عن تمرحل ظاهرة التصوف وتطورها: – 7 –

 

  • التصوف فى طوره الفلسفي

ثانيا :التصوف الإشراقي:

تناولنا فى المقال السابق، نظرية المعرفة عند ذو النون المصري، واليوم نتناول التصوف الإشراقي عند السهروردي، ولكن قبل الشروع فى الحديث عن إشراقية السهروردي،إسمحوا لي أن أجيب عن سؤال وردني من أحد المتابعين لهذه السلسلة عن التحيز والتحيز المنهجي الذي بدا له في تناولنا لمراحل تطور ظاهرة التصوف، وقد رأيت أن أُجيب عن سؤاله هنا، إذ لربما كان ذات السؤال يُلح على ذهن قارئ آخر، وأيضاً لعرض رؤيتنا بهذا الصدد.

إن كلَّ مُتصدٍ لفعل الكتابة، بمجرد أن يكتب سوداء في بيضاء، فإن فعله هذا يصدر عن إنحياز، لفكرة، أو لتصور، أو لمنهج ما، لهذا تركنا أوهام “الموضوعية” لمن يدعيها، وأسقطنا هذه اللفظة _الموضوعية _ من قاموسنا، واستبدلناها بالمصطلح الذي صاغه الجليل فكرياً وخُلقياً ووطنياً، الدكتور عبد الوهاب المسيري، “أكثر وأقل تفسيرية ” ، أو بلفظة “الإنصاف” التي يطيب لي استعمالها.

لا مشاحة فى الانحياز _فى زعمي_ إذا عرفنا إلامَ ننحاز ولمن، إن المشكلة عزيزي السائل لا في الإنحياز بالشروط التي بيناها، وإنما فى الاجتزاء والاقتطاع من السياق، لتوجيه المتلقي لوجهة بعينها، هنا يكمن الخلل، وتطل الخيانة العلمية بخلقتها الزرية.

أما عن الانحياز المنهجي؛ فاعلم يا صديقي العزيز، أن الانحياز ليس عيباً في ذاته، فقد ننحاز ويملؤنا الفخر بنحيازنا لقضاينا الوطنية والقومية، هذا الإنحياز  ليس صادراً عن هوى قلبي، بل فرضته علينا ظروف” بلقعنا الثقافي”، إن جاز التعبير، كما أرجوك أن تعرف أنه ما من منهج نابع من سياقنا الحضاري فى العصر الحديث، وعلى هذا؛ فإن المناهج بالنسبة لي سواء، وقد نعدل عن هذا المنهج إلى سواه فى سلسة غير هذه السلسة.

وأخيراً، أريد أن أعترف أمامك عزيزي السائل، وأمام الأعزاء القراء، أن منهجي المتبع شأنه شأن كل منهج ليس محايداً، فهو محدد بشكل أو بآخر فى مجال الرؤية _وهذا متعمد_ وربما يكون قد قرر النتائج بشكل مسبق. آمل أنني قد أجبتك أيها السائل الكريم.

قبل أن نعرض للفلسفة الاشراقية، يجدر بنا أن نُطل على واقع المجتمع العربي _الإسلامي خلال القرن الرابع والخامس الهجريين، وهما يمثلان البيئة الاجتماعية والسياسية، والثقافية، التي ظهر خلالها التصوف الإشراقي

كانت الخلافة العباسية فى بغداد قد بلغت من الإنحلال والضعف مبلغا عظيما، فإلى الشرق كان السامانيون يسيطرون على شرقي إيران وأفغانستان وما حولها، وإلى الغرب حيث شبه الجزيرة العربية، كان القرامطة قد أقاموا دولتهم، وفى مصر وأقصى الغرب كان هناك العُبيدين “الفاطميين”، امتد سلطانهم فيما بعد لفلسطين والشام وشبه الجزيرة العربية، وفى أوائل القرن الخامس بدأت تظهر على الساحة القوة التركية القادمة من آسيا الصغرى؛ بدأت مع الغزنويين ثم السلاجقة، صارت كل من حلب ودمشق إمارة مستقلة، الأولى تحت حكم رضوان بن تتش والثانية تحت حكم دقاق بن تتش، وكانت فلسطين تحت حكم سقمان وأوليغازي إبني أرتق التركماني من أتباع تتش ابن ألب أرسلان. كانت اليمن مقسمة بين ثلاث فرق هم؛ بنو نجاح والصليحيين، وزريع، وكانت الحروب بينهم لا تنتهي، فى أفريقيا (تونس)، دب الضعف فى سلالة آل إيريك، وفقدت جزيرة صقلية، حيث سيطر عليها النورمانيون تماما.

وفى الأندلس المتماسكة تحت حكم المرابطين لم تكن تستطيع تقديم الدعم للمشرق لبعد المسافة ولانشغالها بحروبها مع ممالك شمال شبه الجزيرة الإيبيرية.

مع كل هذا التفكك، كانت الحملات الصليبية قد وصلت إلى بلاد الشام، واستطاعت السيطرة على عدد من الإمارات وأهمها؛ الرها وأنطاكيا وبيت المقدس، وبالطبع كان واقع الناس الاجتماعي متأثرًا بشدة بهذه النزاعات.

وسط هذا الواقع شديد الصعوبة المليء بالنزاعات والحروب، كان الناس يفكرون بالخلاص وبالمخلص، حتى ظهر كل من عماد الدين زنكي أول من رفع راية التحرير فى وجه الغزاة الصليبيين، ثم تابع جهاده ابنه القائد الفذ نور الدين محمود زنكي وصولاً إلى من توج تلك المسيرة بتحرير بيت المقدس السلطان صلاح الدنيا والدين يوسف بن أيوب، هذا فيما يخص الواقع السياسي الاجتماعي، أما عن الواقع الثقافي، فقد اشتد الإرهاب الفكري بعد انتقال علم الكلام من المرحلة المعتزلية إلى الأشعرية، وحمل الغزالي لواء الدفاع عن المذهب السني الأشعري متخذاً من المنطق والفلسفة سلاحاً، ضد من يحملون لواء الفلسفة ذاتها. وبحلول القرن السادس الهجري، كان أتباع الغزالي قد انتشروا وتكاثروا شرقاً وغرباً.

تمثل فلسفة التصوف الإشراقية عند السهروردي، نموذجاً حياً للتداخل بين الفلسفات التي أشرنا إليها فى المقال السابق العقلانية منها بالأخص وبين فلسفة التصوف وخليط من الفلسفات المتعددة (الزردشتية – الفيثاغورية – الهرمسية- الافلاطونية) وقد تجلي فكر السهروردي الإشراقي فى كتابه المعنون ” حكمة الإشراق” إذ جمع فيه أراء فلسفية كثيرة، أهمها عقيدة النور والظلم، القائمة فى الزردشتية، القائمة على الاعتقاد بأن النور هو الأساس وهو أصل الأشياء، وأن الله هو نور الأنوار، وأن الظلمة هي الوجهُ المعاكس للنور، وكلما انحدر الوجود اتجه نحو الظلمة. ومن واجب الإنسان أن يرتقي صعوداً حتى يصل إلى المصدر النوراني.
فمن هو السهروردي؟ وما الذي دفع السلطان الناصر صلاح الدين للتصديق على حكم الموت بحقه ؟

هو أبو الفتوح يحيى بن حبشين أميرك؛ الملقب بشهاب الدين السهروردي، درس فى أصفهان ثم فى ديار بكر ثم استقر اخيراً فى حلب على عهد الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين الأيوبي، نذكر من تراثه الفكري حكم الإشراق، هياكل النور، التلويحات، الألواح العمادية، المناجاة. ومن الصور التي يرسمها لنا التاريخ للسهروردي خلقاً وخُلقاً، يروي أنه كان ردىء الهيئة، زري الخلقة، دنس الثياب، وسخ البدن، لا يغسل ثوباً ولا جسماً، ولا يقص ظفراً ، ولا شعراً، فكان القمل يتناثر على وجهه وكان من رآه يهرب منه لسوء منظره. وعن سلوكه نجد هذه الصورة أنه لما قربه الظاهر ابن صلاح الدين، كان يستعلي على أهل حلب ويقول _ولننتبه جيداً إلى هذه العبارة _ “لابد أن أملك الأرض” واختلف فيه أهل حلب؛ فقسم كان يرميه بالزندقة والإلحاد. على حين ينعته القسم الآخر بالرجل الصالح، وقد ذكر غياث الدين الشيرازي فى كتابه (الذكرى) أن السهروردي وبعض حكماء المسلمين قد ضلوا بتعاطيهم الخمور، وروى البعض أنه كان خيامياً _نسبة إلى عمر الخيام_ أي يتعاطى الخمر، وقال البعض لم يكن يتعاطى الخمر، بل إتهم بها، إذ ذكرها بكثرة فى أشعاره.
وعن علمه يروي الشيخ سديد بن رقيق أن الشيخ فخر الدين يقول لنا_ و هنا أدعوك عزيزي القارئ أن تعير هذا الوصف انتباهك _ كان يقول “ما أذكى هذا الشاب، وأفصحه، ولم أجد أحداً مثله فى زماني، إلا أنني أخشى عليه لكثرة تهوره، واستهتاره وقلة تحفظه، أن يكون سبباً فى تلفه”.

