الترجمة العربيّة ومشروعُ المجتمَعِ العلميِّ العربي

0

 

تُعتبَر الترجمة مِن بين أهمّ وأقدمِ الوسائل وأنجعِها في التعريف بالعلوم والمعارف، وتقريبِها وتبسِيطِها ونشرِها بين المهتمين والمتخصصين عبر العالَم وفي كل العصور. وكذلك فعلتِ الترجمة العربية في العصر العباسي، حيث لعبت دوراً مِحورياً وحاسماً في خَلق نواةٍ حقيقية لمجتمعٍ علميٍّ عربيٍ؛ أرسى أُسُساً متينةً لِقيام الحضارة الإسلامية وتَسيُّدِها للعالَم، وذلك بانفتاح العرب على الحضارات المجاورة _اليونانية والفارسية_ وعُكوفِهِم على ترجمة أعمالِهم الفكرية والعلمية والثقافية والفنية والأدبية، ترجمةً تجاوزتِ الإطارَ اللغوي والمعجمي، إلى ترجمةٍ تحمِلُ روحَ الإبداعٍ والابتكارٍ والخَلْق.

فلماذا لم تُساهم الترجمة العربية اليوم؛ في تخلِيق نواة حقيقية لمجتمع علمي ومعرفيٍّ عربي؛ يُمكِنه الاضطلاع بمسؤولياتِه ومهامِه، وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة؟

تعيش الترجمة في بلادنا العربية اليوم؛ حالة من الارتباك والفوضى والضياع والتخبط؛ لأسباب عديدة. حيث  يعتقد كثير من المترجمين أو مِن المتعاطين للترجمة في الوطن العربي؛ أن الإلمام بِلُغة الانطلاق (لغة المتن المراد ترجمتُه)؛ والتمكُّن من لُغة الهدف (اللغة التي سيُنقَل إليها المتن/ العربية مثلا)؛ أن الإلمام بهاتيْن اللغتيْن (قراءةً وفهماً ونقلاً) كفيلٌ باقتحام ميدان الترجمة. إلا أن هذا التصوُّر غير صحيح بالمرَّة، إذ الترجمةُ ممارسةٌ عِلمية وتخصُّصٌ قبل كلِّ شيء. عكس ما يتوهم البعض مِن أنها فنٌّ وهواية.

لا يكفي الإلمام باللغات لاقتحام ميدان الترجمة. فلا بد من التكوين العلمي، ونقصد هنا بالتكوين العلمي “التخصص”، إذ تحتاج المتون العلمية الأجنبية عند الشروعِ في ترجمتِها إلى زادٍ كبير جدا من المصطلحات والمفاهيم الخاصة. وليس فقط إلى نقل الجُمل والعبارات من لغة إلى لغة. وهذا لا يتأتى إلا لـِمــُختصٍّ في الحقل العلمي الذي يُترجِمُ مِن وإليه وفقط. وهذا الأمر مُفتقَدٌ تماما عند الغالبية الساحقة من المترجِمين العرب. إذ تَعرف الترجمةُ حالةً من الفوضى والتَّطفُّل. ونُدرةً في ذوي الاختصاص. فنجدُ عدداً كبيراً من المترجِمين خصوصا في العلوم الحقة. يُترجِمون كُتبا ومؤلفاتٍ في تخصصاتٍ مختلفة وأحيانا متباعدة.  ولا يمتلكون المعرفة والإلمام الكافييْن باللغة الاصطلاحية في الحقول والتخصصات التي تقتحِمُها ترجمَتُهم.

يفرضُ هذا الوضع على المترجم؛ أن يكون ملتزما بالمجال الذي يُمارس فيه الترجمة ومواكِبا له. في المقابل نجد الغالبية الساحقة من هؤلاء؛ لا علاقة لهم بالتخصص الذي يُترجِمُون فيه. والأسوأ من ذلك كلِّه أن المترجِم العربي يشتغل اليوم في موضوع، ثم تجدُه غدا يُترجم في موضوع آخر لا علاقة له بسابِقِه، وقلَّ أن تجدَ مُترجما عربيا يَحترم تخصُّصَه ولا يتجرأ على التخصصات الأخرى التي لا يَفْقَهُ فيها. هذه العبثية؛ أورثتْنَا عدداً كبيراً جدا مِن الترجمات الجوفاء الفارغة، التي لا تحمل أيَّ قيمةٍ علميةٍ أو معرفيةٍ، ولا تُضيف أيَّ جديدٍ إلى الخزانة العربية. مما يضطر كثيراً من الباحثين والطلبة على وجه الخصوص؛ إلى البحث عن ترجمات أخرى تُراعي روح المتن الأول، وتُبرز نظريتَه ومُحتواهُ العلمي. كما أن كثيراً من الباحثين العرب يضطرون إلى التعامل مباشرةً مع المتن الأصلي بِلُغتِه الأم.

