نقد

خمسون عاماً على استشهاد غسان كنفاني

اعتمدت وزارة الثقافة الفلسطينية هذا العام (2022) عام الاحتفاء بغسان كنفاني، ويكون قد مرّ على استشهاده- رحمه الله- خمسون عاماً بتاريخ: 8/7/2022، وقد أعدت الوزارة لذلك العدة بمؤتمرها القادم حول الرواية، وتخصيص جائزة باسم “جائزة غسان كنفاني للرواية العربية”، وقد أعلنت الفائزين بالقائمة القصيرة في 30 من حزيران، وهم أربعة من الروائيين العرب من الجيل الجديد، وستنطلق فعاليات ملتقى فلسطين الخامس للرواية العربية الذي سينعقد إحياء لذكرى استشهاد كنفاني الخمسين يوم 17 تموز، حيث سيتم الإعلان أيضاً عن الفائز بالجائزة من الفائزين بالقائمة القصيرة،

وعن الفائز بدرع غسان كنفاني من الروائيين العرب. وقد أعلنت الوزارة انطلاق فعاليات إحياء الذكرى الخمسين لاستشهاد هذا الروائي الكبير بمؤتمر صحفي عقده وزير الثقافة د. عاطف أبو سيف بتاريخ: 7/7/2022.


هذا شكل من أشكال الاستعادة الممكنة إبداعيا لغسان كنفاني الروائي والمبدع. لكنها لا تكفي، فلم يكن غسان أديبا وحسب، لذلك لا بد من فكرة الاستعادة الثورية لغسان كنفاني، واستعادته مثقفاً، يعي ماذا تعني كلمة مثقف، هذه الاستعادة التي تعني كما قال محمود درويش في رثائه: “اذهبوا إلى اسم غسان كنفاني واسرقوه، أطلقوا اسمه على أي شيء، وعلى كل شيء، أطلقوا اسمه عليكم واقتربوا من أنفسكم، من حقيقتكم، تقتربوا من الوطن”. (وداعا أيتها الحرب… وداعاً أيها السلام، ص23).


ولد غسان كنفاني في مدينة عكا، في الثامن من نيسان عام 1936، واغتيل في الثامنِ من تموز عام 1972، إذاً، فستٌّ وثلاثون سنة هي كل سنوات عمر غسّان كنفاني، منها اثنتا عشرة سنة عاشها في فلسطين، وبعدها أخذته الريح إلى الكويت وسوريا ولبنان، ليستقرّ في بيروت. في ستّ وثلاثين سنة، ولد، وتشرّد، ودرس، ودرّس، وسافر، وأحبّ وراسل، ومارس السياسة، واشتغل بالصحافة. نقد، وكتب المقال، والقصة، والرواية، والمسرحية، والبحث والدراسة.


ستة وثلاثون عاما كل ما منحته إياه الحياة، إلا أنه ترك الكتب المهمة والمقولات الخالدة، والروايات الملهمة. لم يترك الكثير الكثير، لكنه ترك المؤثر الكبير في هذه الكتب، ربما لم تتجاوز كتبه العشرين كتابا، لكنها شكلت مكتبة ثرية بحد ذاتها للفكر العربي. كتبٌ لن يستطيع دارس للأدب الفلسطيني أو السياسة الفلسطينية تجاوزها أو التغاضي عنها أو إهمال تقديرها، عدا ريادته المهمة في الأدب “الصهيوني” والمقال “النقدي الساخر”.


ست وثلاثون سنة استطاعت أن تجعل من غسّان كنفاني علامة إنسانية تتخطّى حادثة الاغتيال إلى ما يتجاوزها ويجعل الفكرة، فكرة الاغتيال، فاشلة، وعديمة الفائدة، فالفكرة لا تموت أبدا، والشخص لم يمت أيضا، فها هو مستعاد حيّ يرزق، نقرأه ونحاوره ونتجادل معه على موائد الفكر والثقافة. فأي اغتيال هذا الذي سيسكت صوتاً كصوت غسّان أو يمحي صورة كصورته؟


ست وثلاثون سنة كانت تُغني عن مئات من السنين، فربما عاش أحدنا قرنا ولم يذكره التاريخ أبدا لا من قريب ولا من بعيد. فعُمر غسّان الذي لم يكن قصيرا ولن يكون، يعلّمنا أن العمر ليس بالسنوات وعددها، وإنما ماذا فعلت بعمرك هذا الممنوح لك.


اغتيل غسّان كنفاني شابّا إلا أنّ ذكره ما زال خالدا باقيا شابا، متوهّجا لا يموت. هذا العمر على هذه الشاكلة هو رسالة إنسانية مؤداها أن تعمل وتجدّ من أجل أن تبقى، فحرام أن تذهب فرصة العمر سدى. وصف الكاتب السوري ياسين رفاعية غسّان كنفاني في روايته “من يتذكر تاي” أنه كان يسابق الزمن ويعمل كثيرا ولم يكن ينام كما يجب، وكأنه كان يشعر بأن يد الموت ستخطفه، فكان في صراع مع الوقت.


ويشهد على ذلك ما أنتجه فكر غسّان ورواياته وحياته التي عاشها من حيوية ونقد واستحضار منذ اغتياله إلى اليوم، ففي الوقت الذي كنت أستعدُّ فيه للكتابة عن غسّان كنفاني ومشروعه الإبداعي الروائي القصصي والنقدي أعثر على مجموعة كتب تحتفي بهذا الإرث، جمعت بعد اغتياله، رحمه الله، وقد تكون غير استقصائية، إلا أنها كتب مهمة في دلالتها الاحتفائية بغسّان ومشروعه الفكري، وهذه الكتب هي:

فارس فارس“، مجموعة مقالات نقدية ساخرة كتبها غسان. نشرت في الأصل أسبوعيا في ملحق جريدة الأنوار اللبنانية ومجلة الصياد، تصلح هذه المقالات لدراسة شخصية “غسان كنفاني ناقداً”.

غسان كنفاني.. الشاهد والشهيد- فصول من سيرته الإعلامية والسياسية” ، ويشتمل على بعض ما اشتمل عليه كتاب “فارس فارس” من مقالات نقدية ساخرة، ولكنه يضيف إليه بعض اليوميات.


معارج الإبداع“، صفحات من سيرة غسّان كنفاني ومجموعة من القصص والمقالات والحوارات، والمحاولات الشعرية التي لم تنشر سابقا. تمخّضَ عن هذه المحاولات قصيدتان تحدثتُ عنهما في مقال خاص بعنوان “غسّان كنفاني شاعرا”.

لم تؤهّل هاتان القصيدتان غسّان كنفاني ليكون شاعرا، لكنهما يؤشران على البداية الطبيعية لولادة غسّان الأديب، أسوة بالعديد من الأدباء الذين بدأوا حياتهم الأدبية بكتابة الشعر، ثم ما لبثوا أن نبتوا نباتا حسنا في تربة السرد، قصصاً وروايات ومسرحاً. أو أصبحوا نقادا وتركوا الشعر والرواية كما كشف عن ذلك الكتاب الجديد عن إدوارد سعيد “إدورد سعيد- أماكن الفكر”.


غسّان كنفاني- صفحات مختارة من دفتر اليوميات (1960-1965)“، والكتاب في الأصل مجموعة من يوميات كنفاني المنشورة أولا في مجلة الكرمل، العدد الثاني، مارس، 1981، ثم صدرت في كتاب مستقل صغير الحجم، عن دار راية للنشر في حيفا عام 2018، وقدّم له الناقد صبحي حديدي، ولا جديد فيه، فهذه اليوميات موجودة في كتاب “الشاهد والشهيد”، وفي كتاب “فارس فارس”.


هذه الكتب الأربعة المذكورة أعلاه الخاصّة بجمع إرث غسّان كنفاني تتقاطع فيما بينها، لكن لا يُغني أحدها عما عداه. وحبذا لو تمّ تحريرها لتكون في كتاب واحد، دون تكرار. فهل من دار نشر، صاحبها شجاع يفعل ذلك؟ لتوفر للقارئ والباحث ما هو في هذه الكتب بين دفّتي كتاب واحد، وزيادة البحث في المصادر من صحف ومجلات وأرشيف الشهيد الخاص لدى العائلة والأصدقاء والمعارف عما هو غير منشور إلى الآن؛ وصولا إلى تأسيس “مكتبة غسّان كنفاني” لتحتوي كل ما كَتب، وكلّ ما كُتب عن غسّان كنفاني وإبداعاته.

