الترجمة في معادلة التأويل

0

 

  • تقديم

يعد التأويل الأساس الذي تنبني عليه الترجمة في أبعادها المتعددة لغويا و تركيبيا وسيميائيا وثقافيا، وذلك نظرا لتعدد المقاصد وتشابكها المعرفي بين قصدية الكاتب ومعنى النص وخلفية القارئ. هذا بالإضافة إلى قصدية المترجم الذي يصبح تأويله مضاعفا يسائل موضوعيته ونزاهته الفكرية وأمانته العلمية في عالم متعدد تتجاذبه المصالح والاختلافات اللغوية والثقافية. فما هي الترجمة ؟ وما هو التأويل ؟ وما هي العلاقة الجدلية بينهما ؟ وكيف يساهم التأويل في بناء المعنى الدلالي للنص في عملية الترجمة ؟  

  • جدلية الفهم والتأويل النصي في الترجمة

يعرف أمبرتو إيكو الترجمة باعتبارها ” قول الشيء نفسه تقريبا “1. ليؤكد أن” تقريبا” تتطلب تفاوضا مع النص ومع الكاتب، أي ممارسة التأويل للوصول إلى المعنى الأقرب إلى المعنى الأصلي. إن الترجمة هي قبل كل شيء، تأويل للنص بحيث يقوم المترجم بقراءة النص الأصلي عدة مرات من أجل فهم بنائه  اللغوي الداخلي في علاقته بمحيطه الخارجي وديناميته الفكرية و السوسيوثقافية.

وكذلك، لفهم الجمل والتراكيب الغامضة وتفكيك مضامينها وتفسير إحالاتها الدلالية، من أجل البناء الجيد  والمتكامل لمعنى النص الهدف. هذه العملية تجعل من الترجمة عملية إبداعية ونقدية. يعتمد فيها المترجم على التأويل   الذي يمكنه من البدائل والحلول لقول نفس الشيء وبطريقة متكافئة في اللغة والنص الهدف.  ويعتبر أمبرتو إيكو الترجمة تأويل وتفاوض  مع النص وأحيانا مع الكاتب وبيئته في إطار حوار جدلي مع مختلف البنيات الدلالية على المستوى اللغوي والأسلوبي والجمالي والثقافي.

لقد تناول بول ركور، أيضا،  موضوع الترجمة  في كتابه “عن الترجمة”2 وفق مقاربة تأويلية  مميزا بين  مفهومين أساسيين هما الفهم والتفسير محددا ميدان الفهم في العلامات والدلالة في حين يشكل التفسير مجموع العلاقات البنيوية المتنوعة و المكونة للنص. وقد تبنت مدرسة باريس للترجمةISIT  النظرية التأويلية رافضة الاكتفاء بالمقاربة اللسانية بحيث تقول ماريان ليديرير في هذا السياق :” المعنى يتركز على الدلالات اللسانية، ولكنه لا يتوقف عندها بل يخص مجموع النص الذي ينتشر تدريجيا أثناء القراءة وهو ما يمكن من فهم قصد الكاتب.”3 وهذا يعني التدرج من الفهم إلى التفسير ثم التأويل وهو ما يجعل كل مترجم مؤولا. كما يوجد المترجم أيضا أمام خيارين إما تقريب الكاتب من المتلقي أو تقريب المتلقي من الكاتب وفي كلتا الحالتين فإنه يحكم على إحداهما بالاغتراب وهي الفكرة التي ناقشها الفيلسوف والمترجم الألماني فريدريش شلايرماخر في كتابه “عن المناهج المختلفة للترجمة”4 .

