نقد

لعنة «اقرأ»

انفرط عقد مؤتمر اتحاد كتاب المغرب إبان افتتاحه في مدينة طنجة وفي المركب الثقافي أحمد بوكماخ تحديدا. إنها لعنة زمن «اقرأ». أحمد بوكماخ صاغ ذاكرة جيلي الستينيات والسبعينيات بسلسلة كتبه المدرسية الخمسة التي كانت مقررة في الابتدائي المغربي. وكانت كلها تحمل عنوان «اقرأ»، وتحتها المستوى الدراسي. ألف هذا الكتاب المدرسي معلم عصامي، ولكنه استطاع بصدقه وإخلاصه ووطنيته أن يوحد ذاكرة كل من دخل المدرسة خلال عقدين كاملين. لم يكن من فضائل هذا الرجل الذي تم الانتباه إليه بتخليد اسمه في مركب ثقافي في مدينته الأصلية، أنه خلق ذاكرة، بل إنه أيضا ساهم في تكوين وتعميق معرفتنا باللغة العربية قراءة وكتابة، والتعرف على أسرار قواعدها من خلال سلسلة كتبه الموازية «الفصحى». 

بانفراط عقد مؤتمر اتحاد كتاب المغرب، الذي كان يقام له ويقعد في زمن آخر، وفي جلسته الافتتاحية، إعلان صريح على أن الكتاب الذين يكتبون قاطعوا قراءة «اقرأ»، ونهلوا من «قراءات» أخرى ألفت بعد تنحية تلك السلسلة من المدرسة المغربية، واستبدلت بكتب يساهم فيها معلمون ومفتشون من طينة أخرى مختلفة عن جيل «اقرأ». ادعى التجديد التربوي رؤية أخرى في التأليف المدرسي لتكوين أجيال أخرى لا علاقة لها بالقراءة والكتابة، فصار تأليف هذا الكتاب مؤسسا على دفتر تحملات، ومعايير مضبوطة، وترك فيه حبل التنافس للعلاقات والمحسوبية فكثرت التآليف، ووزعت حسب المناطق والجهات، بعد تأسيس «الأكاديميات»، وصارت كل جهة يتعلم فيها أبناؤها ما لا يتعلمه غيرهم في جهة أو منطقة أخرى، فبتنا أمام أجيال لا يجمع بينهم كتاب واحد يوحد الذاكرة والتكوين، وإن كانت توحد بينهم الشهادة التي يحصلون عليها، وكانت كلها شهادات على إفلاس التعليم، وانحدار المستوى. 
مع «الأكاديميات»، وكم كانوا موفقين في اختيار الاسم؟ ضاعت الأخلاق التربوية، واستنزفت الميزانيات، وقتل التعليم. لا غرو إذن أن نصل ما وصلنا إليه، وعلى المستويات كافة حتى صار أستاذ الفرنسية، في الألفية الثالثة، يقدم طلب اعتماد لسلك الماستر مليئا بالأخطاء النحوية والإملائية؟ فما العجب، في أن ينفرط عقد مؤتمر للذين يكتبون للأمة ما يجب عليها أن يقرأه المتعلمون منها الآن وخلال العقود المقبلة.
تزامن انفراط عقد اتحاد كتاب المغرب مع خروجنا «المشرف جدا» ومنذ الدور الأول من إقصائيات كأس العالم، بعد خروجنا من احتضانه في 2026، وتبدد معه حلم تنظيمه في سنة 2030، ومع الأحكام القاسية لحراك الريف، ومع حملة المقاطعة، وموازين، وغلاء الأسعار، ومطالبة البرلمانيين بتقاعدهم المريح، وفي الوقت نفسه اقتطاع إضافي لتقاعد الموظفين، وتنحية بعض الولاة والعمال… واللائحة طويلة. أليست هذه لعنة الزمن؟
كنا في زمان آخر نعتبر «الكاتب» إنسانا مختلفا، فهو الشمعة التي تحترق من أجل إضاءة الآخرين، بهدف تطوير عقولهم، وإخراجهم من ظلمات الجهل إلى أنوار العقل، وكنا نرى في السياسي من يضحي بحياته من أجل انتصار قيم العدالة الاجتماعية، كما كنا نرى المعلم أهلا للتبجيل والتقدير، والرياضي المستميت في الدفاع عن القميص الوطني. 
كتب أحد القراء الشباب على صفحتي تعليقا على ما كتبته في المقال الأخير حول الجامع الثقافي: لقد انتهى زمانكم. فوافقته على ذلك، وسجلت إعجابي بما كتب، وانبرى قارئ آخر غيور على الصفحة بالرد عليه. أتفق أننا نعيش زمانا آخر. لكن هل هو زمن الحلم الذي كنا نحمله؟ لقد ضحى المغاربة من أجل الحصول على الاستقلال، ومن أجل تحريره الكامل من بقايا الاستعمار بكل صوره. كما ناضلوا من أجل تعميم التعليم وتعريبه ومن أجل الديموقراطية، وقدموا في ذلك تضحيات جسيمة. لكن الانتصار كان لخصوم الديموقراطية، وكان لتخصيص التعليم، ولا تعريبه. فصرنا الآن نطالب بتمزيغه وتدريجه إلى جانب أمركته وأنجلزته، وهلم جرا.
حين تحدثت عن الجامع الثقافي كنت أقصد الهواجس المشتركة والمصلحة الموحدة في النظر والعمل. وحين ينتفي هذا الجامع، يصبح كل يدافع عن الخاص الذي يهمه وقد اختزله في «مصلحته» الخاصة جدا وضدا على كل ما هو عام: مصالح الآخرين. وهذا التصور وليد صيرورة، وإرادة سياسية واجتماعية. ما الفرق بين تفجير الأحزاب والنقابات والمؤسسات الثقافية وغيرها، وتفريخ أحزاب وجمعيات؟ وما الفرق بينها وبين تأسيس أكاديميات لا تعتمد نظاما تربويا جامعا؟ كانت كل المبادرات والتحولات تصب في تشتيت التصورات وتجذير تفاوت المصالح. فكان أن هيمنت الانتهازيات الخاصة، وتبددت معها الأحلام المشتركة. وكان من نتائجها على المستوى العام: أنا وحدي، وبعدي الطوفان.
عرف اتحاد كتاب المغرب في كل تاريخه صراعات كانت تنتهي بتوافقات قوامها الحد المطلوب لتطوير الممارسة الثقافية المغربية. لكن منذ أن بدأ نظام الأكاديميات، وغيبت «اقرأ»، وعوضت بـ«انتهز» قبل فوات الأوان صار كل يعمل على شاكلته، فكان كل التردي الذي نعيشه الآن وليد هذه الصيرورة. فالأستاذ يجلده التلميذ، والمطالب بحق دائخ، والبرلماني لا يهمه سوى التقاعد، والكاتب يبحث عن المكافأة والجائزة، والسياسي كرسي الحكم.
لعنة «اقرأ» تطارد من ساهم في قتل التعليم والتضحية بالوطن.

 

سعيد يقطين

كاتب وناقد مغربي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، متخصص في السرديات العربية، أستاذ زائر بعدد من الجامعات العربية والغربية، حاصل على جائزة الشيخ زايد في الفنون والدراسات الأدبية، وجائزة الكويت للتقدم العلمي؛ نسخة 2023.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى