عن تَمَرْحُل ظاهرة التصوُّف وتطورِها -2-

 

أولاً : من الزهد الأخلاقي إلى الاعتزال:

بداية، وقبل أن نمضي قدما في بحثنا، أود أن يسمح لي السيدات \ السادة القراء، أن أؤكد على بعض النقاط التي أراها من الأهمية بمكان..

وأولى هذه النقاط؛ هي التأكيد على الوجوه المتعددة لظاهرة التصوف، فهي ظاهرة شديدة التركيب، متعددة الأبعاد، فهناك البعد الذاتي الميتافيزيقي، وهناك البعد الاجتماعي، وكذلك البعد السياسي.

وثاني هذه النقاط؛ تتمثل في عالمية ظاهرة التصوف، كونَها ظاهرةً لها أبعادُها الإنسانية. لذا نجد تجلياتها في الاجتماع البشري في كل من الزردشتية والهندوسية والبوذية واليهودية والإسلام.

وثالث هذه النقاط، هي أن التصوف ظاهرة لا ترتبط بالدين بالضرورة، كما يذهب الكثير من المهتمين بدراسات التصوف. وليس أدل على ذلك من رصد هذه الظاهرة في بعض جوانب الفلسفة الوجودية وبعض الحركات الفنية والأدبية خلال القرن الماضي (فرقة البيتلز على سبيل المثال).

ورابع تلك النقاط وآخرُها؛ أنني لاحظت أن بعض الباحثين يرجعون نشأة “ظاهرة التصوف الإسلامي “إلي عناصر ومؤثرات خارجية كالغنوصية القديمة والزردشتية والأفلاطونية المحدثة”، فهذا قد يكون صحيحاً في مرحلة تالية متأخرة من مراحل الظاهرة، بيد أنه في المرحلة المبكرة، كمرحلة الزهد الأخلاقي قبل الإسلام وأثناء العهد النبوي وعهد الخلافة الراشدة؛ وحتي منتصف القرن الثاني الهجري، لم يكن لأي من هذه المؤثرات من أثر يذكر، وهذا بلا شك خطأ علمي فاحش.

ومن التأكيد علي تلك النقاط، نرى أنه من المفيد للبحث تتبع الظاهرة بوجهها الإنساني قبيل ظهور الإسلام، فهاهو التاريخ يروي لنا قصة عن تحنث سيد قريش عبد المطلب بن هاشم في غار حراء _علماً أنه لم يكن أول المتحنثين_ وتبعه في ذلك بعض رجالات قريش من أمثال ورقة بن نوفل وأبو أمية بن المغيرة، ويقال أيضا إن عمرو بن زيد بن نفيل كان ممن يتحنث، وكذلك كان يفعل رسول الله صل الله عليه وآله وسلم، حيث تروي السيرة قصة تحنثه في غار حراء شهراً واحداً في العام، ولم تذكر لنا السيرة أو الأحاديث كيفية عبادته (عليه السلام) ، فقال بعضهم أنه كان يطعم المساكين وينقطع عن الناس، وذهب البعض إلى أن عبادته كانت بالتفكر والتأمل، وقيل بل بالذكر كان يتعبد.

وبعد بعثته عليه السلام؛ يُصور لنا القرآن الكريم اجتهاده في العبادة ومن معه من الصحابة في سورة المزمل في قوله تعالى {إن رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} الآية.
ويصف لنا لفيف من الصحابة زهده عليه السلام، ومنه هذا الحديث الذي رواه البخاري عن أبو ذر الغفاري “يقول أبو ذر رضي الله عنه : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرّة المدينة، فاستقبلَنا أحدٌ، فقال: (يا أبا ذر: قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ما يسرني أن عندي مثل أحدٍ هذا ذهبا، تمضي عليَّ ثالثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيئاً أرصدُه لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة؛ إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم ) وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم ( اللهم أجعل رزق آل محمد قوتاً وفي رواية كفافاً ).