لقد حان الوقت لتأسيس مثل هذه المكتبة، كردّ فعل حضاري على كل من اتخذ الدم والعنف لغة في إقصاء الفلسطيني ومحو وجوده وذاكرته.


تجدر الإشارة إلى أن عالم غسّان كنفاني الإبداعي ما زال مشعّاً، مستلهما، ولن يكفّ الكُتّاب عن الكتابة عنه نقدا ومراجعات، فعلى سبيل المثال لا الحصر أشير إلى ما كتبه يوسف اليوسف في كتابه “رعشة المأساة”، وهو مقالة موسعة لا تتجاوز ستاً وسبعين صفحة، ورضوى عاشور وكتاب “الطريق إلى الخيمة الأخرى”، وفاروق وادي وعلاماته الثلاث في الرواية الفلسطينية، وفيصل دراج وحديثه عن “ذاكرة المغلوبين- الهزيمة والصهيونية في الخطاب الثقافي الفلسطيني”، وعشرات الأبحاث الجامعية والدراسات المحكمة ومئات المقالات.

أيضاً ثمة كتابات إبداعية استلهمته في الرواية والشعر والقصة القصيرة، وقد تناول الدارسون كل تلك الجوانب في تتبعهم لغسّان كنفاني وأثره في الكتّاب العرب والفلسطينيين على وجه التحديد، والأثر الذي تركه غسّان في مدونة السرد العربية والفلسطينية، سأشير إلى بعضها فيما يأتي.


لماذا يستعاد غسّان كنفاني بهذا الشكل المكثّف ليكون حاضراً عند الجيل الجديد من المقاومين والمثقفين والأدباء والفاعلين السياسيين، الوطنيين منهم على وجه التحديد؟

أظنّ أن في أدب غسان كنفاني الكثير من المفاصل الإنسانية العامة، فلو تمّ تجريد الظاهر الفلسطيني في ما كتبه غسان كنفاني، فسيجد الناقد المتبصّر أن كنفاني كان يكتب أدبا إنسانيا عاما؛ صالحاً لكل زمان ومكان، لأن التجارب الإنسانية المأساوية تتشابه في الكليات، بل إنها- كثيرا- ما تتطابق في الجزئيات والتفاصيل، لذلك تستعاد مقولات غسان كنفاني: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ والإنسان موقف، والفكرة لا تموت، ولا تمت قبل أن تكون ندا، وغيرها الكثير مما يلتقي مع تجارب الناس، شعوبا وأفراداً، فالمسألة لم تعد تقف وتنحصر على حدود التجربة الفلسطينية.


ولذلك فإن خبر العثور على جثث 46 شخصاً داخل شاحنة في تكساس الأمريكية، (كما أوردت الخبر صحيفة القدس العربي في 28 يونيو 2022) يعيد إلى الأذهان- وخاصة للقارئ العربي- قصة رجال غسان كنفاني الثلاثة الذين ماتوا في ظروف مشابهة جداً. وقد تتبعت شيئاً من هذه الحوادث في كتاب “استعادة غسان كنفاني” في موقعه، وخاصة في الهجرات غير الشرعية أو الحالة السورية ورحلة اللجوء والفرار إلى أوروبا وموت الكثيرين بطريقة مماثلة.


لم يكن الاستشهاد أو الاغتيال ما رفع غسّان إلى هذه المرتبة من الحضور في السياق الثقافي والفكري بل ما قدّمه من إبداع، هو ما جعله مؤهّلا لريادة حقول متعددة في صلب الثقافة الفلسطينية والعربية والإنسانية، فقد اجتمعت في شخصه كل مقومات الإبداع من الكتابة إلى الرسم، ومن السياسة إلى الصحافة، ومن التأليف إلى الترجمة، فغسّان يعدّ من أوائل من تنبّهوا إلى ضرورة الترجمة من العبرية وإليها؛ جاعلا من كل ذلك وسيلة لخدمة قضية مركزية في حياته، فكل ما كان يفعله غسّان فعله من أجل فلسطين، وليس لأهداف ذاتية ونخبوية خاصة.


