الهجري، وقد أقلتنا أرض التصوف وأظلتنا سماؤه ، نشرع فى الحديث عن أهم النظريات الصوفية _من وجهة نظرنا _ وهي على التوالي ، (نظرية المعرفة، والإشراق ، و نظرية وحدة الوجود)

وليسمح لي السيدات /السادة، القراء، قبل أن نتناول نظرية المعرفة عند الصوفية، أن نعرج سريعا، على موقف الاستشراق الغربي، من التراث الصوفي العربي _الإسلامي.
والإستشراق فى معناه البسيط _إذ لسنا بحاجة لما هو أكثر _ ماهو؛ إلا دراسة حول البلاد الشرقية وثقافتها وأديانها.
عني المستشرقون بدراسة التصوف لمرامي عدة، منها ما هو ذاتي بغية الوصول للحقيقة، فمنهم من اختار اعتناق الإسلام وفُتن بشخصية من شخصيات التراث الصوفي، ومنهم من كانت بغيته موضوعية،أكاديمية بحته، ومنهم من عقد الصلات بين التصوف والتشيع، والتصوف والفلسفة اليونانية والتجارب العرفانية، فنجد من عقد الصلات بين التصوف و الأفلاطونية المحدثة والبوذية كجولدسيهر، وهناك من عقد الصلات بين التصوف والرهبانية المسيحية كآدم متز وفون كرومر، كما كان هناك قراءات كان كل همها تجريد التجربة الصوفية الإسلامية من أصالتها، ونزع التميز عنها خدمة لأهداف إيديولوجية أو استعمارية.

وللإنصاف، نقول أن هناك من كان يلح على الجذور القرآنية واللاهوتية الإسلامية للتصوف الإسلامي كالمستشرقين، ماسينيون وبول نويا.
ولا يمكن أن ننكر ما لهذه الدراسات من فضل في إماطة اللثام عن أكثر التراث الصوفي الإسلامي، إعمالاً لمبدئ الإنصاف، وقد وفرت هذه الدراسات عدة مجالات للبحث، تاريخية، وسياسية، و اجتماعية، ونفسية،وظاهراتية.

فإذا كانت هذه الدراسات قد منحتنا هذه الآفاق الرحبة للبحث، ترى، لماذا يكتفي البعض بنقل أقوال الصوفية والوقوف على أطوار حياتهم وأحوالهم؟!!!

  • أولاً : نظرية المعرفة :

مفهوم النظرية :

النظرية، هي بناء فكري تأملي ترتبط فيه النتائج بالمبادئ

مفهوم المعرفة :

هو في أبسط تعريف، إدراك الشيء و تصورُه.

بداية وقبل الولوج إلى صلب نظرية المعرفة، تجدر الإشارة إلى أمور عدة، أولها: أن الصوفية، يذهبون إلى أن العقل قاصر عن إدراك الحقائق، ولكنهم لا يستبعدون دوره بالكلية، بل يعتبرونه ركنا ركينا فى تحصيل المعارف، هم فقط يضعونه فى مرتبة أدنى من المعرفة القلبية، ولكن يجب ألا نغفل أنه عند مباشرتنا لنص صوفي فإننا نكون إزاء نص خاضع بالضرورة لقواعد قعدها العقل، نص يتحرك فى سياق أنساق العقل المعرفية المعلومة بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية.

وثانيها : أن هذه النظرية_نظرية المعرفة _ نبتت في أرض لاهوتية إسلامية، إذ لم يكن الواقع يسمح بما هو أكثر من ذلك، وموضوعها الأساسي هو معرفة الله وتوحيدُه وأن حقيقة الله، أي ماهيته، ليست فى متناول إدراك الإنسان، وإنما يدرك الإنسان من الله وجودَه ووحدانيتَه المنزهة عن المثيل والشبيه تنزيها مطلقا، ولكن هذا الإرتباط الأصيل لمسألة المعرفة بجذوره اللاهوتية الإسلامية، لا يعني بالضرورة، القول بعزلة النظرية عن تراث الفكر العالمي، ولكن؛ نقرر أن هذا التأثر حدث فى إطار التمثل والانصهار الداخلي للتراث العالمي خلال حقبة كانت الثقافة العربية تتفاعل تفاعلا كاملا معه بفضل حركة الترجمة.