كل هذه العوامل ساهمت وبشكل كبير في تردي وتدني مردودِ وجودةِ ونوعيةِ المتون المترجَمة إلى العربية، سواءً العلمية منها أو الأدبية أو المعرفية، في مقابل إنتاجٍ كبير وضخمٍ على مستوى الكم.

من عيوب المترجِم العربي أيضا؛ أنه لا ينضبط في تخصص معين، وبالتالي يفوتُه كثير من المستجدات بسبب ضياعِه بين التخصصات، وعندما يهُم بالترجمة دون خلفية معرفية مُحيَّنة؛ فإنه تَفُوتُه الكثير من التفاصيل والمعلومات. فلا تختلف ترجمتُه الحديثة عن سابِقاتِها القديمة من حيث الجِدَّة. إن هاجس الجدة والتطوير والإتيان بجديد لا تراود غالبية المترجمين العرب. إن أكثر ما يستهويهِم هو المعجم وفخامة العبارات وتعقُّبُ المصطلحات. وهذا نَقْلٌ جاف للمتون وليسَ ترجمةً أكاديمية.

تعتمد الترجمة العربية اليوم على الأداء اللغوي، وتتنافس في الصياغة، في حين تغيبُ فيها روحُ الابتكار وحِسُّ الإبداع، مما يجعل هذه الترجمات كُتلاً صمَّاءَ باردةٍ وقاسية. وهذا ملاحَظ بشكل لافتٍ في الترجمات الأدبية، حيث لا تُحقق أغلب هذه الترجمات روحَ المتن في الأعمال الأدبية العالمية. ففي الوقت الذي تُحقق فيها أيقناتُ الرواية والسرود العالمية مبيعاتٍ بملايين النسخ، تَعجَزُ الترجمات العربية عن بيع بعضةِ آلافٍ منها. وهذا ما يُفسِّرُ عدم تعاطي وتجاوبِ المجتمع المثقف معها، أما النخبة التي تمتلك حظاً من اللُّغاتِ؛ فإنها تتعامل مباشرة مع النص الأصلي، ويسهُلُ عليها إدراكَ حجم الفرق والهوة بين العَمَليْن (الأصلي والمترجَم) .

لقد أبانت الترجمة العربية في القرن الرابع الهجري عن قُدراتٍ إبداعيةٍ وابتكاريةٍ مُنقطِعَة النظير، مما جعلها تَكتسِبُ خصائصَ وسماتٍ عربية، حوَّلتْها مع تقادم الزمن إلى إنتاجٍ عربي خالص. ففي مجال الأدب مثلا اكتسبَت حكايات  “ألف ليلة وليلة” و “كليلة ودمنة” الرُّوح العربية في الشكل والمضمون من خلال ترجمة احترافية راعت بُعدَيْ الإبداع والابتكار، فخرجت هذه الترجمات بروحٍ ونفسٍ عربيّ خالص. فلا أحد اليومَ؛ يستطيع أن يُنسِبَ هاتيْن الأيقونتيْن إلى أصلِهما الهندي أو الفارسي. أما في مجال العلوم؛ فقد ساهمت الترجمة العربية في تطوير وإغناء البحث العلمي، وتمخَّض عنها إنتاج علومٍ عربية خالصة. كالفلسفة العربية والطب والرياضيات والكيمياء وعِلم الفلك، إلى جانب علوم أخرى كعلم الكلام وعلوم البلاغة والنحو والمنطق. ولمن أراد التوسع في تاريخ العلوم العربية ونشأتِها وتمايُزِها كتخصصات ومباحث مستقلة؛ ندعُوه للرجوع إلى موسوعة الدكتور رُشدي راشد في تاريخ العلوم العربية. وغيرِها من مؤلفاتِه المهمَّة والقيِّمة.