وفي هذا السياق، ولمن يعرف دقائق توظيف غسّان كل شيء في حياته من أجل القضية السياسية، تبدو رسائله إلى غادة السمان غير مبررة، أو لم يستوعبها الوسط الثقافي آنذاك، علما أن غسّان كتبها وهو يمارس حقه كإنسان في أن يحبّ ويعبّر عن هذا الحب، وقد أثّرت فيه علاقته بالأديبة غادة السمان التي قال عنها- كما يروي ياسين رفاعية في روايته “من يتذكر تاي”: “هذه المرأة دمّرتني”.


في عام (2020)، عام الحجر الصحي، والإغلاقات المتكررة، انتبهت إلى غسّان كنفاني أكثر من ذي قبل، لأعود للكتابة عن إبداعاته؛ عدة مقالات، تناولت فيها روايته “رجال في الشمس” بمقالين، هذه الرواية التي لا ينتهي الحديث عنها مهما كُتب حولها، فكل مشهد فيها بحاجة إلى دراسة ومن عدة وجوه، وكتاب “أطفال غسّان كنفاني والقنديل الصغير”، فتحدثت عن أطفال غسّان وقصته الوحيدة التي كتبها للطفلة لميس ابنة اخته، وأهداها إياها في عيد ميلادها، وهي قصة “القنديل الصغير” التي طبعت عدة طبعات.


وتحدثت عن مقالات كتاب “فارس فارس” كما أسلفت الإشارة آنفا، بالإضافة إلى أنّني توقفتُ عند قصيدتين لغسّان وبحثت فيهما جانبا من شخصية غسّان الإبداعية تحت عنوان “غسّان كنفاني شاعراً”.


هذه المقالات أستعيد فيها مشروع كنفاني من زوايا متعددة غير محصورة بفنيات السرد العربي والفلسطيني. بل أتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد؛ فها هو غسان كنفاني بعد نصف قرن على اغتياله ما زال داخلا في صلب النقاش السياسي والثقافي والإبداعي الفلسطيني، حاضرا رغم الغياب، متنوعا في تجليات هذا الحضور، متعاليا على كل ما هو جانبي وتافه وغير حقيقي أو غير عمليّ، وسيظلّ غسّان حيا ما دامت السموات والأرض، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


ويشهد على هذا الحضور استعادة الجيل الجديد لغسان كنفاني الإنسان والمناضل والمثقف، ومن أمثلة ذلك حضور غسان لدى أبناء الجاليات العربية في أوروبا وأمريكا، من ذلك ما دأبت على فعله واستلهامه الناشطة السياسية والثقافية، الفنانة الليبية دانيا زيتوني.


ولدت دانيا في مدينة  تلاهاسي عاصمة فلوريدا،  وهي من أم سورية، وأب ليبي. وتحمل شهادة جامعية من جامعة USF في العلاقات العامة، وحالياً تعيش في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان، تدرس فن الرسم، وقد جسدت في رسمها معاناة الشعب الفلسطيني، ورسمت الأديب الفلسطيني غسان كنفاني، لقد قرأت الفنانة دانيا معظم مؤلفات كنفاني باللغة الانكليزية، فغسان كنفاني قامة أدبية كبيرة، ومعروف جداً، وخاصة في الجالية الشابة الفلسطينية.


ولم يقتصر اهتمام هذه الشابة على قراءة أدب غسان والتأثر بأفكاره، بل وظفت أيضا أقواله وصنعت من بعضها قطع إكسسوارات للزينة، وبيعت بشكل هائل، وكذلك ما صممته من صور لغسان (posters).

فغسان ما زال حيا لم يمت بدليل أن كتبه تباع بأكثر من لغة، ويصنع من كلماته قلادات تزيّن الصدور، وهكذا فإن محاولة اغتياله فشلت بمعنى ما، وبدل من أن يمحوَ  الصهاينة اسمه وأثره عاد بشكل أقوى ومنح حيوات عديدة للزمن القادم، ولعدة أجيال قادمة من أبناء هؤلاء الصبية الرائعين، والفتيات الرائعات.