وثالثها: أننا اخترنا الحديث عن نظرية المعرفة عند ذو النون المصري، وهذا لا يعني بحال أننا نشايع وجهة النظر القائلة بأنه المؤسس للنظرية، وذلك يرجع لإيماننا، بفكرة التراكمية المعرفية والعلمية التي تمنعنا من الجزم بتاريخ محدد لنشأة نظرية المعرفة، إذ كان لها وجود زمني أبعد من زمن الرجل، وهذا أيضا لا يحول بيننا وبين التأكيد على دوره فى بلورتها خلال القرن الثالث الهجري.

نبدأ الأن فى الحديث عن فحوى نظرية المعرفة وعلاقتها بالواقع الاجتماعي الذي تشير إليه.
فى نص لذو النون المصري يحدد فيه الحدود بين المعرفة العقلية والمعرفة الصوفية يقول “المعرفة على ثلاثة وجوه : الأول، معرفة التوحيد الخاص بعامة المؤمنين المخلصين، والثاني، معرفة الحجة والبيان وتلك خاصة بالحكماء والبلغاء والعلماء المخلصين ، والثالث، معرفة صفات الوحدانية؛ وتلك خاصة بأهل ولاية الله المخلصين الذين يشاهدون الله بقلوبهم حتى يظهر الحق لهم ما لم يظهره لأحد من العالمين”.

نستخلص من التعريف الذي يقدمه ذو النون المصري، أن الميزة التي تتميز بها هذه المعرفة عن سائر المعارف في إطارها المعرفي العالمي العام واللاهوتي الإسلامي، أنها معرفة أداتُها القلب وحده. ونرى أن فى هذا التعريف أن العارفين، يرتفعون إلى منزلة” الولاية”، وقد أشرنا سابقاً إلى فكرة الولاية فى مواجهة الخلافة.
ونستخلص أيضاً من تعريف ذو النون أن المعرفة الصوفية تقتصر على معرفة صفات الله دون حقيقته
ووسيلة هذه المعرفة نجدها فى نص آخر لذو النون يقول فيه “لا تسكن الحكمة معدة ملئت طعاماً ” ويقول “بقدر ما يعرف الصوفي ربه، يكون إنكاره لنفسه”، إذن هذه هي الوسائل_ أي المجاهدة_ للمعرفة الصوفية حسب ذو النون.

كنا قد ذكرنا فى مقال سابق، أن فكرة الظاهر والباطن (التأويل) هي فكرة متفرعة عن نظرية المعرفة، و تابعنا المفهوم الخاص للمعرفة عند الصوفية وهو الإتصال المباشر بالله دون وسائط، وتابعنا كيف خصوا أنفسهم بالولاية، قادهم هذا التعريف وهذا الفهم إلى أنهم يتم الفيض عليهم من المعين الإلهي مباشرة على نحو يعجز عنه الآخرون.

بيد أنهم محكمين بواقع لا يمكنهم الإفلات من حكمه، كونهم مسلمون، فكانت فكرة الظاهر والباطن التي شكلت وسيلة للإجابة عن أسئلة هذا الواقع، ومن ثم القفز والثورة عليه أيضاً، ومما ساعدهم على ذلك، أن دعوى الظاهر والباطن لم تكن دعوى منهم فى الأساس بل ترجع إلى نصوص نسبت لرسول الله صل الله عليه وسلم، وكذلك للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكذلك فى مباحث الفقه عند الإمام الشافعي رحمه الله.
فما التأويل، أولاً ؟ ومن يحق له التأويل، ثانياً؟

التأويل ليس هو المعنى الظاهر للكلمة، لكنه نوع من العلم غير المألوف لعامة الناس، الحاصل من العقل أو الحس.
والدليل عليه قوله تعالى ليوسف عليه السلام “ويعلمك من تأويل الأحاديث” هذا التعليم خاص يشكل امتيازا ليوسف.

أما عن من يحق لهم التأويل، فهم الراسخون في العلم “وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم” الآية
هم أولى الأمر وأولى الأمر عند الصوفية هم أهل “الولاية”.

بلورت فكرة الظاهر والباطن موقف الصوفية بعد ذلك من الموقف من الشريعة والنبوة والتوحيد وغير ذلك.

والله أعلم.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.