إذن هذه صورة من الصور التي يرسمها لنا التاريخ للسهروردي، فإذا شغب علينا شاغب أو رد علينا راد ، وقال إن هذه الصورة لا تعبر عن حقيقة السهروردي، رددنا عليه بإننا ذكرنا مراراً وتكراراً، انه _ما من حقائق فى التاريخ _ فمن قال لك هذه حقيقة فلان، فأدر له ظهرك وتولَّ عنه حتى حين، هذا أولاً ، وثانياً أننا لم نزعم يوماً أن ما ننقله هو حقيقة السهروردي التي لا مراء فيها، بل ذكرنا أنها صورة من الصور التي يرسمها التاريخ للرجل.

فإذا جمعنا تلك الصور صورة بجوار الأخرى، لعرفنا وحدنا لماذا ختم السلطان صلاح الدين الحكم بإعدام الرجل، وهنا يجب أن أتوقف لأقول، “إن قتل النفس، بغير مسوغ من شرع أو قانون لهي مأساة حقيقة وجريمة بشعة لا يمكن قبولها أو تبريرها “ولكن كلنا يعلم أن السلطان، لم يكن رجل دين أو فقه، بل كان ملكا محارب فى واقع مضطرب بين عدو خارجي طامع وعدو داخلي متربص.

يبدو أن السهروردي كان يعتقد أنه المخلص، وكذلك كان السلطان صلاح الدين، فنازع المخلص المخلص فأمر المخلص بقتل المخلص، خاصة أن القاعدة فى هذا الزمان كانت تقول “من نازع الحق أهله إما يكون له الصدر أو يكون له القبر “، خاصاً أن التاريخ يروي لنا أن أهل حلب كتبوا إلى السلطان صلاح الدين ما نصه “أدرك ولدك وإلا تلفت عقيدته” فكتب السلطان إلى ابنه بإبعاده، فلم يبعده، فكتب إليه بمناظرته، فاجتمع بالفقهاء بحضور الظاهر بن صلاح الدين.

وفى المناظرة، كان السهروردي أقوى حجة، مما أوغر عليه صدور الفقهاء، فاتهموه بالزندقة وحملوه أقوالاً شنيعة وكتبوا للسلطان بكفره فأمر بقتله.

والآن أُفسح المجال للمؤرخ الألماني الكبير بروكلمان ليمنحنا رأيه فى قضية قتل السهروردي حيث يقول “والواقع أن صلاح الدين لم يستشعر الحاجة لإقامة ديوان لإمتحان الزنادقة، إلا مرة واحدة فى حلب، وتفصيل الأمر أن مهاجراً فارسياً يدعي السهروردي، استقر فى حلب وكانت له آراء غنوصية، ما لبثت أن أثارت شكوك علماء السنة، فشعروا أنه يمثل عقيدة القرامطة المعادية للدولة، وهكذا لم يكن في وسع السلطان صلاح الدين رغم اعتداله؛ إلا أن وافق على الحكم الذي أصدره الفقهاء القضاة على الملحد “.
تأمل معي : المعتدل، الملحد، الحكم الذي أصدره الفقهاء

“والحق؛ أن هناك الكثير من الآراء التي أوردها السهروردي، فى كتبه المختلفة، بجانب صعوبة فهمها، وغموضها، تنطوي على آراء مخالفة للعقيدة الإسلامية، وتقترب فى مضمونها إلى فكرة وحدة الوجود، وتجعل ما أسماه الحكيم المتأله فى مرتبة الأنبياء أو أعلى درجة”
كانت هذه شهادة ورأي الدكتور عزمي طه المعروف بميوله التصوفيه.

والله أعلم.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.