وعدا دانيا وما استلهمته من أعمال فنية تشكيلية ذات صلة بغسان كنفاني، فإن كثيراً من الفنانين التشكيليين أو رسامي الكاريكاتير قد استعادوا غسان برسوماتهم وأعمالهم، أذكر على سبيل المثال لا الحصر محمد نصر الله ورائد القطناني وأحمد المحسيري.

وفي مجال الكتابة الإبداعية، فإن العديد من الكتاب قد استعادوا غسان كنفاني ضمن مشاريعهم الأدبية بشكل أو بآخر، فاستعادوه مثقفاً، حاضرا في الشعر والروايات والأعمال الدرامية، فقد تحوّل غسان- ليس بفعل الموت وحده، بل بفعل المواقف والإنتاج الأدبي- إلى ملهم كبير للجيل الجديد من الكتاب.


وقد أشرت في الكتاب “استعادة غسان كنفاني” إلى التأثر الإبداعي به، كما عند الكاتب المصري عمرو العادلي في روايته “رجال غسان كنفاني”، وحضوره أيضا في رواية “الرقص الوثني” للكاتب الفلسطيني إياد شماسنة، كما يستعيده للحديث عنه الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله في روايته الجديدة “طفولتي حتى الآن”، كما سبق أن استحضره واستعاده مثقفا ومناضلا في ثنايا روايته “أعراس آمنة” التي خصصها نصر الله للحديث عن غزة وحربها التي وقعت عام 2008.


كما يعود كنفاني إلى الواجهة من جديد في كتاب الكاتب تمثُي برنن “إدورد سعيد… أماكن الفكر” في مواضع متعددة من الكتاب، وأهمها إشارة المؤلف إلى استياء غسان كنفاني من موجة بعض الكتابات العربية المغرقة في التشاؤم بعد هزيمة 1967، ومنها إحدى مقالات إدورد سعيد نفسه، واصفا- برنن- غسان كنفاني بالروائي الفلسطيني البارز، وكان يرى كنفاني تلك الكتابات “حفلة ماسوكية لشتم الذات” (ص184).


وفي موضع آخر من الكتاب يقول عن أسلوب غسان كنفاني أن “النثر المفتت الذي يستخدمه غسان كنفاني وتعدد الرواة عنده، على سبيل المثال، ينجحان في التعبير عن انعدام قيمة الحياة عند العمال الوافدين إلى الخليج، بحيث يلتقي القدر والشخصية في سلسلة من التصادمات المدمرة”. (ص205) يشير هذان الموضعان من الكتاب إلى ذلك الوعي الذي كان يتمتع به غسان كنفاني، وتلك الرؤيا التي ما زالت صالحة للاستعادة بعد خمسين عاماً من استشهاده.


بالإضافة إلى هذا وذاك، حضور مقولته الأشهر وسؤاله الأهم: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟” عند كثير من الكتاب والصحفيين، وصارت تستعاد هذه الجملة عند حوادث الموت المجاني للاجئين سواء في البحر أو في البر، فحضرت مع الفارين عبر قوارب الموت في البحار، أو مع عبور اللاجئين السوريين إلى دول الشتات الأوروبي.

وبالمجمل، فإن الناقد الأستاذ الدكتور عادل الأسطة يقرر أن “حضور غسان كنفاني في الأدبين العربي والفلسطيني يستحق الدراسة”، وكان هو نفسه- كما كتب على صفحته في الفيسبوك بتاريخ: 8/8/2018- أنه “قد توقف عند ذلك في كتابه أسئلة الرواية العربية: أولاد الغيتو- اسمي آدم نموذجا”، وهو الكتاب الذي خصصه الأسطة لدراسة هذه الرواية التي كتبها الكاتب اللبناني إلياس خوري.


وينبغي للباحث- وهو يضيء على موضوع استعادة كنفاني وحضوره المتجدد- ألا يتجاوز عما تكتبه الكاتبة غادة السمان بشكل دائم سنويا، لتستعيد ذكرى ولادته، ومن يعود إلى أرشيف الكاتبة في موقع صحيفة القدس العربي سيرى ذلك الكم من المقالات المليئة بالحب والإعجاب والتقدير لهذا الكاتب الفذ، والمثقف المبدئي، والعاشق المهووس بحبيبة لا تنال، وكأنها في كل مرة تؤكد أهمية حضوره في وجدانها ولغتها وفكرها.