وعلى هذا ألتزم كبار الصحابة إتباع هذا النمط من العيش البسيط دون أن يأخذ هذا المسلك شكل الظاهرة العامة أو التعبير عن موقف إزاء واقع سياسي أو اجتماعي، وإنما كان متأثراً بالمسلك الزهدي الذي طبع النشأة الأولى للإسلام. وأمثلة هذه الحالة عديدة لا تقع تحت حصر، نكتفي منها بقصة الصحابي بهلول بن ذؤيب ذاك الذي مضي حتي أتي بعض جبال المدينة فتغيب ولبس مسحاً وغل يديه إلى عنقه بالحديد ونادى “إلهي وسيدي ومولاي هذا بهلول بن ذؤيب مغلولا مسلسلاً معترفاً بذنوبه”.

إذن؛ كان هذا هو الحال في مطلع القرن الأول الهجري إلى أن حدث التحول من الزهد الأخلاقي إلى الاعتزال، ونحن لا نعني هنا الاعتزال بمعنى المدرسة الفكرية وإنما نعني “اعتزال الفتنة” ، ولكن هذا التحول سبقه ما كان يمهد له _ ونعني بالتحول أن الزهد لم يكن في جوهره سوى محض تعبير عن موقفٍ من الواقع _ فيروي لنا أصحاب السير جملة من الوقائع وقعت في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، وكان أبطالُها صحابة عُرفوا بالزهد كأبي ذر الغفاري، الذي كان يصيح قائلاً “بشر الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاويَ من حديد، تكوى بها وجوههم وجنوبهم وظهورهم” وهذا الإمام علي بن أبي طالب أزهد الناس في الدنيا يقول؛ إنه كان يقل عتاب عثمان ويكثر إستعتابه (نُصحه) ، إذن. بدأ الزهاد من كبار الصحابة يتخذون مواقعهم ويحددون موقفهم من الواقع السياسي والاجتماع، وبعبارة أخرى نعني أن الأمر لم يكن كما يصور في أيامنا هذه، بصورة الزاهد المنقطع عن العالم الخارجي المختلي بنفسه المتماوت في قوله وفعله ومشيته وسائر شأنه، ترى لم يرسمون لنا هذه الصورة على وجه التحديد ؟!

ومع إندلع الانتفاضة التي كانت سياسة عثمان بن عفان وحاشيته هدفها المباشر، ثم ما لبثت هدفها أن أصبح شخص الخليفة، الذي أغتيل في واقعة تراجيدية وهو يقرأ القرآن، وبايع الناس الإمام علياًّ بن أبي طالب، ووقوع الأحداث الدامية، قرر جملة من الصحابة التعبير عن موقفهم بالاعتزال، أي اعتزال علي بن أبي طالب و خصومه. وإتخاذ “موقفاً سلبياً عدمياً” من الصراع الدائر بين الفريقين وانقطعَ  للعبادة.

مرة أخرى نرى لا نجد بداً من الإلحاف على فكرة أن الزهد يشكل موقفاً سياسياً واجتماعياً، وإن بدا سلبياً وقد مثل هذا الإتجاه كل من سعد بن أبي وقاص الذي كان يقول “إن رسول الله أمرني، إذا أختلف الناس، أن أُخرج سيفي وأضرب به عرض الجدار، فإذا أنقطع أتيت منزلي، فلا أبرحُه، حتي تأتيني يد خاطية أو منية قاضية” ومنهم أيضا عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وحسان بن ثابت وغيرهم.

ويصف الإمام علي بن أبي طالب، حال هؤلاء الزهاد بعبارة تعبر عن رأيه في مسلكهم، وتكشف عن الوجه المعارض لهذا الزهد في قوله “هؤلاء قوم خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل!”.
عبارة تحتاج لكثير من التأمل!.

ومع تحول الخلافة إلى الملك بعد تنازل خامس الراشدين الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية عن الخلافة سوف نرصد ما طرأ على مسيرة الزهد والزهاد من تحول.

والله أعلم.

يتبع…..

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.