يرى مُعظم المترجمين العرب في الترجمة مصدرا لزيادة الدخل الماديّ، وموردا من مواردِ الرزق، وليس تخصصاً له محدِّداتُه وضوابِطه الإجرائية، مما يدفع المترجم العربي إلى البحث عن المراجع الأجنبية الأكثر أهمية وتأثيرا على الساحة العلمية أو الأدبية؛ والذي ستُحقِّقُ ترجمتُه طفرةً مالية وعوائد مادية مُجْزيَّة. بغضِّ النظر عن امتلاكِه (المترجِم) للأدوات والكفاءات اللغوية والاصطلاحية لاقتحامِ هذا المتن وترجمتِه ترجمةً جيدة بمواصفات أكاديمية. فأصبحت الترجمة العربية _بهذا المنطق_ ذات طابع انتقائي يُصبح فيه المترجِم كحاطب ليلٍ، دائمِ التنقُّل بين التخصصات العلمية والحقول المعرفية يتساوى عنده الجيد والرديء.

يرتدُّ التأثير السلبي لهذا النوع من الترجمة مباشرة على المتلقي، وهو في الغالب باحث متخصص يبحث عن الجديدِ والمفيد لتغذية أبحاثِه وتطوير مشاريعِه، فيجد نفسَه عالقاً أمام كم هائلٍ من الترجمات التي تُغري بعناوينِها الكبيرة والمثيرة والفخمة، ولا تُقدم أيَّ جديد في التخصص الذي تُرجِمت منه. فلا يكون أمام هذا المتلقي إلا أحد الطريقين؛ إما الاستمرار في البحث عن ترجمات أفضل؛ أو قراءةَ المتن بلغتِه الأصلية. وهذا الخيار الثاني غيرُ متاحٍ للجميع بسبب ضعف الطالب العربي في اللغات الأجنبية.

إن التأثير السلبي لهذه الترجمات بادٍ وواضحٌ من خلال نوعية البحوث والرسائل الجامعية التي تُنجز كل سنة في ربوع الوطن العربي. والتي لا تُضيف أيَّ جديدٍ أو قيمة مضافة للبحث العلمي العربي. وتبقى مُجردَ تجمِيعٍ للمعلومات لا أكثر، ولا تحمل أيَّ ملامحَ لنظرية أو فكرة مُبتكرة أو إبداعٍ يستحق الاهتمام.

لقد سببت فوضى الترجمة في وطننا العربي فائضا كبيرا جدا من الترجمات في مجال العلوم التجريبية والإنسانية؛ وبجودة علمية ومعرفية متدنية جداً، وهذا أمر ملموس، إذ لم تساهم هذه الحركة الواسعة وغير المنظمة في إنشاء أي نواة معرفية أو علمية حقيقية في مجتمعاتِنا العربية، ولم تعط أيَّ مؤشرٍ ولو بسيط على إمكانية تحوُّلِها إلى ثورة فكرية أو علمية تكون بمثابة الشرارة الأولى للانطلاق نحو مجتمع العلم والمعرفة كما حصل في العصر العباسي.

إن الترجمة العربية اليوم ترجمة فردية انفعالية يحكمُها الغرض الخاص للمترجم، ولا تخضع لسلطة أو توجيه أو تنظيم أية مؤسَّسَة. ومادام ميدان الترجمة مستباحا بهذا الشكل لكل من هبَ ودبّ. ستظل الترجمة العربية بعيدةً كل البعد عن ملامسة الأبعاد الجوهرية والحقيقية للترجمة العلمية الأكاديمية. وستظل مجردَ آلة أو أداةٍ لتعريب العلوم والمعارف ونقلِها من لغاتٍ أجنبية إلى اللغة العربية ؛عن طريق استبدالِ المفردات الأجنبية بأخرى عربية باستعمال المعجم لا أقل ولا أكثر. وستصبح هذه الترجمات كنظيراتِها السابقة؛ مُجردَ تَجميعٍ للجُمل والفقرات ومحاولة التوليف بينها من حيث الصياغة، ومراكمة الصفحات بين دَفَّتَيْ الكتاب دون أيِّ مَدلولٍ قيميٍّ حقيقيٍّ. في غيابٍ صارخٍ وواضحٍ لأي وازعٍ تطويري أو رغبةٍ في الإبداع والإغناء والتجديد والابتكار.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.