 ويرى السيميائي الايطالي أمبرتو إيكو “إن محاولة الوصول إلى دلالة نهائية ومنيعة سيؤدي إلى فتح متاهات وانزلاقات دلالية لا حصرة  لها.”5 وذلك راجع بالأساس إلى الانزياح الدائم للدلالة وهو ما ذهب إليه أيضا بول فاليري حين قال أن لا وجود لمعنى حقيقي للنص. ويضيف أمبرتو إيكو في الفصل المخصص للتأويل المضاعف من نفس المرجع :” إن النص ليس مجرد أداة تستعمل للتصديق على تأويل ما، بل هو موضوع يقوم التأويل ببنائه ضمن حركة دائرية تقود إلى التصديق على هذا التأويل من خلال ما تتم صياغته باعتباره نتيجة هذه الحركة.”6  

كما يؤكد على ضرورة التعرف على قصدية النص للتمكن من التعرف على إستراتيجيته السيميائية انطلاقا من أسس أسلوبية متداولة. وهنا وجب التأكيد على التأويل الذي يقوم به المترجم  للنص انطلاقا من قصديته  واستراتيجيته كمترجم في تفاعل مع مضمون الخطاب لهذا النص وخلفياته وأهداف كاتبه الذي لا يمكن تجاهله أوتجاوزه في عملية التأويل. فما بين قصدية الكاتب الصعبة الإدراك و قصدية المترجم، هناك القصدية الشفافة للنص التي تدحض كل تأويل هش. ويشير أمبرتو إيكو إلى التأويل المضاعف الذي تعرضت له روايته “إسم الوردة”  من طرف المترجمين حيث يقول: ” وربما كنت أريد أن أفتح الأبواب واسعة أمام قراءات كثيرة يستحيل معها أن تكون إحداها هي الكافية، لكنني لم أحصل إلا على سلسلة من التأويلات القاسية.  ومع ذلك ما على الكاتب الفعلي إلا السكوت.”7 

  • 2- التفكيك والتأويل لترجمة البنيات اللغوية والدلالية العميقة للنص

يفترض التأويل الكشف عن البنية الدلالية العميقة للنص وهو ما يقابل مفهومي البنية السطحية والبنية العميقة في النحو التوليدي  لنعوم شومسكي.  وذلك بالانطلاق من البنية الدلالية للمعنى الظاهر أو المباشر في المعجم المستعمل والبنيات التركيبية للجمل والأساليب البلاغية والأشكال الأسلوبية المختلفة التي تحدد أبعاد النص واستراتيجيته المعلنة والخفية من طرف الكاتب سواء كان النص أدبيا، فلسفيا أو علميا. إن إعادة صياغة النص الإبداعي يفترض من المترجم أن يتمتع بقدرات إبداعية عالية تجعله قادرا على إعادة إبداع النص الأصلي في اللغة الهدف على درجة من الجمالية والدقة والموضوعية تلقى إقبالا من المتلقي أو القارئ.  

وتعد الترجمة أيضا إغناء للغة وتعبير عن قدرتها على التواصل في انطلاقها من لغة النص الأصلي للوصول إلى لغة النص الهدف مستعملة آليات الفهم والتفكيك وإعادة صياغة معنى النص الأصلي في لغة أخرى لبناء النص الهدف. وحين نقوم بالترجمة  إلى اللغة العربية أو أية لغة أخرى فنحن نقوم بتفعيل هذه اللغة ولبنياتها التركيبية و الدلالية لنجعل اللغات تتحاور فيما بينها وتحديد مكامن التفاهم والاختلاف وبالتالي طرح إمكانية المعالجة لغويا وثقافيا على اعتبار أن ترجمة النص في غياب سياقه تعطي ترجمة غير مكتملة المعنى للنص. 

كما تبني الترجمة حوارا جدليا وتأويليا مع النص وما يحمله من حقائق ومعطيات في سياق نسقه الداخلي وبنياته التركيبية والدلالية لصياغة المعنى الداخلي وأيضا سياقه الخارجي السوسيوثقافي لاستكمال البناء الدلالي للمعنى الذي يحمله النص أو الخطاب في مختلف أبعاده. إن الوعي بتعدد أبعاد النص المصدر لسانيا ومعجما وتركيبا وأسلوبا وانفتاحه على محيطه السوسيوثقافي من طرف المترجم الملتزم بالقيم النبيلة للترجمة، واحترامه للأمانة العلمية هو ما يجعل تأويله ممكنا وموضوعيا لتصبح ترجمته عملية إبداعية تنصهر فيها لغة المصدر ولغة الهدف لتخلق لنا عملا إبداعيا يتوخى في استراتيجيته تحقيق قصدية المتلقي وباقي المقاصد لإرساء قيم العلم والمعرفة والتواصل الإنساني.

بهذا الشكل، تصبح الترجمة مشروعا تأويليا يساهم في احتضان اللغات والثقافات الأخرى لبناء الحوار الثقافي والحضاري عبر مد جسور التواصل اللغوي والمعرفي والعلمي والأدبي والفني للاستفادة من العلوم ومعارفها في مختلف التخصصات ومساهمة بذلك في تطور وتقدم  المجتمعات وشعوبها عبر الإشعاع الفكري العقلاني ونشر الإبداع الأدبي والفنون وتنمية الذوق الرفيع والقيم العالية ترفع من شأن الإنسان ودوره في بناء المجتمع على أسس  التعدد والاختلاف والتسامح والتضامن. 

  • 3- التأويل وعلم الترجمة

إن ترجمة النصوص بمختلف أنواعها تفترض القراءة الجيدة من أجل الفهم والتفسير والتأويل. ومن خلال هذه العمليات قام اللسانيون بدراسة المعجم والمصطلحات  وتحليل الخطاب بمنهجية علمية، للإحاطة بمختلف جوانب النص. كما قام علماء الترجمة بدراسة الترجمة  كعملية و سيرورة وكنتيجة، لمعرفة خصوصياتها والصعوبات والاكراهات التي تعترض المترجم في عمله، باقتراح مناهج وطرق تساعد هذا الأخير  لإنجاز الترجمة.  ترضي المتلقي أو القارئ بالرغم من اختلاف وتضارب المقاربات في ميدان علم الترجمة، لتجاوز اختلاف الأنساق اللغوية والثقافية والتعدد الدلالي للكلمات والمصطلحات بين النص الأصلي والنص الهدف وتحقيق التكافؤ في المعنى بطريقة علمية وموضوعية.

ومن أجل ترجمة النص يهتم المترجم بمختلف البنيات المكونة له، دون إغفال المقاصد المتعددة التي يجد نفسه أمامها بدءا بالمؤلف و النص والقارئ أو المتلقي. هذا بالإضافة إلى قصديته كمترجم الذي تحتم عليه الأمانة العلمية أن يكون موضوعيا وأمينا في عملية الترجمة خدمة للمصداقية ليتمكن من مد جسر الحوار والتواصل بين النص الأصلي والنص الهدف في أبعادهما المختلفة لغويا وسيميائيا وثقافيا.

 كما يعتبر مفهوم السياق مفهوما أساسيا أيضًا في المعادلة النظرية والتطبيقية لتحليل الخطاب،  وفي عملية البحث المتواصلة عن المعنى لترجمة النص إلى اللغة الهدف، بحيث يشكل جزءا من عملية التفسير والتأويل باعتباره يحدد الوضعية الداخلية والخارجية للنص و حالة التفاعل الاجتماعي والخطابي  التي تتغير أحيانا في الزمان والمكان في علاقة مع المعارف العامة المشتركة : معجمية ، موسوعية ، علمية، ثقافية أو اجتماعية.8 بالإضافة إلى ذلك ، فإن الاهتمام بالكاتب وقصديته كذلك يجعل من الممكن تحديد موقفه وخلفيته في النص كخطاب.  وذلك بتحليل وضعية التواصل للمتكلم ولعمله الإبداعي لمعرفة استراتيجيات الخطاب المستخدمة.  

في هذا السياق، يقوم المترجم بتفكيك النص الأصلي إلى وحدات ترجمة. قد تتكون من الكلمات أو من مقاطع أو جمل والحاملة لوحدات دلالية تفيد المعنى وإعادة صياغتها في اللغة الهدف، باعتماد المعادلة والتكافؤ اللغوي والدلالي والثقافي كتصور للترجمة.9 هذا التصور يجعل من هذه الأخيرة عملية ممكنة تتحقق بالرغم من الاختلاف اللساني و الثقافي. ولتؤكد الترجمة إمكانية التواصل والحوار والتعايش في عالم متعدد الثقافات والحضارات ضد تيار العولمة الجارف الذي يلغي الاختلاف والتعدد ويكرس هيمنة لغة أحادية الجانب وثقافتها على لغات وثقافات العالم.

أيضا، يمكن للمترجم اتخاذ مبادرات لإبداع حلول عملية باعتماد التفسير والتأويل الموضوعي و المناسب والنسبي للنص باقتراح كلمات أو مصطلحات جديدة للتعبير عن وضعية لغوية أو ثقافية غير موجودة في اللغة والثقافة الهدف. ويتعين على المترجم، في بعض الأحيان، اللجوء إلى إجراءات ترجمة أكثر تعقيدًا تتطلب تحليلًا أكثر شمولية للنص المصدر وإعادة بناء معناه في اللغة الهدف باعتماد الخيارات المتاحة للمترجم ومن ضمنها درجة التكافؤ اللغوي والثقافي التي تعطي للترجمة مصداقيتها.


  • خلاصة

إن النص كمكون إبداعي بتركيباته المختلفة: اللسانية والمعجمية والأسلوبية والمعرفية والثقافية يبقى منفتحا على عدد اللانهائي من القراءات و الفهم و والتأويل والتفكيك وفق الخلفيات المتعددة للمتلقي سواء كان قارئا أو مترجما، وذلك حسب تطور وتغير السياق الزمني والسوسيوثقافي. لذلك، بالرغم من المجهودات المبذولة من طرف المترجم ووفائه وأمانته للنص الأصلي واهتمامه كذلك باللغة والثقافة الهدف فإن عملية التأويل في ميدان الترجمة تظل نسبية وغير نهائية بتطور الظروف المحيطة بالنص في الزمان والمكان. وهذا ما يدل على أن التفسير والتأويل في مجال الترجمة يبقى مركبا وإشكاليا بالرغم من  التطور النوعي الذي تم إنجازه في علم اللغة والسيميائيات وتحليل الخطاب وعلم الترجمة وبمقاربات علمية لتفكيك بنيات النص كخطاب شكلا ومضمونا وإعادة بنائه وترجمته من جديد إلى لغة وثقافة الهدف. 


  • المراجع 
  1. أمبرتو إيكو.(2012) .أن نقول نفس الشيء تقريبا. ترجمة أحمد الصمعي. المنظمة العربية للترجمة. بيروت . لبنان. ص.24

-Paul Ricœur.2003. Sur la traduction. Bayard presse. Paris. France.- – 2  

-Lederer Marianne. Transcoder ou réexprimer in Interpréter pour traduire. 4ème édition.          – 3 Université Paris III. 2001. P. 17

Friedrich Schleiermacher.1999. Des différentes méthodes de traduire              –                            – 4                      Traduit par Antoine Berman,   éditions du seuil, Paris. France. P. 49

5- أمبرتو إيكو.(2016). التأويل بين السيميائيات و التفكيكية. ترجمة سعيد بنكراد. الطبعة الثالثة،. المركز الثقافي العربي. 

6- نفس المرجع.

7- نفس المرجع.

Delisle, Jean. 1980. L’analyse du discours comme méthode de traduction, -8

 Editions de l’Université  d’Ottawa, 

 

Lederer Marianne. (1994), La traduction aujourd’hui, Modèle interprétatif. Hachette. Paris, France. – 9

 -10 بول ركور. التأويل : الخطاب وفائض المعنى. ترجمة سعيد الغانمي. الطبعة الثانية.2006، المركز الثقافي العربي. بيروت، لبنان.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.