يقول الكاتب والمفكر الفلسطيني عادل سمارة في مقالة له بعنوان: (المثقف واحد فإذا تعدد خان): “يتمترس المثقف وراء وعيه، كما يتمترس المقاتل وراء سلاحه”، وهكذا تبدو لي صورة غسّان الحقيقية في كل ما كتبه، متمرسا وراء وعيه، ثابتا واحدا لم يتعدد؛ فظلّ مثقفا نقيضاً للمثقف السلطوي والمدجن؛ يمتاز ببصيرة ووعي تامّين، سياسي وثقافي، وعي أنتج كاتبا مناضلا اتسقت أفكاره المجردة وكتاباته الإبداعية والبحثية بسلوكه مناضلا ومثقفا، فكان دائما حاضرا في بؤرة الصراع.


هذه الحالة من صمود المثقف، أعادت إليّ ما قاله يوما الشاعر السوري الراحل نزار قباني؛ معرّضا بالكتّاب وجبنهم:

أَيُّهَا الغَاضِبُ الكَبيرُ تَأَمَّلْ
 
كَيفَ صَارَ الكُتَّابُ كَالخِرفَانِ
  
إِنَّ أَقْـسَى الأَشْياءِ لِلنَّفْسِ ظُلْمَاً
 
قَلَمٌ فِي يَدِ الجَبَانِ الجَبَانِ
  

فلا يصح أن يتم تناول غسان تناولاً أدبيّاً صرفا على قواعد الأدب وحسب، بل ربما كان تناول غسان أدبيّا هو الغلالة الشفيفة لتجلية صورة غسان المثقف الواعي الذي نحتاج لسيرته ومواقفه في الوسطين السياسي والثقافي، وخاصة عند ممارسة الكتابة المنتمية إلى حقل المقاومة، بوصف غسان كنفاني أحد أركانها وأيقوناتها الساطعة الحضور.


لم يكن غسّان مثقفا انهزاميا، استسلاميا، مدجّنا، بل كان قويا وشرسا، فقد كان مثقفا منتميا ومشتبكا وعضويا، ومثقفا قلقاً، أدخله في سياق الحياة الثقافية والسياسية الفلسطينية والعربية والعالمية، فكان مثقفا سياقيا اجتماعيا، رؤيويا تغييرياً، ولم يكن خاملا ولا خائنا ولا مزيّفا، وليس مثقفا انطوائيا كذلك، وليس من جماعة “المثقفين الرسميين” الحاليين، عرباً وفلسطينيين، بل كان دائما في صلب الحدث السياسي والاجتماعي والثقافي.


كان مثقفا له بصمته التي تركها في وعي الأجيال التي عرفته حق المعرفة، فانحازت إلى ما انحاز إليه وأنصفت مشروعه الثقافي والسياسي دون أن تبحث عن مسميات أو مناصب أو امتيازات. هؤلاء هم ورثة غسّان الحقيقيون، وما عداهم فمزيفون، ولو حملوا أرفع الشهادات، أو حازوا الأوسمة التكريمية واحتلوا المناصب العليا.


لا شك في أن الكثيرين كتبوا عن غسان كنفاني من وجوه متعددة، دون التركيز على صورة غسان كنفاني المثقف من خلال قراءة سياقية ثقافية لسيرته ولإبداعاته المختلفة، فجاء كتاب “استعادة غسان كنفاني” ليعيد أسئلة المثقف ومساءلته في السياق الآنيّ، وقد غصت الساحة بكل ما هو زائف، سياسيا واجتماعيا وثقافيا ودينيّاً، وهذا ما حاولت فعله عندما تناولت كتاباته ومواقفه وتمددها السياسي والمعرفي والثقافي في وعي الجيل الحالي.

