عن تمرحل ظاهرة التصوف وتطورها: – 4 –

0

 

  • من المعارضة السلبية إلى التصوُّف

1- الولاية فى مواجهة الإمارة

ها نحن نتابع مسيرتنا التي بدأناها من مرحلة الزهد الأخلاقي؛ وكنا قد توقفنا معاً عند مرحلة المعارضة السلبية، وها نحن نتابع المسيرة صوب الغاية النهائية لهذه السلسلة _أعني صوب التصوف الفلسفي _، ولكن ما زال فى الطريق محطة أو اثنتين؛ نجد أنه لا مناص من رصدها والوقوف عليها والنظر إليها ملياً، وذلك راجع لأهميتها _حسب تصورنا_ لمسيرة التصوف كما رسمناها، فى محاولة لصنع مقاربة، تتناول المسكوت عنه، وذلك فى سلوكنا طريقاً موحشاً، قلَّ سالِـكوه، علها تجد _أعني مقاربتنا_ فيه خبراً أو جذوة من نار تعيننا على حلكة وزمهرير جحيمية تحيزات مشهدنا الثقافي.

فى النصف الأخير من القرن الثاني الهجري، نجد أن الزهد السلوكي، شرع يحث الخطى صوب التصوف، وهذا السعي الحثيث يمكننا من رصد عدة مظاهر  بدأت فى الظهور، منها تقلص دور العبادة، وبروز دور العمل، ونبذ العزلة عند إبراهيم بن أدهم، فقد أِشُتهر ابن أدهم بأنه كان يأكل من عمل يده؛ وكان يقول “أطب مطعمك ولا حرج عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار” إنه مفهوم جديد للزهد؛ فليس هو القعود عن العمل والتفرغ للعبادة والإتكال فى الحصول على مستلزمات العيش!
وعلى نهج ابن أدهم؛ يسير تلميذه شقيق البلخي حيث يضيف إلى أفكار ابن أدهم في نبذ العزلة والتأكيد على فكرة العمل، إعتماد” المعرفة” فى مفهوم الزهد وهي النواة التي ستشكل فيما بعد نظرية المعرفة؛ التي يتفرع عنها فكرة التأويل فى طور التصوف الفلسفي، فَيروي أن عبد العزيز بن أبي رواد قال للبلخي؛ “ليس الشأن في أكل الشعير ولا لبس الصوف والشعر؛ الشأن في المعرفة، وأن تعبد الله ولا تشرك به شيئا”.
فهذه أمور جديدة، تشكل تحولاً أو تُظهر أبعاداً جديدة؛ تتداخل مع ظاهرة الزهد السلوكي أو المعارضة السلبية.

كنا قد رصدنا جانباً من مظاهر التعسف والترف وإتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء فى المجتمع العربي _الإسلامي، وكنا قد ذكرنا مقولة، شقيق البلخي؛ “إن الرعاة في كل عصر هم العلماء والصوفية”، وكان عبد الله بن المبارك يصف الزهاد؛ “بأنهم الملوك”، تري هل كانت تلك النعوت والتحولات محض صدفة؟!

في الواقع؛ لا أظن ذلك. خاصة مع بداية ظهور نظرية التأويل، التي فتحت باب معارضة الخطاب الديني الرسمي والذي يشكل قطعاً؛ وجهاً من وجوه معارضة السلطة القائمة على صعيدي التوجه والخطاب.

وكنتيجة لهذا المناخ الذي قدمنا له؛ تظهر شخصية، تتولى بذر بذور فكرة “الولاية” عند صوفية القرن الثالث، هي شخصية “داود الطائي”. والذي تظهر في شخصيته سمات أعمق للتصوف، سواء أكان ذلك في أقواله التعليمية أو فى سلوكه العملي، ففي سلوكه العملي، نجد أن الرجل جعل من نفسه مقصداً للبسطاء من الناس يتبركون بلقائه ويتلقون كلماته كمنهج لهم، وفى أقواله نجد؛ أنه كان يلقى الكلام بلهجة تعليمية صارمة، ومن جملة أقواله ما روته مصادر القوم، عن عبد الله بن إدريس قال، قلت للطائي أوصني، قال : “أقلل معرفة الناس، قلت زدني، قال :أرض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين؛ كما رضيَ أهل الدنيا بالدنيا مع فساد الدين، قلت، زدني، قال: أجعل الدنيا كيوم صمته ثم افطر على الموت”.
وكان يقول: صاحب أهل التقوى فإنهم أيسر أهل الدنيا مؤنة عليك وأكثرهم لك معونة.

والأساس الفكري لفكرة الولاية؛ هي محاولة انتزاع الزعامة الدينية من أيدي الخلفاء الذين احتكروها من منطلق فكرة “خليفة الله في أرضه” كجزء من المنظومة الفكرية لدولة الخلافة العباسية، لذلك نحن نذهب مع من ذهب إلى أن فكرة الولاية ما هي إلا وسيلة لمواجهة فكرة خليفة الله في الأرض. بمعنى آخر “الولاية في مواجهة الخلافة أو الإمارة ” ونجد الإشارة إلى هذا المعنى فى بعض تعريفات الولاية التي انتخبنا منها التعريف التالي؛ “الولاية هي ” الخلافة العظمي عن الحق مطلقاً فى الوجود جملة وتفصيلاً ، حيثما كان الرب إلهاً كان هو _الولي_ خليفة فى تصريف الحكم، وتنفيذه على كل من عليه الوهية الله…”.. الخ

والله أعلم.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.