هذا الجيل التي قد يظن البعض أنه جيل متقوقع على ذاته محصور في التكنولوجيا، لكن الشواهد ساطعة أنه جيل واعٍ سياسيا، ومثقف ثقافة عملية تحميه من الوقوع في شرَك الامتهان ليتعالى على “نظام التفاهة” التي تحاول كثير من الظروف حشره فيه، لكنه يأبى إلا أن يكون حارساً أميناً لمنظومته القيمية الوطنية والإنسانية الراسخة.


سيبقى أدب غسان كنفاني مناضلاً نيابة عنه، صامداً في وجه الإرهاب الصهيوني، مستعادا من أجل هذا الغرض كما قال الروائي إبراهيم نصر الله في روايته أعراس آمنة: “انظري الآن، أحيانا أخرج لحوش البيت، وأرى الموت يُحَلِّق في طائرة الآباتشي أو طائرة أف 16، فأعود للداخل بسرعة أحمل مجلدات غسان، أرفعها إلى السماء وأصرخ في وجه الطيّار: تستطيع أن تفعل كلَّ شيء ولكنك لن تستطيع قتل هذا، لقد سبقك وفُزنا بهذا كلّه، هل نسيتَ؟”. (ط4، ص69).


لا بد من أن اسم غسان كنفاني ومواقفه وأعماله ومقولاته ستستعاد كلما استشهد مقاوم، وكلما رأينا مخيما واقفا متحديا مشاريع السلام الهزيلة، أو امرأة تناضل، أو ولدت ثورة أو مواجهة مع المحتل، أو كلما اغتيل قائد أو كاتب، أو  رأينا مثقفا يدفع حياته ثمنا لمواقفه، لأنه اختار ألا يسكت على ضيم، فالناس في رواياته هم نحن بكل ما فينا، يذكرني هذا باستعادة غسان كنفاني في نعي الرفيقة ابنة الجبهة الشعبية المرحومة وداد قُمَّري، وما نقل عنها وما نقله رفقاء في الجبهة وما نشره موقع الهدف الإلكتروني في نعيها فكتب: “رحيل بطلة “برقوق نيسان” يا غسّان… وداعا وداد قُمَّري”، أو ما نقل عن غسان نفسه أن شخصية سعاد وقاد في “برقوق نيسان” مستوحى من شخصيتها، وقد كتب مثل هذا أيضا الكاتب فايز رشيد في كتابه “مناضلات كبيرات في الجبهة الشعبية… كما عرفتهنّ”.


إن غسان كنفاني شأنه شأن أي كاتب عظيم ومثقف ثوري وشهيد سيظل يواصل حياته رغما عن هذا الموت المجازيّ، وعلينا نحن أن نعيد تكوينه فينا وفي استراتيجياتنا من جديد، فهو الحاضرُ الحاضر، كما تفترض هذه الاستعادة أيضاً أن نقرر حقيقةً، أستعير كلماتها مما قاله محمود درويش لأحد محاوريه قبل استشهاد غسان كنفاني بنحو شهرين (11/5/1972): “دم الضحية أو الشهيد هو دائماً أكثر شجاعة من لحم الأحياء، وبهذا المفهوم كل الأحياء جبناء وكذّابون”. (اسمي العلني والسري، محبّ جميل، ص79)


رحم الله غسان كنفاني، ودعوني أختم بهذا المقطع من قصيدة للشاعر الفلسطيني معين بسيسو بعنوان “غزال صنين” مستحضرا روح غسان بعد خمسين عاما من اغتياله:

‏استشهد الماء ولم يزل يقاتل الندى

استشهد الصوت ولم يزل يقاتل الصدى

وأنت بين الماء والندى

وأنت بين الصوت والصدى

فراشة تطير حتى آخر المدى


  • تنويه:

[*] مداخلة افتتاحية لندوة اليوم السابع المقدسية عبر زوم التي عُقدت من أجل إحياء الذكرى الخمسين لاستشهاد غسان كنفاني ومناقشة كتابي “استعادة غسان كنفاني”.

close

مرحبا 👋

قم بالتسجيل في النشرة البريدية لتتوصل بجديد مقالات منصة "بالعربية"، كل أسبوع.

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

فراس حج محمد

فراس حج محمد؛ كاتب من فلسطين، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الحديث، أصدر 18 كتابا في الشعر والنقد والسرد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات